الأربعاء، 28 ماي، 2008

ندوة تدريس الشعر بالمدرسة

(ندوة تدريس الشعر بالمدرسة المغربية )
يوم 26/03/2008
احتفاءً باليوم العالمي للشعر الذي تخلده "ورشة الشعر" بالمؤسسة تحت شعار
بالشعر نضيء العتمة


إعداد وتنسيق: شكيب أريج- عبد الهادي روضي


تقــــرير مفصل عـــــــن الندوة

إعداد وتنشيط الأستاذ : شكيب أريج

المحور الأول- أرضية للنقاش

الجداول تعذر علي نقلها على المدونة مباشرة فنقلتها على الرابط التالي

http://up.m5zn.com/167760328460/تدريس%20الشعر%20بالمدرسة.doc

من خلال هذه الاحصائيات يمكن أن نستخلص مجموعة من الملاحظات

الشعر يحتل مكانة ثانوية في مقررات مادة اللغة العربية (المفيد/مرشدي/الأساسي) وهو لا يغطي من نسبة النصوص إلا حـوالي %10 في أفضل الأحوال، وبالنظر إلى الحيز الزمني المخصص لمكون النصوص الشعرية نجد أن التلميذ يدرس قصيدة واحدة في ساعة واحدة بمعدل يصل إلى قصيدة في الشهر




ملاحظة دقيقة لأسماء الشعراء تبين أن واضع الكتاب يتمتع بأفق شعري ضيق، فلا وجود لأي نص عالمي أو نص من إبداع أنثوي. لكن الملفت هو مغربة الشعر حيث سنجد


أنه من بين 10 نصوص في السنة الأولى تم اختيار 4 نصوص لشعراء مغاربة، تكرر اسم محمد الحلوي لمرتين وحضر اسم علي الصقلي والحسن البونعماني، وكلها نصوص شعرية كلاسيكية ، أما بقية النصوص فتوزعت بين شعراء من أقطار أخرى (نزار قباني- أحمد شوقي- محمد العربي صمادح- إلياس فرحات- معروف الرصافي- إليا أبو ماضي


مقرر السنة الثانية تحضر فيه ثلاثة أسماء مغربية (ابن المرابط الدلائي- المدني الحمراوي- محمد بن ابراهيم المراكشي) وأربعة أسماء من مصر( أحمد هيكل- أحمد شوقي- أحمد عبد المعطي حجازي- ابراهيم ناجي) ويتضمن

المقرر قصيدة واحدة لنزار قباني





- وبلغة الأرقام فإن نسبة الشعر في المقرر لا تمثل سوى % 17.64 مقابل % 82.36 من النصوص النثرية، ونسجل أن أربع قصائد من أصل عشرة هي قصائد مساعدة في مكون التعبير والإنشاء.
- تضمن مقرر السنة الثالثة ثلاثة أسماء مغربية (علال الفاسي- مصطفى المعداوي- محمد بن ابراهيم المراكشي) واسمين من مصر (محمود سامي البارودي- أحمد عبد المعطي حجازي) وأبو القاسم الشابي من (تونس) بمجموع 7 نصوص شعرية مقابل أزيد من 40 نص نثري.

· ملاحظة أساسية تبرز من خلال تأمل هذه النصوص والإحصائيات وهي ضعف تنويع الأغراض الشعرية والاقتصار على المدح والوصف، ولعل التقيد بالوحدات المضمونية للمقرر يحجب الأغراض الشعرية المتنوعة (رثاء- فخر- غزل..) والموضوعات التي طغت في ساحة الشعر المعاصر (الحب- الموت- الوطن- التأمل- الذات..)
أحيانا توحي قراءة الأسماء أن واضعي المقرر وضعوا على كاهلهم مهمة الكشف عن الأسماء المغمورة (ابن

المرابط الدلائي- شبلي الملاط- المدني الحمراوي- محمد العربي صمادح...) يمكن القول أن الأسماء لا تهم بقدر ما يهم التوفيق في اختيار النصوص ومن تم يحق لواضعي الكتاب اقتناص أسماء من مجلات وجرائد أو حتى زوايا دينية ومدارس عتيقة.

وفي المقابل فإن الأسماء الأعلام (نزار قباني- إليا أبو ماضي-أحمد شوقي- أبو القاسم الشابي- علال الفاسي- سعدي يوسف..) توضع تحتها في الغالب نصوص باهتة لا تدل على الأوج الشعري الذي وصل إليه الشاعر، من جهة أخرى تبدو أهمية حضور أسماء الأعلام في كونها تكسب ثقافة شعرية ما أحوج التلميذ إليها. فلن نستغرب مع هذه المقررات أن يصنف التلميذ محمود درويش في خانة الروائيين أو السياسيين أو أن يعتبر المتنبي قصاصا أو فقيها.

* كما سبق أن أشرنا فإن النصوص الشعرية في كثير من الاختيارات لا تعكس الأوج الشعري الذي وصل إليه الشاعر، ومن تم الإلحاح على أن يتضمن المقرر عيون الشعر العربي القديم والمعاصر ولا يجب تبريرالاختيارات الباهثة بالمستوى الإدراكي للتلميذ فنحن جميعا نعرف أن التلميذ والأستاذ هما من يرقى إلى مستوى الشعر لا العكس.

هذه بعض الملاحظات العامة التي نضعها نصب أعين القارئ كأرضية للحديث عن موضوع شائك ومتشعب يمثل عصب اللغة العربية، وحسبها أنها ملاحظات تنبش عن أسئلة البداية.




المحور الثاني
موانع وعوائق تدريس الشعر في المدرسة المغربية




أولا يجب أن نميز بين الموانع والعوائق، فالمانع هو ما يمنع تحقق تدريس الشعرـ فنكون أمام استحالة تحقق حصة الشعرـ فمثلا إذا غاب النص الشعري فلا قدرة للمدرسة ككل على إحياء الشعر.
أما العائق فهو مشكل عارض يمكن تجاوزه لأن هناك عوامل قد تكون مساعدة، والعائق هو إبطال شرط من بين شروط عديدة لإنجاح حصة تدريس الشعر، ومن المستبعد أن تكون الحصة خالية من العراقيل وهو ما تشير إليه المقولة التربوية الشهيرة " ليس هناك درس أجود من درس بل هناك درس أقل إشكاليات من درس آخر"
للوقوف على هذه الموانع والعوائق لا بد من استحضار أسس حصة الشعر بالمدرسة (1- المدرس-2-النص الشعري-3- التلميذ-4- ديداكتيك تدريس حصة الشعر)
انطلاقا من هذه الأسس سنصوغ إجابات افتراضية لمجموعة من الأسئلة التي كانت محاور لندوة دراسية شارك فيها مجموعة من التلاميذ والأساتذة والفعاليات.




1- لماذا يشعر التلميذ أن درس الشعر مثله مثل جميع الدروس؟
2- ما هي الأمور التي يحبها التلاميذ في دراسة الشعر وما هي الأمور التي يكرهونها وينفرون منها؟
3- ما الذي يمنع من تذوق الشعر العربي ويحول دون اعتباره أحد المتنفسات مثله مثل الموسيقى والمسرح والتلفاز وكرة القدم..؟
4- ما الصعوبات التي يجدها التلميذ أثناء قراءة الشعر؟
قبل مناقشة الموضوع لا بد من الإشادة أولا بآراء التلاميذ الذين قدموا إجابات واقعية تنم عن وعي تلامذي، وعن رغبة تواقة إلى تلقي الشعر ودراسته، وهي إجابات أصابت صميم الموضوع.
بداية أجمع التلاميذ الحاضرين في الندوة على حبهم للشعر وعن رغبتهم في تلقيه ودراسته، في حين عبرت نسبة لا تتجاوز %10 من التلاميذ الحاضرين على عدم تحمسها لقراءة الشعر وتلقيه ودراسته . وعبرت بعض الآراء عن الرغبة المقموعة التي لا تجد من يدعمها ويصقلها ويقف إلى جانبها، كما عبر رأي آخر عن كون لغة الشعر هي لغة صعبة.




رأي كان أكثر جرأة أقر أن التلاميذ لا يمتلكون صورة واضحة عن الشعر وأوعز ذلك إلى كون الاختيارات الشعرية وأسماء الشعراء بالكتاب المدرسي لا ترقى إلى المستوى المطلوب، ومن جهة أخرى فالتلاميذ بحاجة إلى مهارات التلقي التي تمكنهم من تذوق الشعر.رأي كان أكثر صراحة ناقش مسألة صعوبة الشعر، ومن خلال شهادته نعرف أن التلميذ كلما اقترب من الشعر إلا وقيل له أنه صعب وبعيد المنال ولا يُفهم، إلى أن ترسخ الاعتقاد بذلك في نفوس التلاميذ فبات من الصعب إقناعهم بجمالية الشعر وعذوبته وسهولة تذوقه وفهمه.
أعرب بعض التلاميذ في هذا النقاش المتفاعل على نفورهم من الإيقاعات والأوزان وهو رأي حاول الأستاذ محمد



بويكادون توجيهه وتصويبه[1]

***


انطلاقا من استحضار أسس العملية التعليمية التعلمية في تدريس الشعر بمكننا أن نقف على جملة من الموانع والعوائق:
1- المدرس:
بعض التلاميذ أشاروا بشكل مباشر إلى مسؤولية الأستاذ في تحبيب حصة الشعر إلى التلميذ، وفي نفس الصدد يقول المعلم اليوناني سقراط "ماذا يمكن أن أعلمه إذا لم يحبني"، وبعض التلاميذ أشار بشكل غير مباشر إلى حاجاتهم إلى من يدعمهم ويصقل مواهبهم ويسايرها في مهدها.وفي اعتقادي أن المدرس يمكن أن يكون مانعا من موانع تحقق درس الشعر حين يقتل النصوص بالقراءة العابرة (الجورنالية) أو حين يطفيء جدوة الشعر المستعرة في المواهب المنبتقة، وهو يكون معرقلا في حال افتقد للطريقة الأنسب لتنشيط حصة الشعر، وركز على استظهار النص أكثر من تذوقه، وشرحه وتفسيره أكثر من التحسيس بجماليته إبداعيته.
2- النص الشعري:



شار بعض التلاميذ إلى أن النص الشعري لا يرتبط بواقعهم ولا يعبر عنهم، ونقول أن النص يجب أن يلامس واقع التلميذ لكن بلغة المتخيل وحبذا أن يحضر في هذه النصوص الشعرية ( عالم اللعب، مشاعر الأطفال، المراهقة، الفنون..) أيضا النص يجب أن يؤسس لثقافة جمالية تجذب التلميذ إليها، ولن يتأتى ذلك إلا باختيار أحسن النصوص وأحسن الشعراء وأحسن المواضيع.
3- التلميذ:
التلميذ أيضا يمكن أن يكون عائقا مثيرا، فالرغبة لدى التلميذ في الدراسة بصفة عامة وفي حب الشعر بصفة خاصة لا يخلقها المدرس في حصة واحدة أو بنص واحد، بل في سيرورة تعليمية وبأساليب وطرق متعددة.
التلميذ يمكن أن ينفر من أمور شتى في حصة الشعر مما يدفعه إلى عدم الاكتراث والاهتمام وتلك أهم سمة يتطلبها الشعر، لأن الشعر لا يقال في الضجيج، ولا يصل الأسماع الخاملة، من هنا صعوبة جعل التلميذ مريدا للشعر متعلقا به.




4- ديداكتيك تدريس الشعر:
هناك من سيذهب حد القول أن الشعر لا يدرس، وهذا ليس محل نقاشنا، لأن النصوص الشعرية كمكون دراسي محل الدرس، لكن كيف تدرس؟
انطلاقا من هذه الإشكالية يتعين علينا إيجاد طريقة فعالة لترسيخ المقول الشعري في المدرسة المغربية وجعله عصب اللغة العربية، لأننا نؤمن بجدواه في تهذيب سلوك ولغة الناشئة وفعاليته في الرقي بمادة اللغة العربية في مختلف الأسلاك التعليمية.
المدرس ¡ ¡¡¡النص الشعري¢¡ ¡¡¡ التلميذ
هذه الخطاطة التواصلية البيداغوجية تبقى قاصرة عن التعبير عن تدريس الشعر بالمدرسة، فلو افترضنا جدلا عدم ظهور أي مانع أو عائق لدى أي عنصر من هذه العناصر فإن العملية التعليمية لتدريس الشعر لا تتم إلا بوجود طريقة منهجية ديداكتيكية فعالة.
نشير هنا إلى أهمية اللغة فهي مادة بناء الأفق الشعري وكما يقول رولان بارت "اللغة ليست زادا من المواد بقدر ما هي أفق" نستحضر اللغة كأساس لبناء حصة الشعر لأنه كثيرا ما يجد التلاميذ صعوبة في تمثل اللغة، وعادة ما يجد الأستاذ نفسه منساقا إلى درس في اللغة فيغيب تذوق الشعر في حصة مدارها ساعة واحدة.
نستطيع أن نقول أن الحصة الزمنية المخصصة لتدريس الشعر أكبر معيق فلا معنى لحصة مختزلة ومبتسرة لا تفي بالمتوقع منها.
نضيف إلى ذلك غياب دليل يوجه خطوات درس الشعر أو يعطي نموذج للمقارنة والمقاربة، وما التوجيهات الديداكتيكية الموجودة في كتاب الأستاذ إلا عموميات ومتاهات تعدم أن تجد فيها إشارات إلى ديداكتيك مهارات الإلقاء أو الصور الشعرية أو إيقاعات الشعر وكل ما هنالك هي أهداف وكفايات فضفاضة.

[2]
وعلاوة على ما قدمناه في هذا الشأن فإن الكتب والدراسات المتخصصة في ديداكتيك النص الشعري نادرة وعادة ما نجد كتب ودراسات عن ديداكتيك النصوص القرائية بصفة عامة.[3]
إن غياب نموذج تقريبي لتدريس الشعر سيجعل كل مدرس مثل مؤذن مالطة وسينعكس ذلك سلبا على التلميذ ويزداد الشعر ضبابية في عينيه.





المحور الثالث: آفاق تدريس الشعر




الأسئلة التي يمكنها فتح آفاق جديدة للشعر نعتقد أنها أسئلة يجب أن تسائل التلميذ والأستاذ باعتبارهما قطبي الوعي في العملية التعليمية التعلمية،ولقد طرحنا في الندوة أسئلة تروم التأسيس لأفق شعري مدرسي واعد، ومن تم تساءلنا:
1- كيف تكون حصة الشعر حصة متميزة مختلفة تقدم الجديد بالنسبة للتلميذ؟
2- كيف يمكن تنمية الذائقة الشعرية وجعل التلميذ متعلقا بالشعر ومحبا له؟.
3- ما هي الوسائل الكفيلة بالتغلب على الموانع والعراقيل السابقة الذكر؟
4- ما الذي نطمح أن تقدمه لنا المدرسة فيما يخص الشعر والثقافة الإبداعية؟
لقد كانت هذه التساؤلات مثارا لنقاش ظل يراوح بين المتمنيات والإرادات الطموحة التي شاءت أن توثق مداخلات هذه الندوة لتبقى وثيقة وشهادة ولنكون على أقل تقدير قد خرجنا من دائرة الصمت.
آراء وجيهة في الندوة ألحت على ضرورة ارتباط الشعر بواقع التلميذ وتقديمه لما هو جديد (وملمح الجدة أحد الملامح المغيبة في قصيدة الكتاب المدرسي)
مداخلة رزينة أشارت إلى أنه يجب الإيمان أولا بالشعر والشعور بمسؤولية التلقي والوعي بأن جمالية الشعر هي في طريقة القول.
مداخلة باسم النادي الانجليزي نبهت إلى ضرورة الخيال واعتماد المواضيع المتخيلة وأكدت على أننا يجب أن نعود التلميذ على قبول النص ورفضه ونقده، فذلك مهم في الشعر وفي الحياة.
[4]
من جهة أحرى أشار البعض إلى أن قناة الشعر الأساسية هي الإنصات وأن الحلقة المفقودة في تلقي الشعر بالمدرسة هي عدم الإصغاء أثناء قراءة الشعر، لذلك لا بد أن نطمح إلى أن يغير الشعر بعض العادات السلبية في واقعنا.
ربط بعض المتدخلين بين مواجهة ظواهر سلبية مثل الاكتظاظ، وسوء برمجة الشعر في المقررات الدراسية وبين تحسين ظروف تدريس الشعر.
وفي الختام فإن أهم ما ألحت عليه الندوة هو إعادة النظر في نوعية القصائد المنتقاة التي تتضمنها المقررات، وتوسيع الحيز الزمني لتدريس الشعر مع تكثير النصوص الشعرية لتشكل نسبة معقولة ضمن النصوص القرائية




وضعية تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية



أستاذ اللغة العربية بثانوية الوحدة الإعدادية




تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية: أسئلة ومغالطات*
إن كل حديث عن الشعر هو حديث شائك ومعقد وغير ذي جدوى، سيما في ظل الإكراهات أو، لنقل على الأصح الموانع المنصَّبة، موانع تدريس الشعر، وحينما نتطلع اليوم لتدارس وضعية الشعر بالمؤسسات التعليمية، يغدو الحديث أكثر تعقيدا، لأنه حديث عن الشعر وليس غيره، قلت حديثا معقدا باعتبار الشعر الشجرة غير المسلم بخصوبتها وجدواها في وضع ثقافي مغربي شاذ، حديثنا عن الشعر يقتضي منا، بالضرورة، سلك ممرات غير مهادنة، تبتعد ما أمكن عن لغتي " كلوا العام زين" و"التطبيل" ، بل عليها أن تكون حريصة على الفضح، وأكثر حرصا على انتقاد الوضعية، وتبيان وجهها الحقيقي، بغية وضع الأصابع على مكامن الداء، ومن ثم الاهتداء إلى وصفات دواء تحد من استشراء داء هجرة الشعر، وعدم الإيمان به مطلقا.
وأول ما يواجهني في هذه المداخلة بضعة أسئلة تكاد تلازم بنيات هذه الوضعية، وضعية الشعر، وهي: ما ذا نقصد بتدريس الشعر؟ هل نقصد به نمذجة النصوص الشعرية المتبثة بالمقررات المدرسية، وتقديم ملخصاتها جاهزة للتلاميذ؟ ماهي وضعية الشعر راهنا؟ هل نمتلك إيمانا حقيقيا بجدوى الشعر؟ ثم كيف يتحقق الارتقاء بتدريس الشعر؟
لا أملك إجابات شافية لهذه التساؤلات لكنها أسئلة تدفعني إلى تقويض بض المغالطات التي تعتري الشعرعموما، وتدريسه خصوصا بالمؤسسات التعليمية وهي:
1ـ غالبية ساحقة ممن يلتصقون بالشعر لا يمتلكون إيمانا حقيقيا به أولا، وبجدواه ثانيا، ويجسدن هذا المعطى تقلُّصُ هوامش البحث لدى تلك الغالبية (الأساتذة خاصة)، وانعدام مواكبة الساحة الشعرية مغربيا وعربيا وكونيا.
2ـ هذه المعطى يقودني إلى القول إن الكثير من الأساتذة يتعاطون مع الشعر باعتباره معطى ساكنا، من حيث المعطيات التاريخية والدلالية المحيطة بالقصيدة وكتابتها، وهو تعاطٍ يعزى بالأساس للمنزلقات والالتباسات، التي اعترت درس تلقي هؤلاء الأساتذة للشعر في الثانويات والمعاهد العليا، والجامعات، والمُتحصَّل تضاعف الإيمان بلا جدوى القصيدة.
3ـ تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية يجب أن يني على موقف عاشق،وإيمان داخلي بدءاً باختيار النصوص الشعرية، وتكييفها بحسب المراحل العمرية للمتمدرسين، وثانيا، بخلق موازنة بين حصص تدريس النثر والشعر، إذ لا يعقل أن يستأسد النثر وحده بحصة الأسد، بينما يتموقع الشعر كزائر يطل علينا مرة كل شهر.
4 ـ درس الشعر يجب أن يواكبه دعم معنوي سواء بالنسبة للمدرسين، أو المتمدرسين، عبر تقليص المدة الزمنية لأساتذة التعليم الثانوي التأهيلي المنشغلين بالشعر(بدل 24ساعة تتم برمجة 16ساعة مقابل تدريس الشعر)، وتحفيز التمدرسين بإنشاء مسابقات ولقاءات شعرية مستمرة، إرساءً لحضور الشعر في كيانهم.
5ـ يجب تفعيل فكرة الإيمان بالشعر، عبر تأسيس أوراش تتداول مستجدات هذا الجنس الإبداعي، وخلق دورات تكوينية للفاعلين في مجاله.



6ـ بموازاة مع ذلك، يتحتم على الوزارة وشركائها العمل على تفعيل حضور الشعر، وذلك بدعم مبادرات إقامة الملتقيات الشعرية، والندوات التي تتدارسه، وتزويد المؤسسات التعليمية بمستلزمات درس الشعر (دواوين متنوعة قديمة وحديثة، أشرطة صوتية، أقراص مدمجة، شرائط صوتية...إلخ(، وإشراك الشعراء ونقاد الشعر في برمجة النصوص الشعرية في المقرارات التعليمية المدرسية.
أخلص في نهاية هذه المداخلة إلى أن تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية تعتريه جملة موانع، منها ما يرتبط بالإرادة الداخلية الذاتية لأطراف العملية التعليمية التعلميية (الوزارة ـ المتمدرس، والأساتذة )،ومنها ما هو خارجي، ويرتبط بوضع الشعر في منظومة الثقافة في العالم، والاختيارات التي تتباها الجهات الصانعة للقرارات، فالشعر ضد ما هو لا إنساني، ولا يؤمن بالقيد وبالسلطة، لذلك غالبا ما يتم تلجيم هامش الحضور الذي يمتلكه الشعري فينا، مثله في ذلك مثل ما هو ثقافي.





عوائق تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية



مداخلة الأستاذ: محمد بويكادون



أستاذ اللغة العربية بثانوية الوحدة الإعدادية
مما لا شك فيه، أن الحديث عن عوائق تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية ينبثق من وجود قلب مؤمن بالشعر، محاولٍ كشف القناع، وإزالة الغبار عن العقبات الحائلة دون تدريسه في ظروفه الملائمة حفاظا وإبرازا لخصائصه ومقوماته، وترسيخها في نفوس التلاميذ، وهذا الحديث قلما طرح ونوقش، وأغلب من خاض فيه ليس أهلا له، كما لو طلب من حداد إجراء عملية لأحد المرضى، فهل هذا يستقيم؟!
ولعل الناظر إلى هذه العوائق يجدها موزعة إلى نوعين:
- عوائق داخلية: ترنو إلى إيضاح بعض العوائق التي تخص التلميذ ذاته لا تحيد عنه، باعتباره المستهدف في هذه الدراسة، وفي هذا الإطار يمكننا الحديث عن:
· عائق مرتبط بنفسية التلميذ، إذ نجد هوة كبيرة وبونا شاسعا تكاد تضل فيه القطا بين التلميذ والشعر، وهذا ما تؤكده وتجَليه التجربة، فذات مرة استفززت التلاميذ بالسؤال الآتي:هل تحبون الانتقال إلى نص شعري أو مواصلة النصوص الوظيفية؟ فكما لو عكرت صفوهم، وجدت نفسي أمام أجوبة ثنائية متشظية التقطت بعضها: "آش بينا شي شعر..". فهذا كله يمكن إرجاعه إلى الحاجز النفسي، وهو حاجز نتج عن خلفيات وتراكمات متعددة، عملت السنوات الدراسية الأولى فيها العامل الأساس.
عائق مرتبط بمستوى التلاميذ، إذ لا ريب أن الكل يتفق معي أن الشعر بالإضافة إلى ما يميزه من وزن وإيقاع فهو يحمل رؤيا معينة إلى الحياة عبر قنطرة اللغة؛ ونلاحظ أن المستوى اللغوي العام والغالب لتلامذتنا مستوى ضعيف لا يقوى إلى التفاعل مع الشعر، ومن تم يضعف ذائقتهم الشعرية التي تعتبر تنميتها غاية ومرمى تدريس الشعر. فالطريق إلى تحقيق هذا التفاعل ابتداءً هو الرفع والتحسين من المستوى اللغوي للتلاميذ، والتفاعل ينبني على عنصر التخييل، وأول من أشار إليه هو حازم القرطاجني (608هـ/684هـ) في كتابه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) حينما عرف الشعر، إذ يقول:
» الشعر كلام موزون مقفى، من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه لتحمل على طلبه أو الهرب منه..



الأستاذ محمد بويكادون يتابع أطوار الندوة

- عوائق خارجية: في هذا الإطار نروم الحديث عن بعض العوائق التي لا صلة لها بالتلميذ لكن لها صلة بالشعر من حيث واضعو ومختارو النصوص الشعرية في المقررات الدراسية، ومن تم يغدو هذا النوع من العوائق أخطر وأطمَّ من سابقه. لأجل ذلك سنخص الحديث هنا عن:
· قلة النصوص الشعرية المقررة، مقارنة مع النصوص النثرية، فكيف يمكننا تحفيز التلاميذ على قراءة الشعر وتنمية ذائقتهم الشعرية وشحذ هممهم من أجل الإبداع والخلق أمام هذا النزر القليل من القصائد الذي يعادل قصيدة في كل شهر.
· النصوص الشعرية المختارة، الكثير منها ينم ويكشف عن سوء اختيار وضعف تدبير، وذلك من حيث مواضيع هذه النصوص ومضامينها، وكذلك من حيث اختيار القصيدة الواحدة لشاعر معين، إذ نعلم أن هناك العديد من القصائد الغنائيةوالإنشادية، فلماذا يتم تجاهلها لحساب النصوص الأخرى، ولا نجد منكرا أن الإنشاد خاصية من خصائص الشعر لا ينفك عنه؛ وتاريخنا القديم ينبئنا بذلك ويقدم لنا نماذج فيه، فهذا شاعرنا النابغة الذبياني، وهو أحد الشعراء الجاهليين، قد عيب في شعره الإقواء، ولكنه لم يأبه له.. ولم يكترث لمن عاب عليه ذلك، إلا بعد أن استمع إلى شعره منشدا، فذات يوم سافر إلى يثرب مستضافا، فبدأت جارية بإنشاد شعره وخاصة البيتين الآتيين:



أمن آل مية رائح ومغتدي عـجلان ذا زاد وغير مُزَوَّدِ
زعم البوارح أن رحلتنا غدا وبذلك خبرنا الغراب الأسوَدُ
حينئذ انتبه إلى الإقواء في اختلاف حركات الحرف الأخير من كل بيت بعد الإنشاد، فقال قولته المشهورة، » وردت يثرب وفي شعري بعض العاهة، فصدرت عنها وأنا أشعر الناس«
فهذا ذكر بعض العوائق في تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية، وما أسهل الحصول على الدواء، إذا علم الداء وحُدِّدت مواصفاته، إلا أن هذه السهولة تحتاج إلى إرادة قوية وعزيمة جادة في محاولة تجاوز كل العتبات، واختراق كل الحواجز من أجل الوصول وتحقيق الهدف المرغوب.








مداخلة نادي اللغة الإنجليزية:




عبد العزيز المرابط: أستاذ اللغة الإنجليزية

مايك و سيريتا: عن هيئة السلام الأمريكية

تمحورت المداخلة حول مقارنة بين المناهج الأمريكية في تدريس الشعر والمناهج المغربية، حيث أشار مايك إلى أن المقاربة الأمريكية في المقررات المدرسية تعتمد على تدريس الشعر حسب مستويات ففي المرحلة الأولى يتم التركيز على الأبعاد الجمالية والتخييلية، ويسوق مايك مثالا لا يزال يتذكره وهو "العربة الحمراء" (وهو موضوع يناسب المرحلة العمرية ويترسخ في مخيلة مايك الطفل) ثم في المرحلة الثانية يصير الاهتمام بتدريس الشعر فيما يخص الايقاع والمقاطع وفي نفس الوقت يتم انتقاء قصائد متنوعة ومنها ما هو عالمي. وفي مرحلة لاحقة يتم التعمق في الصور الشعرية وتحليل الدلالات الشعرية.

وعقب أستاذ اللغة الانجليزية عبد العزيز المرابط موضحا أن ما ينقص المدرسة المغربية هو ذلك التدرج من الأسهل إلى الأصعب، وأكد على أنه من المحتم على المدرسة المغربية إعطاء الأولوية لمكون الشعر، وأن يتم انتقاء قصائد جميلة.

من جهة أخرى أشارت سيرينا إلى أهمية التخييل، لأن الشعر هو مفتاح الخيال وهو الذي ينمي القدرة على التجريد.
وفي الختام أكد كل المتدخلين من أعضاء نادي اللغة الانجليزية على ضرورة الشعر وأهميته كمحور للعملية التعليمية التعلمية، وأكدوا على أن الرغبة وحب التلميذ للشعر هي المحفز الأكبر لتلقي الشعر.

ملاحظة: تجدر الإشارة والإشادة بالدور الذي قام به أستاذ اللغة الانجليزية عبد العزيز المرابط كجسر للتواصل والترجمة الفورية بين جمهور ومنشطي الندوة ومايك وسيرينا المتحدثان بلغة انجليزية.



مداخلة الأستاذ رشيد صديقي

أستاذ التربية الإسلامية بثانوية الوحدة الإعدادية

لا يخفى على ذي لب العلاقة الوطيدة التي تجمع الإنسان العربي قديما بالشعر، فالشعر بمثابة الهواء الذي يتنفسه أو الماء الذي يبقيه على قيد الحياة، لذلك كان العرب ينظمون الشعر سليقة وفطرة وطبعا دون تكلف لكونهم تشربوا الشعر من ألبان أمهاتهم، كيف لا يملكون زمامه وخطامه؟ وهم أهل الفصاحة وأرباب البلاغة وملوك البيان.
وفي العصر الإسلامي اعتمد المسلمون على تضمين الشعر مصنفاتهم ومؤلفاتهم، واعتبروه مصدرا من مصادر تفسير كلام الله عز وجل، يقول ابن عباس (الشعر ديوان العرب).
لكن في العصر الحالي نلاحظ أن الاهتمام بالشعر أصبح ترفا فكريا مقصورا على نخبة وفئة معينة من الناس.


مداخلة الأستاذ: أحمد خشاف

أستاذ مادة الرياضيات بثانوية الوحدة الإعدادية

بسم الله الرحمن الرحيم، أولا أود أن أشكر أعضاء ورشة الشعر بالنادي الأدبي على الاحتفاء باليوم العالمي للشعر بهذه الطريقة. مداخلتي كالآتي:
كلنا يعلم أن دور أستاذ اللغة هو الحرص على أن يتقن التلميذ التحدث بلغة سليمة. وهذا لن يتأتى إلا بالحفظ والسماع، فعلى سبيل المثال كلما سمع التلميذ جملا كثيرة ترفع الفاعل، كلما ترسخ في ذهنه حتما وجوب رفع الفاعل. نفس الشيء بالنسبة للحفظ فكثرة حفظ القصائد الشعرية تتبث قواعد اللغة العربية. فلا يعقل أن لا يستطيع التلميذ أن يبدع أو يخلق، لذا وجب على الأقل رفع نسبة القصائد الشعرية إلى 50% من مجموع الحصص الدراسية.










ملف الندوة كاملا على الورد:



















http://up.m5zn.com/160130122008/تدريس%20الشعر%20بالمدرسة.doc الشعر بالمدرسة.doc












يتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبع




































الخميس، 22 ماي، 2008

القاص المغربي: أحمد بوزفور

تقديم أحمد بوزفور لقصة شجرة القهر


» شجرة القهر« مجموعة قصصية متميزة على عدة مستويات:

- على مستوى الفضاء أولا:

فسواء كانت خلفية المجال القصصي هي البادية (الفلاحة والرعي والحيوانات والحقول) أو المدينة (الأحياء الشعبية)، فإن الفضاء فضاء فقر مدقع مسحوق بائس يائس. فقر ناتئ يكاد يلمس باليد، وحياة صعبة وكأنها تعاش بالقطارة. لكن هذا الفضاء الأسود القاتم فضاء أدبي جميل مع ذلك، لأنه مغلف بسخرية باسمة تشيع في ثناياه كالماء الرقراق. سخرية متعاطفة لا تسخر من الفضاء، بل كأنما تسخر به أو تسخر فيه من الوضع المغربي أو من الشرط الإنساني أو من الأدب المخملي المصقول أو من ذلك كله في وقت واحد.


- وعلى مستوى اللغة الخاصة جدا التي تنسجم مع هذا الفضاء كأنما خلقت معه، له لغة تشرح تفاصيل المشهد حتى تكشف عن عروقه العارية، وتسمي الأشياء بأسمائها المستعملة في الواقع ولا تتحرج من أن تكون نابية أحيانا، وقاسية أحيانا وصادمة أحيانا. كل ذلك بسلاسة وتدفق وفي إطار قواعد اللغة ومعاييرها كأنما تقدم لك الشوك مغلفا بأوراق الورد وليس العكس كما يتوقع قراء القصة الحديثة.


- وعلى مستوى البناء القصصي المتماسك المرصوص الذي يحذف الزائد وينتظم الشتيت ويحرك الخامل، ويضبط بالعناوين ونهايات القصص إيقاع معزوفة الأثر والوقع.» شجرة القهر« إضافة نوعية خاصة إلى المتن القصصي المغربي أتوقع أن تثمر، رغم القهر الذي تصوره- وربما به- أشكالا من الحرية والخصوبة والجمال في نفس القارئ الذي له كتبت المجموعة وله أيضا كتب هذا التقديم .


(» شجرة القهر«- ص5-6)

شجرة القهر مجموعة قصصية للكاتب المغربي محمد كروم




شجرة القهر مجموعة قصصة للكاتب المغربي محمد كروم هي الاصدار الأول له أعتقد أن حكيه حديث ذو شجون


أترككم مع هده القصص المقتطفة من مجموعته القصصية الأولى:


نص قصصي

النجاة....النجاة


سحب من تحت سريره علبة كرتونية، أخرج منها حذاء شبه جديد و بدلة محترمة هي كل ما ورثه عن أيام الدراسة. شكر الله على نجاتها مرة أخرى من مناشير الفئران الكاسحة التي تباغت أشياءه الرخيصة من حين لآخر. لم يعد و سيما كما كان من قبل. صدأ الانتظار عجل بجفاف عوده و استرخاص وجوده. قادته قدماه إلى الطرف الشرقي للقرية حيث سيقابل إنسانا مهما، و حيت تعود أن يدفن وقته في التراب ينبشه بسبابته أو يتأمل بحسرة مروق سيارة أو شخير شاحنة أو قدوم مسافر يحمل خبرا يفرج كربته. فهو وحده في هذه النقطة المنسية يعرف ماذا يمكن أن يصنع به أي خبر جديد. جلس كما لا يجلس عادة على صخرة مستطيلة، يطارد سربا من الذباب، عيناه في الأفق البعيد : تطير به الريح إلى بلاد السند والهند، يصارع آلهة البحار، و يعود بعد طول انتظار، محملا بالهدايا و المحار. يعوض البقرة التي من أجله بيعت، و الأغنام التي نفقت، و يحول بستانهم الذي صارت تتمرغ فيه الحمير إلى جنة، يجن لها أهل القرية حسدا وغما. و ابنة الجيران التي ردته وعيرته بعطالته ستأكل أصابعها ندما، نعم ستأكل... جفل قائما على صوت منبه سيارة رمادية توقفت فجأة. أعاد ترتيب أنفاسه بصعوبة وهو قابع بداخلها يتأمل رزما من الأوراق من كل حجم و صنف. لا يدري كيف ذكرته بالدكان الوحيد في قريته و ما يُروى عن ميزانه من قصص. طمأنه صاحب السيارة على ملفه، و أقسم بشرفه أنه وضعه في يد أمينة و أن كلمته مسموعة عند أصحاب الشركة، و سأله إن كان قد شاهد قبل أيام وزيره ووعوده السخية، و كيف أن مسؤولياته الجسام لم تحرم الناس من حقهم في التملي بصورته البهية. و في اليوم الموالي كان ينهب المسالك من قرية إلى قرية ومن مدشر إلى مدشر ترفعه نجاد وتخفضه وهاد تحت شمس خريفية محرقة. كان بليل الريق قليل الحركات يوزع الأوراق، يشرح البرنامج. يبعث بخطبه جثة التاريخ المنحطة ببعض العطور المستوردة من أهل فاس. و إذا هاجمته في الليل ذكريات الماضي و الرفاق حوله متحلقين يتابعون تمزيقه أوصال التاريخ وتحريضه على السير بهمة إلى الأمام، سبح باسم مبدل الأحوال ثم نام.و مضى أسبوعان ثقيلان يجران خلفهما أيلول، فانجلى الغبار، و تبين راكب الحصان من راكب الحمار. و إذا مدير الشركة قد ذاب كقطعة سكر، بل كقطعة ملح. فأنا أمزح طبعا لأن السكر عندنا لا يذوب بسهولة. وصلته الأخبار. لم يستوعب ما حدث. لم يعد يحدث أحدا، أو يحدثه أحد. حتى خوار بقرة الجيران التي ولدت ليلة أمس صار يستفزه. طاف بالبيت يتأمل كل محتوياته كأنه يراها لأول مرة. و كمن يبحث عن شيء محدد انهمك يقلب ظهرًا لبطن بقايا خشب وحديد. و فجأة وقف يتأمل. لا يدري كيف ولا من أين وصل هذا الميزان البلاستيكي إلى وسط هذه الكومة ؟ بصق عليه وهو ينفخ الغبار عنه. علت شفتيه بسمة شاحبة. تلفت يمنة و يسرة ثم وضع الميزان في قفص لم يؤمن يوما بجدواه، فعلقه منذ زمان على الجدران.تسارعت حركاته وهو يبحث عن أشياء أخرى يود وضعها بجانب الميزان. علت وجهه مرة أخرى تلك البسمة الشاحبة. وضع القفص في سطل القمامة، فبال عليه، ثم خرج و لم يعد.

كروم محمد-



حدث ذات صباح


وأخيرًا غادر مدينة البيضاء، مخلفاً وراءه شلوًا من سنوات المذلة و الانكسار، و غرفة يسميها أهل المدينة بيتاً. غرفة تصلح لأي شيء إلا أن تكون بيتا، و مع ذالك كانت بيتا. فيه يصبحون و إليه يروحون. كأنه دبر دجاجة.عاد تطير به أحلام الصبا إلى جنوب مراكش حيث قرة العين وسويداء الفؤاد. قرية آبائه وأجداده، وحيت لا يملك إلا بقايا دار رغم أن أجداده أقدم من سكن القرية، كما تحكي المسنات أيام كن يتقملن تحت دفء الشمس و ينقلننا إلى عوالم لم يعد من يحكي عنها أو يسمعها. عاد إلى قرية الشويرج بإصرار من زوجته راضية التي تورمت قدماها ولم تعد تقوى على القيام بكل ما تقوم به النساء.و مضت الأيام و بوعزة كالنملة يقضي سحابة يومه في ترميم بقايا البيت المتهالك أو يدبر الطعام لنفسه و لزوجه. فتراه يتهادى مع نسيم الصباح . يجلب الماء من المسجد و الحجارة من الوادي.وفي الهاجرة لا تدور الراحة بخلده أبدا، بل تراه منهمكا على البئر يحفرها. أما و قد صارت الشمس مائلة كعين الأحول فلا بد أن يروم الشعاب يحتطب بقايا سدر يابس أو يقضي حاجة يسر لها الذباب و يتهالك عليها. حتى إذا تعب من كل ذلك أشعل الشمعة و سرح " السبسي" ثم جلس يقص "الكيف" على إيقاع شخير راضية الذي لا يكسر رتابته إلا نباح كلب ضال أو نهاق حمار يتهيأ بين الفينة والأخرى.كانت الأيام تمضي و بقايا الدار تستوي دارا، و دالية غضة تتربع كعروس مكتسحة فناء الدار شيئا فشيئا. وبوعزة هذا كان أعور. يقول البناؤون الذين اشتغلوا معه في البيضاء انه سقط من فوق بناية ولو لم يكن له عمر كلب لمات ساعتها. لكن بعض متفكهي القرية يروون عن حسن الراعي أن الذي ذهب بنور عينه هو روائح الضرط التي يفجرها الغلمان في وجهه ساعة الطعان. غير أن الذي حير الكبير والصغير وظل الكل يلوكه في صمت هو كيف استطاعت راضية أن تظل راضية على بلاويه هذه السنين كلها؟ راضية هذه كانت حين تمشي تبدو كبطة. وكانت المسكينة تحب القرية، وتحب الكرام من أهلها. غير أن ما تحبه أكثر هو الذهاب عند عويشة التي لم تحتر كما احتارت نساء القرية في تفسير سر البشر الذي صار يطفح على وجه راضية. فقد أسرت لجارتها زهيرو، ورجتها ألا تخبر أحدا أن ورم رجلي راضية كاد يزول بفضل جو القرية الجاف وأن ذلك لن يعوقها بعد اليوم عن ولوج كل بيوت القرية لابتلاع ما لذ وطاب من هندية وكسكس وباذنجان و لبن. ...و... .ولم تعقها قدماها.صارت تحج إلى كل البيوت.وصار بوعزة يطوف بهمة لا تفتر يبحث عن غلام أو يحارب خصما منافسا.غير أن خوفه الكبير كان من أخيه المختار الذي تجاوز خريفه الستين وما زال مصرا على الإضراب عن الزواج لاغناء تجاربه.ودارت الحرب سجالا بين الرجلين.وأقسم كل واحد بشرفه و بشيبه ألا يتوقف أو يتراجع أبدا.وفي عز الحرب كان بوعزة يطير إلى البيضاء لصرف معاشه فيبتاع زجاجة ويسكي و"طرفا"من"الكيف" ثم يعود إلى قواعده ليعدهما كمائن مغرية.وسارت الأمور كما يشتهي بوعزة ويكره المختار مدة من الزمان.و كاليدأدماها سوارها استيقظت القرية ذات صباح ملتهب على مقتل بوعزة.اكتسح القرية هدير الصمت.وعلا الوجوم وجوه الناس.لحظات عصيبة لم تدر بخلد أحد قط. حضر رجال الدرك . لم تتراجع امرأة واحدة. تقرفص الأطفال الحفاة بجانب الجدران يطردون الذباب عن زبد أنوفهم و عيونهم. كانوا يتابعون ما يجري ذاهلين و يسترقون السمع للكبار يتمتمون بالأدعية و يقرأون اللطيف وأعناقهم مشرئبة للجثة المطعونة. )كبيزة قتلو...سمعتو كالها... ( ولم ينكر"كبيزة" ابن السابعة عشر ربيعا. كان يضحك وهو يشخص المشهد. حتى خاله الأعور الذي حج إلى السجن أكثر من مرة تعجب من جرأته وسب الزمان الذي صار فيه الإنسان يقتل الآخر بسبب سنبلة "كيف" واحدة. نعم سنبلة"كيف" واحدة. وحين انطلقت سيارة الجيب تحمل خلفها" كبيزة" ، كان ما يزال يضحك وهو يتأمل و يسمع عويل راضية يشق سماء القرية.

كروم محمد-

الأحد، 18 ماي، 2008

رواية هوامش سجين للسعيد الخيز


الكاتب المبدع: السعيد الخيز





من أحدث الإصدارات رواية للروائي الشاب سعيد الخيز تحت عنوان سجين الهوامش، هي الرواية الأولى له والخطوة الأولى في عالم النشر صدرت في الأسابيع القليلة الماضية.


الرواية في نسختها الأولى حازت على جائزة وزارة الشبيبة والرياضة للذين يذكرون أيام مبادرة زمن الكتاب.


ثم استطاع الكاتب أن يتأهل بها للأطوار الأخيرة من مسابقة القناة الثانية المغربية


حول الابداع الأدبي


وشهدنا جميعا مبارك ربيع وهو يتلو تلاوين الشعودة الروائية عليها؟


لا أعرف إلى حد الآن هل الرواية التي كتبت بنفس حداثي ستصفع القارئ صفعة فنية أم صفعة رديئة يندم بعدها على قراءة الجنس الروائي


نقلت إليكم أعزائي رابط الرواية بشكل حصري لمن يجرؤ على تلمس القراءة والكتابة معا بين سطور المبدع السعيد
الخيز:




الرابط من هنا

http://up.m5zn.com/171430006336/&#15...78;ى.doc

الخميس، 15 ماي، 2008

بقلم : شكيب أريج
مقررات التسطيح والتلجيم
مقرر السنة الثانية إعدادي (المرجع في اللغة العربية) نموذجا

هو المرجع إلى بطن الخرافة والرجوع ارتدادا إلى سلطة فكي أسنان شيخ القبيلة، هو مقرر ينهل من فناجين القهوة العربية أو هو- الكتاب- حذاء صيني ضيق أريد له أن يكون قالبا للعقول الصغيرة فلا تنتج غير أفكار مكعبة وتمثلات مسطحة.
يقول المفكر عبد الله القصيمي: (الغباء مثل الخبز غداء يومي للجماعات..) هكذا يستجيب مقرر (المرجع في اللغة العربية) –السنة الثانية- إلى ما يطلبه الجميع، في حين أن المثقفين باعتبارهم جماعة صغيرة من ملوك حكماء يتحلون بالموهبة الاستثنائية والحس الأخلاقي العالي هم أولى وأحق ببناء ضمير الإنسانية من جماعة الميكانيكينن الرسميين، هؤلاء الذين كلفتهم الوزارة الوصية بعد أن وضعت في عيني كل واحد ضوءين أحمرين فاقتصرت مهمتهم على التسطيح وتقديم مقرر غريب عن التلميذ، بعيد عن احترام الكيان الإنساني.

1- ملاحظات حول النصوص الشعرية:
مع احترامي الكلي لمهنتي الخباز والعطار، فإن بعض المتطاولين على هذه المهن الشريفة أساؤوا إليها، إذ لم يجدوا بدا من اقحامها في ميدان التعليم، فاشتغلوا بتعليب العقول وتقديم الخبز المحترق المسمم، فهذا مقرر الشعر ينعي حظه، فقد غاب فطاحلة الشعر وأسياده من أمثال المتنبي والمعري وعنترة، واستبدلت الرخاخ بالبيادق، فالأسماء التي أقحمت هي أسماء باهتة ليس لها أثر في حدائق الشعر الغناء.
ثم إن اختيار القصيدة خضع لاعتبارات ضيقة وولاءات ظاهرة، فقد انصبت أولوية واضع المقرر على ربط القصيدة بالمجال وذلك على حساب غايات الشعر المثلى (التهذيب، ترقيق الحس، التربية الموسيقية، التأمل والتساؤل..) هذا التصور المبسط والسطحي للمجالات أدى إلى طرح مبتذل واستهلاكي للقضايا
- البعد الحضاري في القصيدة ، هو أعمق من الوقوف عند المخترعات والزخارف والنقوش والحيطان. وذاك هو الفخ الذي وقعت فيه قصيدتي "غرناطة" لنزار قباني و"مركب العلم" لأحمد البورقادي.
- "وطن الكرام" قصيدة لحسن السوسي تنقل لنا الوطن جسدا بلا روح، تكرس الحس المنعدم بالوطن وتسهم إلى حد بعيد في ترسيخ شعور النقمة على الوطن، فالرصاصة التي لا تصيب هدفها في ميدان الشعر هي رصاصة ترتد على صاحبها.
- "الفن الجميل" و" المسرح" من النصوص الشعرية المندرجة في المجال الفني والثقافي ، والغريب أن القصيدة في حد ذاتها محمول ثقافي وفني فما الداعي لحضورها معرفة بالفن أو إشادة به وتمجيد له. لكن إلزامية المجال الحرفية أملت على واضع المقرر الالتزام بضوابط التصنيف والانتقاء بشكل ببغائي يدعو إلى الحسرة.

2- ملاحظات حول نصوص المجال الحضاري:
لا بد أولا من وقفة متأنية فاحصة للمنهج الذي قسم على أساسه الكتاب، وأقصد نظام الوحدات، وقد آثرت أن أقتصر على هذه الملاحظات حول النصوص النثرية للمجال الحضاري، من باب قياس الجزء على الكل، ومن باب إذا ظهر المعنى فلا فائدة من التكرار، وملاحظاتنا على هذا المجال تغنينا عن الاستفاضة والوقوف عند نصوص كل محور على حدة.
يقول الفيلسوف الألماني هيدغر "إن الأمة التي لا تنتج تصورات لا يمكن أن تسير إلى الأمام" من هذا المنطلق نؤمن بأن تقديم النصوص واختيارها يجب أن ينبثق من رؤية واعية ورحبة، وأن لا يكون الهاجس الأكبر هو التلجيم والتنقيح إلى حد الوسوسة الفكرية.
إن غياب تصورات مؤسسة هو ما يجعل النظرة في غاية التبسيط والتسطيح لمفهوم الحضارة، فاختيار النصوص ينبني على ترسيخ تمثل ذهني عند الطفل يحصر فيه الحضارة في الزخارف والمخترعات.
يبدو أن النص الأول "التفاعل الحضاري" لقدري طوقان قد نجح إلى حد ما في تقديم مادة دسمة لترسيخه لفكرة مفادها أن الحضارة ارتقاء ولبنات. لكن النصوص التي حصرت معنى الحضارة في التقنية تكرس فهما براكماتيا ماديا لا يرقى إلى الغايات المنشودة في مقرر ينشيء الأجيال.
الأدهى والأمر أن الكثير من المعلومات المتقادمة والغير مشوقة قد وجدت مكانا لها في كتاب الغرابة هذا.
طريقة تقديم هذه النصوص -هي الأخرى- يعتريها خلل واضح، فغياب التشويق والأسلوب السلس هو ما يحكم هذه الاختيارات، اللهم إلا إذا استثنينا نص "الطاقة الذرية" للكاتب أحمد زكي، وهو المعروف بأسلوبه المجتذب للقارئ الصغير.
ولنا في نص "الآلة الحاسبة" مثال على البشاعة في العرض، فالأسلوب العلمي المحض، عطل تفاعل هذا النص، وعزاؤنا أن يصنع الأستاذ المعجزة لبعث الحياة في نص لغته أقرب إلى الترجمات الرديئة.
وسيبدو كم هو مفارق للواقع حشر نصوص مثل "ثورة الإعلام" و"المذياع والجرائد"، إذا عرفنا أن التلميذ الموجهة له هذه النصوص هو ابن الثورة المعلوماتية الرقمية، وأي حديث عن المذياع والجريدة هو حديث خرافة بالنسبة له.

" من يجد نفسه في حفرة عميقة، من الأجدر به أن يتوقف عن الحفر" هذه الكتب المدرسية أصحابها والمدرسين بها والتلاميذ يعرفون حجم كارثيتها، لكن الجميع يمعن في التجاهل، وفي المزيد من التسطيح والتلجيم، فلتكن لفلدات أكبادنا عين على الكتاب الذي لا يُفصِّل الرقيب مقاساته الفكرية، فهو موجود في كل مكان، لكنه مهجور.
شكيب أريج
09/05/2008

الأحد، 11 ماي، 2008

رواية القران المقدس[1]
أداة المعرفة الجميلة

يقول الكاتب المبدع المغربي أحمد بوزفور "الجمال في النهاية فكرة" ويقول شاعر هندي أيضا "الجمال دين الحكماء" من هنا العلاقة الإشكالية بين الجمال والحكمة، بين الفن والفكر، وقد نقر إلى حد بعيد أن الإبداع لا يخلو من إقناع.
من هذا المنطلق تجد فكرة الفن من أجل الفن أو الجمال الذي لا رب له ولا مقصدية معارضة كبيرة، والشيء نفسه ينطبق على الفكر الحافي فنصفه بالأجوف ونعترف أنه مصدر تعاسة وصداع للعقل الإنساني.
هذه الإشكالية التي ما زال الفلاسفة وكبار المفكرين يتخبطون فيها، إذ هم مطالبون بتقديم فكر لا يخلو من تمثيلات وتشبيهات ولغة بقدر ما هي حكيمة يجب أن تكون ممتعة. وعلى الضفة الأخرى فالأدباء والشعراء مطلوب منهم إضفاء الحكمة والتميز بثقل معرفي وموسوعي، دون أن يؤثر ذلك في الجمالية الشكلية للألفاظ والايقاعات.
إن الوعي بهذه الإشكالية هو ما قدم للإنسانية مبدعين مفكرين أو مفكرين مبدعين استطاعوا أن يتموقعوا في أفق متسام فأوجدوا للإنسانية فكرا راقيا يتشكل في أجناس أدبية متنوعة. وهو فكر سواء كان يتزيى بالشعر أو الرواية أو القصة أو المقالة وسواء كان يمر عبر أثير الموسيقى أو المسرح أو السينما فهو يؤدي رسالة فنية جمالية وفكرية فلسفية على مستوى راق.
(القران المقدس) قطرة ماء تثقب الحجر، لا بالعنف لكن بتواصل السقوط، فعبر تيار فكري ممتد بشكل تدريجي من بداية الرواية مرورا بشواهد الفصول انتهاء إلى أغوار هذا المتن السحيقة، تجترئ الرواية على تمزيق ركام هائل من الأفكار عبر غربلة دقيقة لما هو ماضوي وتبوثي وجمودي ورجعي ومحافظ، هذا العزف الفني الفكري المتواصل يندرج ضمن الحكي السردي الفني الذي يسعى لأن يكون في حدود المقنع الممتع.
الرواية تضع المجتمع السعودي تحت المجهر فمن خلال سلوكات وقناعات لشخصيات سائدة تظهر شخصية طيفية هي "عشتار" لتخاطب الشخصية الرئيسية "ليلى" وهي فتاة سعودية شيعية مضطهدة توجد في حالة مأساوية. بين الحياة والموت تجري فصول الرواية، في غرفة بيضاء على شفة القبر، وأهم من المكان، الزمان المشحون في لحظات عبرها تئن الروح فتناغيها "عشتار". تسرح الذاكرة فتلتقط شذرات من حياة هي أشبه بالموت. الصخب الفكري الذي تهيج به الرواية من خلال تحليل مجموعة من المواقف والمعتقدات، وهو صخب يشعر بالتوثر لا سيما أننا نستشعره من خلال روح معلقة بين الحياة والموت، وهي كثيرا ما تتماهى مع شخصية القارئ لتعلن عن ضجرها من الأسئلة المتعبة، ومرة أخرى نجدها تستنفذ طاقاتها توقا إلى المعرفة، كل هذا وطيف عشتار بين الحضور والغياب يجيب عن السؤال بالسؤال ويضع النقط تاركا مهمة البحث عن الحروف للآخرين.
إن تلخيص رواية بهذا الترف الفني والفكري لأمر أعده من المستحيلات، لكن بالإمكان الاستشهاد بمجموعة من الابراقات الفكرية التي جاءت في سياقات فنية لم تدع للقارئ ولن تدع له فرصة للتضجر أو التأفف، وحسبنا أنها إبراقات فكرية تمثل عقل الرواية.


حول المرأة

(.. هي إما زوجة فلان أو أم فلان، لأنهم يعتقدون أن المرأة واسمها عورة، فالأنثى في عقيدتهم سببا للفتنة، والمعني بالفتنة هي إثارة غريزة الجنس لدى الذكور. لذا حتى اسمها يوارى بألقاب ذكورية.
كون الأنثى عورة وفتنة، سمتان تلتصقان بها من المهد إلى اللحد. بهما ومنهما نسجت كل أغلال المرأة وقيودها التي حجبتها عن ممارسة الحياة كإنسان طبيعي..) ص175- القران المقدس- طيف الحلاج)

(..يقال..أن ذكور القرود في الجزيرة العربية يرافقهن في حياتهم أربع إناث.. هو الحد الأقصى لهم) ص226
(.. ومع أن العلم تطور وصار بالإمكان أن تعرف المرأة أنها حامل منذ الأسبوع الأول، لكن ذاك القانون ظل مسلطا على رقاب النساء دون أن يمسسه أحد.) ص250

(.. في القبائل البدائية في أستراليا قتل رجل زوجته حين تمددت على فراشه وهي حائض أما في قبائل الأمريكيين الأصليين حين تحيض الفتاة للمرة الأولى تعزل في كوخ ويمنع على الذكور زيارتها إلى أن "تطهر" من رجسها. في اليهودية تعد الحائض كائن قدر لا تقبل منها طقوسها الدينية. أما في الإسلام حين تحيض الأنثى لا تقبل منها أي نوع من العبادات، ويحرم عليها مس القرآن، ويهجرها زوجها في المنام.) ص221

الحرية
(- هل جربت يا عشتار ضجر الحرية؟
أجابتها عشتار بتعجب: لا.. ما هو؟
- هو بكل بساطة حين تكوني حرة طليقة ليل نهار، مجردة من جميع أصناف الوصايا والرقابة، حرة مائة في المائة دون أن تدفعك تلك الأحاسيس إلى الانتفاع بالحرية، لا داعي للاستعجال مثل أهل هذا البلد، يعيشون حالة هيسترية ويسابقون عقارب الساعة كلما سافروا إلى الخارج، يخوضون كل تجربة محرمة عليهم في بلدهم بنهم وجنون عجيب، لأن حريتهم محسوبة عليهم تنتهي حالما تحط أقدامهم على أرض بلدهم "الحرية حين تكون موجودة بك معك ومن أجلك فكل شيء يصبح تحصيل حاصل من إنتاج و إبداع وتطور.. عندما تصبح الحرية جزءا منك وكأنهاإحدى أعضائك التي لا ينازعك عليها أحد، تستخدمينها متى شئت لتلبية رغبة ما، أو في الحصول على غرض خاص.. هذا ما أسميه بضجر الحرية اللذيذ الذي لا تتحكم فيه إيقاعات الزمن.. ولا أمزجة البشر، حين تعيش على أرض حرة برأس طليق ويدين حرتين) ص72-73
الغربة
(.. الغربة الذاتية تتفاقم بفقد التحاور مع النفس ومساءلتها.. أضاع الناس مرآتهم وبعضهم حطمها، لأسباب مختلفة، بعدها لم يعد أحد منهم سقف وينظر إلى نفسه ولو لوهلة كي يحاورها.. لذلك ماتت روح التأمل في الذات ومحاسبتها، وكتمت أذهانها في الأذهان.. فخيم الجهل وعشش شبح الشك والريبة في النفوس.. فجمدت المشاعر من زمهرير ألم بها..
وماذا عن غربة الأمكنة؟
- أنظري حولك يا ليلى وحدقي بتمعن في كل الموجود في الأمكنة ستجدين عالما متناقضا مع كينونتك وكيانك، عالم تحكمه المستقيمات والأشكال الهندسية والزوايا الحادة.. تسيره النمطية، كل تلك تشوهات ونتوءات سببت تصدعا للنفس وعجزا في الأحاسيس الإنسانية، فذاك الزخم الهندسي المنتظم يتنافى بقسوة معك كجسد ويتضارب بعنف مع الطبيعة ويختلف بشدة مع الكون بأسره.. لأن الوجود تسوده المنحنيات والاستدارة اللولبية. بينما ما تلمسه حواسك الخمسة وربما الستة كل يوم لا يمت لك بأي صلة..) ص253

الدين:
( ليس من شيمته الفعل ولكنه لا يترك أمرا بحاجة إلى إتمام..تصدر الكائنات عنه ولا يدعي سلطانا، يعطيهم الحياة، ولا يدعي امتلاكا، يعينهم ولا يقتضي عرفانا، يكمل عمله ولا يدعي فضلا.) ص92
( من السهل جدا أن يتلمس البشر الأدلة والأسباب التي تثبت معتقداتهم وتوثقها بحجج مختلفة، ولكن من الصعب عليهم محاولة عبور النهر، والانتقال إلى الضفة الأخرى منه، ببساطة لأنهم سخشون على أنفسهم من المغامرة، والخوف من أن ما ينتظرهم في الجهة المعاكسة قد يشتتهم ويحرجهم مع أنفسهم، الناس تربوا على أن العوم ضد التيار يوشوشهم ويفقدهم تمييز الألوان والاتجاهات، ويبعدهم عن قطعانهم فيصبحون كالشاه الشاردة، لا راع ولا مرشد للطريق الصحيح، وذلك يؤدي بهم إلى الضياع والغرق في متاهات الفكر لذلك يتجنبوه، ويزداد تمسكهم بمرافئهم الآمنة..) ص86
( أساس كل أسطورة يا ليلى معتقدا دينيا فهي الامتداد الطبيعي له. الأسطورة بمثابة أداة إثراء وتوضيح للمعتقد، لكن ترسخه في النفوس وتساعد على بقائه عبر العصور. فالأسطورة ما هي سوى سيرة ذاتية للإله.. تبهر البشر بفصولها الخرافية وتذكرهم دائما بضعفهم وحقارة شأنهم) ص88




قضايا أخرى:
الوجود:(" أكون أولا أكون تلك هي المسألة"
.. تكون أو لا تكون ما هو سوى جزءا هامشيا من المسألة) ص161
القدر والآلة: ( إحدى أهم اختراعات الإنسان في العصر الحديث هي الآلة، بينما في العصور القديمة هو القدر، الإثنان يعدان حتى اللحظة من أفضل مقومات الحياة المريحة.) ص147

على هذه الشاكلة تقدم الرواية أطباقا فكرية لا تزيد القارئ إلا نهما، لكن أهم ما يؤطر هذه القضايا الفكرية هي المواقف والأحداث، وإن شئنا الدقة اللحظات:

- لحظة الموت: في بداية الرواية (ليلى) الشخصية الرئيسية تتعرض لحادثة سير تغيب عن الوعي وهي تحتضر تشعر بانسلال روحها وبحجم الحقيقة والرعب، ومن داخلها تنبعث إشارات تجد القدرة حينها في لحظة الصفاء تلك على تحليلها وفهمها ورغم الصراع المتأجج داخلها على المستوى الفكري الذي يوازيه صراع الجسد من أجل الحياة فإن ليلى تعيش موتها المجمد في اللحظة الأبدية، وتعيش حياة برزخية تحس بالعالم الخارجي كأشباح وبالعالم الداخلي كسكينة وبالعالم القادم كانعتاق. ولأن الموقف والحدث أجدر بالتعبير عن هذه الفكرة فلا أجد من موقف أكثر تعبيرا من ذلك الذي يواجه فيه جتمان ليلى المدمر تحرشا جنسيا فعامل النظافة الوقح، يغافل الرقابة المجتمعية ويحاول ممارسة شدوده على الجسد الذي هو أشبه بالجثة، لكن عقلها المستنير يحبس الانفاس عن الجسد المحنط فترتفع صافرة الانذار منذرة بحالة الطوارئ ليلملم عامل النظافة ملابسه ويتراجع.

- لحظة العذاب: في الرواية يكاد القارئ يتخيل أن هذه اللحظة الحاظرة على طول الرواية هي لحزة خلود . يصور لنا السارد جسد ليلى على أنه كثلة مجزأة محطمة لم تعد صاحبته تشعر به من كثرة الآلام وكأنها تحس روحها عارية ممددة بلا جسد، المأساة الحقيقية التي لن تغيب عن القارئ هي كون هذه الروح مقيدة إلى الفراش ملزمة بجسد عليل فلا هي خارجه ولا هي داخله، والرواية لا تصور لنا جروح الجسد بقدر ما تصور آلام الروح التي تروم الانعتاق.


- لحظة الانعتاق: كلمة "الانعتاق" هي الوجه الآخر لكلمة "القران" التي عنون بها الكتاب ، تجد فكرة الانعتاق صداها في الرواية حين يورد السارد شاهدا في بداية فصل تحت عنوان "سمات" إذ يقول: "التجرد من الذات عتق مبهم الأبعاد يهابه السواد الأعظم من الناس الذين هم عبدة الموروث وإماؤه" (القران المقدس-ص223) إذن فالخروج من الدائرة "الانعتاق" يقتضي أن لا تكون داخلها، لأنك لن تعرف شكل الدائرة ما دمت بداخلها.
الانعتاق فكرة جوهرية تؤطر المحكي ولا شك أنها مقتبسة من فلسفة الدين ومن التبحر الشاسع في الأديان البشرية وخاصة الهندوسية إذ نجد في الهندوسية مفهوما مطابقا للانعتاق وهو مفهوم المايا، فأمام تعدد الموضوعات الطبيعية وتنوع النفوس البشرية لا مناص من الانعتاق، إذ به تتخلص الروح من الوهم الكبير فينجلي ويبدو لها الكون متوحدا في المطلق العظيم.. إن ما يحقق للنفس هذا الانعتاق النهائي هو كدحها في سبيل معرفة الحق وانكشاف البصيرة الداخلية على حقيقة أن العالم المتكثر هو واحد في جوهره
[2].
وامعانا في تبيين مدى أهمية هذه اللحظة فإن الرواية تخلص في فصلها الأخير المعنون بالانعتاق إلى تخليص البطلة وعتقها مبينة أن الانسان وحده من بين جميع المخلوقات الأقدر على تخليص الروح، وبعد الانعتاق يمكن للروح أن تقترن بضوء الحقيقة، لكن لا مفر من تجريمها وتكفيرها أنذاك لأنها نفس اللحظة التي يشطح فيها الحلاج صارخا أنا الحق،وأبو زيد البسطامي يقول سبحاني ما أعظم شاني.

- لحظة الحياة: حين تسترجع "ليلى" ذكرياتها تنقل إلينا تفاصيل حياة مليئة بالتطلعات والأماني، يستشعر القارئ وكأن ليلى تطل لأول مرة على حياتها من مكان عال فتحس بتلك الفراغات الفكرية التي كانت تؤطر حياتها، وتحس باللامعنى واللاجدوى في سياقات عديدة فتحتمي بتمنياتها وأحلامها التي كانت العزاء الوحيد لها في لحظة الحياة الجحيمية. الرغبة التواقة في الحياة لدى "ليلى" والجنس اللطيف عامة يمكن تلخيصها في مقول لغادة السمان حيث تقول: ( حين سقطت سهوا على هذا الكوكب، اكتشفت أن حقوقي لا تتعدى الأكل والشرب والإنجاب والموت فقررت أن أضيف إليها حقي في الطيران)
[3]

- لحظة الحياة البرزخية: تعيش "ليلى" في أوج لحظة الاحتضار (الموت) ولحظة العذاب لحظة رهيبة فيها تصبح مخلوقا طيفيا لا حدود لامتداده وهي أقرب لحظة للانعتاق.


يقول الروائي الكبير عبد الرحمن منيف: (الرواية أداة معرفة، ولكنها المعرفة الجميلة إذا صح التعبير)
[4] ونقول أنها-الرواية- قد تغدو (تهريبا للكلام) إذا استعرنا تعريف أدونيس للكتابة، إن الفن والفكر متلازمتين لا تنفك عراهما، ومن تم تكون رواية القران المقدس قد قرنت بين الفن والفكر وقدمت لنا نموذجا للرواية ذات القلب العاشق والعقل المفكر.

شكيب أريج
08/05/2008
القران المقدس- طيف الحلاج- ليلى للنشر والتوزيع[1]
[2] أنظر (دين الإنسان) فراس السواح –ص256منشورات دار علاء الدين- الطبعة الرابعة2002
[3] الأبدية لحظة حب- غادة السمان- ص 34 منشورات غادة السمان
[4] الكاتب والمنفى –عبد الرحمن منيف –ص41 –سلسلة الكتاب الجديد –دار الفكر الجديد – الطبعة الأولى 1992