الأحد، 27 مارس، 2011

فراشات القصة تنطلق من حديقة ابن سليمان الروداني بتارودانت




"أصوات الفراشات":

فراشات القصة تنطلق من حديقة ابن سليمان الروداني

كيف يكتب الشباب المبدع في تارودانت القصة؟

ما هي انشغالات الشباب المبدع الجنوبي من خلال كتابابتهم؟

ما هي حدود إمكانات القول السردي لدى الشباب المبدع؟

السوداوية تغلف إبداعات الشباب الروداني: "أصوات الفراشات" هي المجموعة الأولى من نوعها التي تضم كتابات مبدعين شباب، ففي بادرة هي الأولى من نوعها، أقدم نادي الإبداع الأدبي والمسرحي بثانوية بن سليمان الروداني بإصدار كتابه الأول الذي عول على تفجير الطاقات الإبداعية، وإفساح المجال لهؤلاء الشباب الذين وثق فيهم عميد القصة المغربية أحمد بوزفور، وأشاد بهم في تقديمه بقوله: " أشد على أيدي المبدعين الشباب الذين جعلوني أرفع رأسي إلى الأفق بثقة وأنا أشم في نصوصهم مخايل المطر القادم." وفي معرض تقديمه للمجموعة أشار بوزفور إلى كون الموهبة تختلج في جميع النصوص وتبرز في نصوص بعينها وتختبئ حتى لا تكاد تبين إلا لخابر في نصوص أخرى. كما ألمح أحمد بوزفور إلى هيمنة السوداوية على النصوص متسائلا عن الفرح والحب والموسيقى والرقص والمرح والسخرية وعن الصبر والصمود والإصرار بدل النبرة اليائسة البائسة المخيمة على قصص الشباب الواعد.

مبدعات ومبدعون يعيشون في الامتداد والصفاء قبل العبور إلى عالم الفراشات وهو عالم القصص المائزة بخصوصياتها، الماتعة بحبكاتها، يتصدر الكتاب تقديم ثان للقاص المبدع عبد العزيز الراشدي معنون بـ"اصطياد الفراشة" ويعني الراشدي- فراشة اللغة- التي جد المبدعين في اصطيادها ولا زالت تفلت من عيون الشباك الضيقة. وقد تساءل الراشدي عن المشترك بين النصوص، وما يجعلها متفردة. هل هو فقط انتماؤها لروح الجنوب، أم هو إصرار أصحابها على إسماع أصواتهم إلى قارئ آخر مفترض ظل ينظر بترفع إلى نصوص هذه البقعة من الأرض جاعلا من مدن المركز أفقا لكل قراءة وفضاء لكل تجربة؟. وبعد تحليل سريع لهذه القصص خلص عبد العزيز الراشدي إلى كونها نصوص تتعامل باقتصاد شديد مع اللغة، وتنكتب بنفس جنوبي وبأنامل مبدعات ومبدعين يعيشون في الامتداد والصفاء ولم تلوث المدن الخاوية مسارهم. وحسب الراشدي دائما فشاغل هذه النصوص هي قضايا لا تمت بصلة للقضايا الكبرى للجيل الأول، وإنما لكل جيل قضيته الكبرى."إنها نصوص تنتمي تماما لعصرها وقضائها وتقترح مواضيعها المطلوبة الضرورية".

الإبداع الأنثوي يهيمن على أصوات الفراشات "أصوات الفراشات" هي إذن ثمرة عمل جاد ودؤوب لنادي الإبداع الأدبي والمسرحي بثانوية ابن سليمان الروداني الغاية منها هي إبراز المواهب الجميلة التي يمتلكها الشباب المبدع والتعريف بها وتوريط أصحابها أكثر في حب القصة القصيرة. إضافة إلى صيانة (ذاكرة النادي والثانوية) هذا الهدف الأخير نعتقد أن المجموعة تعدته لتكون ذاكرة للوجدان الإبداعي في المدينة التي لم تعرف من قبل إصدارا قصصيا جماعيا رغم أنها- مما لا شك فيه- تحبل بأقلام كتبت القصة على أعمدة الجرائد والمجلات ووئدت نسيانا. تضمنت المجموعة عشرين نصا لعشرين قاصة وقاص، وقد لفت الانتباه هيمنة الصوت الأنثوي، فقد بلغ عدد الكاتبات في المجموعة 15 مقابل 5 كتاب ذكور، فهل يعني هذا أن " الكاتبات يكتبن أحسن؟".

ارتباط الإبداع بما هو عاطفي وذاتي واجتماعي يتصدر المجموعة نص رومانسي شاعري بعنوان لك في قلبي حكاية، وقد تميز النص بصفعاته الشعرية المتتالية وبلغته المنحوتة بإزميل (الآه). وعلى وتر شجون الشباب العاطفية نسجت منية العرفاوي ونسرين محريم، الأولى في قصة "قدرنا أن لا نلتقي" وقد احتفت بهمس الخروف وبأسلوب الخاطرة سعت إلى كهربة السطور والثانية في قصة "ذكرى مقطوعة" بأسلوب المفاجأة والتشويق سعت إلى الرفع من قوة الحبكة. من جهة أخرى تناولت الأقلام الفتية أهم القضايا الاجتماعية بين الرجل والمرأة، فمع سميرة الورديغي نقرأ في قصة "الليلة الأولى بعد الألف" نسخة معاصرة لقصة ألف ليلة وليلة ترصد تمفصلات العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا وتعيد فاطم الزهراء العشرات في قصة "عائد" رصد هذه العلاقة بتفصيلات اجتماعية وواقعية. ومن خلال قصة "أعماق دامية" تقدم بشرى زهراوي رؤيتها لهذه العلاقة لافتة الانتباه إلى قتامة الوضع الاجتماعي وسطوة الفقر والتهميش والحرمان التي تدفع الرجل لأن يتقمص دور شهريار المتسلط. وترسم فاطم الزهراء أيت بهي أخيرا شعاع أمل في قصتها "أمل"، شعاع أمل للمرآة ضحية الرجل وضحية المجتمع. لقد كان الوضع الاجتماعي أكثر المواضيع إلهاما للشباب المبدع، فرغم تركزه في بعض القصص على العلاقة بين الرجل والمرأة غلا أنه ظل رحى للعديد من القصص التي أبدعت في تصوير الواقع الاجتماعي. تكتب مريم المشماشي في قصة "لحظات ذكرى" لحظات سقوط صبية قاصر فقيرة في بؤرة العهر ومستنقع الضياع وتقدم جميلة اليعقوبي أفقا مسدودا لشاب يبحث عن نفسه في قصة " لحظة تفكير". أما زكرياء فريفري الذي بدأ من حيث انتهى الأديب محمد ابراهيم بوعلو فيكتب قصة "بعد السباق" المستلهمة من قصة "السباق" ليعري وجها آخر من وجوه المجتمع القاسي. وقد أضفت السحرية على هذه القصة جمالية افتقدناها في قصة "دمعة وفراق" التي كانت صادمة بإغراقها في السوداوية، فعبد اللطيف أوبرحيم حين كتب عن معاناة شاب يهاجر أمه وطد العزم أن يكون لسان حال حقيقة وواقع مرير. ورغم أن عبد الرخيم أوبرشبح احتفى بالسخرية في قصة "قدر قدر" لوصف المعيش اليومي لكادح جائع إلا أنها كانت سخرية مرة تتقاطع في شيء من الاتفاق غير المقصود مع قصص أخرى أبرزها "العمر الضائع" لسكينة نعم التي ترصد مخالب الواقع الاجتماعي وضراوته من خلال حياة شاب في مفترق الطرق يختار بين الخير والشر. هكذا تبرع الأقلام الفتية في اقتناص لحظات الحزن والمرارة والاحباط، فها هي آسية الخليل الحدري في قصة "وجوه" تقتنص لحظة الإعلان عن مرض السرطان ووقعها على الوجوه المنتظرة. من بين هاته العتمات التي استقفلت واستغلقت وضاقت تبرز صور تحفر في أعماق الذات: حزينة هي نعم، لكنها متفائلة. من بين هذه الأصوات يصادفنا صوت آسية الوافي التي اختارت عنوانا جميلا وآسرا هو " أسرار الظل" لتبوح بما يصدح في الذات الجوانية، ومن بين هذه الأصوات أيضا يبرز صوت حسن الرامي في قصة "من أنا...؟" فهي قصة فلسفية ورمزية تغازل متاهات النفس ومتاهات الحياة. وتطالعنا قصة لوردة جودي رغم كونها تحمل عنوان "بسمة..واختفت" إلا أنها قصة يغمرها الحب والنبل في المشاعر الصادقة التي وإن انتهت غلى الاختفاء فغنها بذرة إخصاب للامل والحب. كذلك تنتهي قصة "وصال الآمال" غلى الدلالة النبيلة التي يحملها العنوان. إن اختيارات الشباب متعددة من حيث القوالب والمضامين، وهي إن كانت مرتبطة أكثر بما هو عاطفي واجتماعي وذاتي فإن ذلك لم يمنع أومالك أسماء من طرق موضوع سياسي إيديولوجي في قصة "ارهابي". ورغم أن أغلب الكتابات راهنت على الكائنات البشرية، فإن مريم المعتصم جعلت من العصفور سوار في قصة "عودة سوار" موضوعا طريفا وموحيا يحبل بالإشارات اللماحة غلى روح المغامرة، والروابط الحميمية والفرح الممتزج حزنا ومرحا.

المايسترو محمد كروم هكذا تكون مجموعة أصوات الفراشات سمفونية متعددة تصدح في حديقة إبداعية يقودها مايسترو محترف اسمه محمد كروم، وغليه يعود الفضل في إعداد وتنسيق الكتاب، وقد كان هو الرابطة الأكثر تجدرا على مدى أكثر من عقد للحفاظ على ماضي النادي العتيد واستمراريته وهو ما مكنه من أن يلعب دور الوسيط بين الأجيال المتقاربة التي أتت فضاء النادي منذ سنة 1998 غلى سنة 2010. البعد الجمالي في أصوات الفراشات ذيل الكتاب بملحق عميم الفائدة، وهو دراسة للأستاذ رشيد هيبا تحمل عنوان "البعد الجمالي في أصوات الفراشات" وفي تحليله العميق للمجموعة يشير الأستاذ الدارس إلى أن "مجموعة من هذه الكتابات تحتمي بأعشاب دافئة وقواقع يخلقها التلاميذ المبدعون للاحتماء من وحشية التهميش واللامبالاة والقلق النفسي والتوجس من المستقبل" ويؤطر الباحث رشيد هيبا النصوص الإبداعية حسب مضامينها في مدارين كبيرين، المدار الأول وهو البعد الاجتماعي، ثم مدار البعد النفسي الذي احتل الخير الأكبر حسب- رشيد هيبا- ولمزيد من الدراسة والإجرائية يقسم هذا البعد غلى محورين: - المحور الوجداني: ويرى الأستاذ رشيد هيبا انه الأكثر انتشارا ضمن هذه القصص القصيرة. - المحور التربوي: وهو مرتبط أساسا بالاختلالات التربوية التي تسود المناخ الأسري والعلاقة بين الرجل والمرأة وقد تطرقت العديد من القصص لهكذا مواقف. هذا وتميزت دراسة الأستاذ رشيد هيبا بتناولها للأبعاد الجمالية على المستوى الشكلي والبنائي (النسق الدرامي- الخيال- اللغة الشعرية- السخرية) إن ميزة هذه الدراسة التي خص بها الأستاذ رشيد هيبا مجموعة أصوات الفراشات تكمن أولا في ندرة الأقلام التي تستطيع مواكبة ومتابعة إبداعات التلميذات والتلاميذ، وتكمن ثانيا في التفاف الدراسة وتطويقها لهذا القول الإبداعي من مختلف النواحي، التربوية والنفسية والجمالية والفنية وهو ما يحسب للأستاذ الباحث.

ليست هناك تعليقات: