الجمعة، 17 نونبر، 2006

مقالات صحفية وإخبارية


مستشفى إقليمي أم مقبرة إقليمية: صحة المواطن الطاطاوي في خطر


معطيات وإحصائيات بالأرقام لما يملكه القطاع الصحي بطاطا




نفس الصمت الذي يطبق على القبور المهجورة يطبق على الأسرة البيضاء في أجنحة المستشفى الإقليمي بطاطا. الفرق بين المستشفى والمقبرة بعد فرض التسعيرة الصحية هو أن المقبرة فيها قابض الأرواح والمستشفى فيه قابض الأموال.تدريجيا يتحول المستشفى بطاطا إلى عيادة خصوصية تتفاوت فيه درجة تقديم المساعدة والتطبيب حسب ما يقدم من أثمنة مكلفة وباهضة وهو ما يجعل المستشفى مرشحا لأن يكون إحدى الفنادق من فئة الخمس نجوم.لقد حذرت ساكنة طاطا من أن تطبيق التسعيرة الاستشفائية مس خطير بحقوقها، وأن هذا المس خط أحمر لا يجب تخطيه، وعبرت من خلال نضالالتها التي أطرتها هيئة الدفاع عن الخدمات الصحية والاجتماعية عن حركة احتجاجية حملت من خلالها نعشا أسمته "جنازة إقليم" ونصبت خياما أمام المستشفى الإقليمي سمتها مخيم المرضى والمهمشين، وخرجت جموع في كم تظاهرة صفرت صافرة إنذارية وأشهرت بطاقة حمراء، وحملت القدور والأواني المطبخية (الكاصرونة والكاميلة)، وخرجت بمواكب الشموع، وكلها تعبيرات رمزية إن عبرت عن شيء فهي تعبر عن قولة واحدة "ما تقيش صحتي" فلا شيء أجج سخط الشارع الطاطاوي أكثر من فرض التسعيرة الاستشفائية.فهل ينتظر المسؤولون أمام تدني الخدمات الصحية المقدمة إلا احتقانا شعبيا وحركة جماهيرية لن تقبل أن يتحول المستشفى إلى مقبرة.نظرة إحصائية دقيقة بالأرقام تفضح ما يملك القطاع الصحي بالإقليم، لنر هل باستطاعته تلبية حاجيات واحد من أكبر الأقاليم في المغرب.إقليم طاطا كله بمناطقه المترامية ومراكزه ومداشره لا يتواجد فيه إلا 32 مستوصفا، ثمانية منها مستوصفات أساسية والباقي مراكز صحية.سيارات الإسعاف التي وضعت رهن إشارة الإقليم هي سبع سيارات، وهو ما يحثم الاستعانة بخدمات سيارات الجماعات، لتفادي انتظار الموت القادم من مسافة أكثر من مائة كلم على شكل سيارة إسعاف متأخرة.علما أن سيارات الإسعاف لا يقودها للضرورة إلا متطوعين.41 طبيبا هل تكفي ساكنة طاطا؟؟ هذا ما جادت به وزارة الصحة على إقليم يعتبر من الأقاليم المنكوبة تحت وطأة الأوبئة المعدية مثل مرض الرماد الحبيبي.هذا الجيش من الأطباء (41) الذي يفترض أن يكون من المتخصصين والجراحين، مدعوما بـ88 ممرضا يقف أما إشكالية الآلات والتجهيزات العاطلة والمعطلة، فالعاطلة هي تلك التي تحتاج إلى إصلاح أو تغيير والمعطلة هي تلك التي لا يوجد طبيب يملك خبرة استعمالها.بالإضافة إلى هذا الطاقم النموذجي الذي تذر به الوزارة الرماد في عيون الطاطاويين، الذين يكفيهم الرماد الحبيبي في عيونهم.أرسلت الوزارة مشكورة 17 قابلة، فهل بمثل هذا العدد سنقضي على وفيات الأمهات أثناء الولادة، فحبذا لو التزمت الوزارة بأحد البنود التي اشترطتها مؤسسة الفنياب المانحة لتجهيزات الولادة، والقاضي بأن تتم الاستفادة من هذه الآلا ت دون دفع.هذه بعض الإحصائيات التي لا تحتاج إلى تعليق، ولكن من خلالها نبشر المستعدين لدفع التسعيرة أنه لا توجد خدمات لكي يكون هناك مقابل. هذا ما وعدتكم به وزارة الصحة.. طاقم طبي لا يكفي 20 كلم مربعة ، ومراكز صحية (32) لا تتصوروا أنها منتشرة كالفطر، فهي أبعد من الموت نفسها.يا سكان طاطا لا يوجد مقابل للتسعيرات الخرافية، والذي يتبع الخرافات يتعب.شكيب أريج


وجبات الجوع


لا يوجد اسم نصف به ما يقدم من وجبات غدائية في الأقسام الداخلية بالمؤسسات التعليمية بطاطا إلا " وجبات الجوع".
فأن يقال أن التلميذ في طاطا يتغدى بعلبة سردين يبدو أشبه بالمزحة، ولكن ماذا لو تأكدنا من خلال شهادات حية ومن مصادر مطلعة أن علبة السردين الواحدة هي وجبة لكل ثمانية تلاميذ ، ألا يمكن حينها أن نسميها وجبة الجوع لا وجبة غدائية؟
هل يستطيع المسؤولين عن هذا تقاسم علبة السردين الواحدة مع أفراد أسرهم؟ إذا كان الجواب نفيا فإني أسائلكم هل أبناء الناس من

ماء مهين وأبناؤكم من ماء بيبسي كولا؟

شكيب أريج



حول تجربة الشباب الطاطاوي



تعرف مدينة طاطا إقصاء ممنهجا في شتى ميادين الحياة حتى أصبح هذا الاسم (طاطا) مقترنا بمفردات من قبيل البؤس، الفقر، التهميش والإقصاء، كل هذه المفردات تنتمي إلى حقل دلالي يطلق عليها (طاطا)، وإذا كان هذا هو حال الإقليم فإن قطاعه الشبابي ينطبق عليه نفس ما ينطبق على الإقليم، ذلك أن هذا الإقليم يزخر بطاقات ومؤهلات شبابية يكون مصيرها الإقبار من طرف المسؤولين في الإقليم وكذا الأشخاص الذين ينصبون أنفسهم ناطقين باسم القطاع الشبابي ولعل انخراط شباب الإقليم في كل الحركات الاحتجاجية التي عرفها الإقليم لخير دليل على ذلك، إلا أن الملفت للنظر هو التوجه الذي أصبح يسلكه القطاع الشبابي في تعامله مع هذا التكالب الإقصائي الموجه ضده، هذا التوجه الذي يعبر عن نضج وتكوين قل نظيره، حيث أن الشباب الطاطاوي استطاع أن ينقل همومه إلى ما هو أبعد من رقعته الجغرافية، وذلك بالاعتماد على قنوات تواصلية كالصحافة وفعاليات المجتمع المدني.
ولعل خير مثال في هذا الشأن تجربة الشاب البلغيتي م رشيد، فهذا الشاب الطاطاوي أحرج مؤسسة حكومية تقوم لها الدنيا وتقعد، وهو أعطى تصورا طاطاويا شبابيا حول قطاع الإعلام بالمغرب، وهو يقول رحم الله البصري حيا وميتا فهذا الشخص كان يعطينا تصورا واضحا في ربطه المؤسسي بين الداخلية والإعلام، وم. رشيد البلغيتي لو قال "العام زين" لما اتهم بالانفصالي. تصوروا معي أن يكون إقليم طاطا إقليما يدعو إلى الطرح الإنفصالي، فترى في نظركم من سينجب لنا بوجمعة حكور وهو فنان مغربي من أصل طاطاوي أسس لضرب من الغناء الشعبي ما زال يتوارثه المغاربة جيلا بعد جيل. من سينجب الحاج العربي بن مبارك الجوهرة السوداء وهو من أصل طاطاوي قدم الشيء الكثير لكرة القدم الوطنية، من سينجب الكزاز وهو من أصل طاطاوي شرف التحكيم المغربي ولا زال يؤدي واجبه الوطني، ترى هل الكوركاس وأعضاؤه هم الذين سينجبون لنا هؤلاء. بالطبع ليس هؤلاء الذين يقصون القبائل الصحراوية المتواجدة في هذا الإقليم. فكيف يعقل أن يكون إقليم تابع لجهة كلميم السمارة ونسيجه القبائلي مغيب والمقصود قبائل صحراوية ذاقت الويلات في الدفاع عن الوحدة الترابية، فمن منا لا يعرف قبيلة "دوبلال" وقبيلة "أولاد جلال" وقبيلة "مرايبط" هاته القبائل التي رسمت حدود المنطقة بالدماء ولكن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند، فالكائنات الانتخابوية المتواجدة بالإقليم ألد الخصام، تصوروا معي مجلسا بلديا لأزيد من 35 سنة وشخص واحد ووحيد يتعاقب على كرسيه، وهذا ليس إلا غيض من فيض، فهذه الكائنات بمجرد حلول انتخابات مجلس المستشارين تحولت إلى "سماسرة" لجني المال والمتاجرة بأحلام السكان والاسترزاق بهموم الساكنة قصد تكديس الثروات المالية .
إلا أن ما يشفي الغليل هو تصريح أحد المرشحين الذي أعطى المال الكثير ولم يظفر بكرسي حيث قال " مشينا لصحراء أو بعنا الجمال أو جينا لطاطا وشرينا الحمير"
هذا الوضع أسفر وسيسفر عن ظهور حركات احتجاجية تندد بالوضع سيكون مصيرها القمع من طرف السلطات ، فسكان طاطا بين نارين المنتخبين واستهتارهم بحقوق الساكنة والمخزن وآلته القمعية ليتواصل مسلسل البؤس والإقصاء والتهميش، هذا المسلسل لن يؤدي إلا إلى بروز قطاع شبابي مؤطر ومكون وأكثر خبرة وتجربة قادر على حمل المشعل وعلى مواجهة العقليات الارتزاقية والعقليات الراديكالية التي تتخذ هموم إقليم طاطا مطية لبلوغ مجدٍ واهٍ.

المختار قريشي- طاطا








الأحزاب تجند شبيباتها انتخابيا
لنسف إطار جمعية اتحاد طلبة تارودانت


جمعية اتحاد طلبة تارودانت إطار فتي تأسس سنة 2002 بفضل جهود طلبة تارودانت من داخل فضاء جامعة ابن زهر.
ولم تكن ولادة هذا الإطار بالأمر الهين، إذ تزامن مولده مع حملة انتخابية شعواء تأكل الأخضر واليابس، لكن طلبة تارودانت أبانوا عن يقظة وحرص شديدين ولم يتوانوا أنذاك عن التكثل والتوحد فرسموا أهدافا واضحة تخدم الطالب الروداني أينما كان وأكدوا منذ البدايات أن أي زيغ أو تزعزع عن التوابث الأساسية لن يتم التساهل معه.

جمعية اتحاد طلبة تارودانت التي ظلت لأكثر من خمس سنوات تراوح بين العمل في رحاب جامعة ابن زهر (محاضرات-عروض مسرحية-رحلات- دروس دعم.. ) وبين العمل في تارودانت (عروض وندوات- دروس دعم- توجيه التلاميد- توفير النقل.. ) هذه الجمعية التي أخذت على عاتقها الهم الطلابي لم تسلم من هجمات من طرف فصائل الجامعة ومن طرف قوى الاحتواء من داخل المدينة ، ولعل أخطر هجمة تتعرض لها هي الحملات الانتخابية التي تجند شبيباتها من أجل النسف والهدم والتخريب والأمثلة على ذلك لا تحصى، فكم إطار جمعوي يحمل قيما نبيلا تعرض للاحتواء أو النسف وفي الغالب الأعم الانشقاق الذي لا يخدم التنمية في شيء.
بوادر انهيار جمعية اتحاد طلبة تارودانت بدت تلوح في الأفق ، منذ بدأت رؤية الجمعية تضيق ومنذ نكست الجمعية أعلامها وخرجت من رحاب جامعة ابن زهر لتترك الجمل بما حمل لإطار جمعوي واعد منبثق من طلبة تارودانت يسمى "قاطرة التنمية" ولم يكن الطلبة المؤسسين لهذا الإطار إلا من جملة الساخطين على تفريط الإطار الأم " جمعية اتحاد طلبة تارودانت" في المبادئ الأساسية التي تخدم الطالب، وقد صرح بعض الطلبة المؤسسين والمنتمين لقاطرة التنمية للجريدة بأنهم فوجئوا بهرولة أعضاء من جمعية اتحاد طلبة تارودانت نحو المجلس البلدي ، بل وابطاحهم أمامه مما يعتبر خروجا سافرا عن الخط الذي رسمه الطلبة منذ2002.
ظهرت بوادر أخرى لتؤكد انجراف الجمعية عن خطها، كان من أهمها مجموعة من الاجتهادات في صميم القانون الأساسي أدت إلى تمييع الإطار ، فالطالب المجاز الذي كان يملك عضوية شرفية فقط تم منحه حق التقرير وأدمج في تسيير هياكل الجمعية بشكل فعلي..
التعديلات الجديدة لم تقتصر على القانون الأساسي بل إن ما زاد الطنبور نغمة أن مسيري الجمعية وصل بهم الحد إلى تغيير اسم الجمعية من " جمعية اتحاد طلبة تارودانت" إلى " جمعية طلبة ومتدربي تارودانت" وهو ما أغاض مجموعة كبيرة من الطلبة خاصة أن مجمل التغييرات التي تمس القانون الأساسي واسم الجمعية تمت تحت جنح الظلام وبمباركات الشبيبات الانتخابية وفي غياب السواد الأعظم من منخرطي الجمعية وفي غياب مجموعة من أعضاء المكتب القديم.
يشير مجموعة من أعضاء الجمعية المؤسسين منهم والمنخرطين إلى أن الشبيبات الانتخابية المجندة هي المسؤولة عن ما يقع في إطار الطلبة ويؤكد عزمه على منع كل الأنشطة الانتخابية والدعائية من داخل جمعية الطلبة.
وفي خطوة فريدة من نوعها أقدم مجموعة من الطلبة على تأسيس إطار مناوش تحت اسم " جمعية قدماء طلبة تارودانت" وقد صرح بعض أعضاء هذه الجمعية للجريدة أن الطالب الروداني أكثر وعيا مما يتصور مروجو الحملات الانتخابية وأنه لن يصمت عن المهزلة واتهموا صراحة مكتب جمعية اتحاد طلبة تارودانت باللاشرعية واللاقانونية وذهبوا إلى حد اتهام بعض أعضائه بخيانة المبادئ الأساسية للإطار وبالفساد المالي وطالبوا بإعادة الجمع العام ومحاسبة المسؤول عن الفساد الإداري والمالي خاصة أن مدرسة PIMAS بأكادير تدين بمبالغ مهمة للجمعية
.
شكيب أريج

أرقام خيالية في فواتير تسعيرة الكهرباء


" الغلاء" في مقابل " الفقر المدقع" المعادلة التي ميزت سنة 2006. وإذا كانت التسعيرة الصحية قد أزمت من وضع المواطن الطاطاوي فإن سياسة المكتب الوطني للكهرباء في طاطا تريد أن تتبنى الريادة في سحق هذا المواطن المفقر.
ما وصلته أرقام فواتير الكهرباء في طاطا خلال الأشهر الأخيرة فاق كل التصورات.
المواطن ﴿ر-ب ﴾ الذي توصل بفاتورة تجاوزت مليون ونصف سنتيم صرح للجريدة بأنه لا يملك معملا للتمور وأن العداد الذي استخلص منه هذا الرقم الخيالي يقع في قرية صغيرة بنواحي طاطا تسمى "توكريح". ثم يضيف أن الرقم القياسي في تسعيرات الفواتير المفضوحة والمغشوشة والخيالية هو في حوزة مواطن آخر توصل بفاتورة رقمها يتجاوز المليونين ونصف سنتيم.
مديرة المكتب الوطني للكهرباء بطاطا لم تخرج عن صمتها المريب ولم تقدم ولو اعتذارا واحدا على ما وقع من أخطاء، ما زال الرأي العام يؤكد ويعتقد أنها ليست أخطاء عفوية بل أخطاء مقصودة وأن ما يقع في طاطا ليس له إلا تسمية واحدة وهو " النهب والسرقة".
مديرة المكتب الوطني للكهرباء بطاطا والمسؤولة الأولى عن ما يقع ما زالت تتهرب من حوار جاد و مسؤول مع مكونات المجتمع المدني.
وقد علمت الجريدة أن مديرة المكتب تجاهلت مراسلة فرع الحزب الاشتراكي الذي دعاها إلى حوار توضح من خلاله جملة من مواقف المكتب المشبوهة،ولكن تهربها وتجاهلها هو ما دفع فرع الحزب إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام المكتب الوطني للكهرباء .
ويذكر أن هيئة الدفاع عن الخدمات الصحية والاجتماعية سبق لها وأن احتجت أمام المكتب الوطني للكهرباء ضد غلاء التسعيرة قبل بضعة أشهر.
الأرقام الخيالية كانت فاضحة ومست شعور المواطن الطاطاوي في العمق حيث أشعرته بالمهانة وال"حكرة" . لكن الأدهى والأمر هو الأخطاء المقصودة والغير مقصودة التي لاتتجاوز 500 درهم ويدفعها المواطن كضريبة لا معنى لها، فهو يدفع ثمن الارتجالية واللامسؤولية التي تطبع المكتب الوطني للكهرباء بطاطا
شكيب أريج


إدارة الثانوية الجديدة التأهيلية

إدارة تربوية أم إدارة بوليسية؟


" التحريض" و" الاقتحام" من الألفاظ التي تنتمي إلى قاموس بوليسي عريق، شاع استعمالها في أجواء متوثرة داخل أسرة التعليم بطاطا.
وفي الوقت الذي ما أحوجنا فيه إلى قاموس﴿الحوار-الشفافية-التفاهم-التضحية-المسؤولية..﴾ نجد أن هذه الألفاظ أفرغت من محتواها وتم تغليب القاموس البوليسي ﴿السلطة-الاتهام-التحريض- التمرد-الشغب-الاقتحام.. ﴾
لو كان ﴿المسؤول/ الإداري/الموظف..﴾ في طاطا خريج مدارس عسكرية أو أجهزة داخلية لزال العجب، لكن حينما يصبح قاموس الاتهام والتخوين والتحريض هو القاموس الذي يسود في حوار أحادي بين الفرقاء أو الإخوة الأعداء داخل أسرة واحدة ، فإن كل موظف داخل هذه النيابة التعليمية يجب أن يطرح السؤال على نفسه: كيف يجب علينا أن ندير خلافاتنا، وكيف نواجه الآخر؟
إن هذا السؤال المغيب داخل واقع الأسرة التعليمية بطاطا، هو الذي أدى إلى مجموعة من الأحداث كرست مفهوم السلطة والاستبداد حتى أصبح اسم الإدارة التربوية بطاطا مرادفا للإدارة البوليسية، والعروس القرعاء تفضحها الماشطة الحسناء:
- في السنة الدراسية الماضية واجهت النيابة الاقليمية ضغوطات النقابة الوطنية للتعليم ﴿ك-د-ش﴾ بخطاب اللامبالاة والتجاهل وسياسة الصمت المريب بدل الحوار المسؤول والجاد، وحين توثرت الأجواء ووصلت حد الوقفات الاحتجاجية والإضراب عن الطعام لجأت النيابة الإقليمية إلى إغلاق أبوابها وقت العمل بل والأكثر من ذلك توجيه تهمة الاقتحام لأكثر من مرة ليتم على إثر ذلك استدعاء أعضاء من مكتب بخطاب اللامبالاة والتجاهل وسياسة الصمت المريب بدل الحوار المسؤول والجاد، وحين توثرت الأجواء ووصلت حد الوقفات الاحتجاجية والإضراب عن الطعام لجأت النيابة الإقليمية إلى إغلاق أبوابها وقت العمل بل والأكثر من ذلك توجيه تهمة الاقتحام لأكثر من مرة ليتم على إثر ذلك استدعاء أعضاء من مكتب النقابة الوطنية للتعليم ﴿ك-د-ش﴾ من طرف الضابطة القضائية وهو ما اعتبر حينها انتهاكا صارخا تفردت به النيابة الاقليمية بطاطا وهو أمرغير مسبوق وفيه تجني كبير على الحريات النقابية.
- مدير الثانوية الجديدة التأهيلية وجه اتهاما خطيرا لثلاثة أساتذة، إذ اتهمهم بالتحريض والاقتحام غداة تنفيذ إضراب محلي أعلنت عنه النقابات الخمس شهر أكتوبر 2006 وامتدت تداعيات هذه القضية لأكثر من ثلاثة أشهر.
حيث تأكد أن مدير الثانوية الجديدة التأهيلية بنى اتهامه على وشاية باطلة وحاول أن يورط أساتذة آخرين ليقروا أن حديث الأساتذة النتهمين إليه كان تحريضا وأن مرورهم بمقربة من الأقسام قبل بدء الحصة الدراسية هو اقتحام.
هذه التوثرات دفعت بالنيابة الإقليمية إلى إرسال سفراء للنوايا الحسنة من أجل تطويق المشكل . لكن تشبت المدير بمواقفه التي لا تمت لحسن التسيير الإداري بصلة أدى إلى تأجيج الوضع، ووصل الحد إلى اعتصام أحد المتضررين من الأساتذة في أكادمية كلميم وإضرابه عن الطعام حوالي ثلاثة أسابيع. كما أصدرت النقابة الوطنية للتعليم﴿ك-د-ش﴾بيانا تنديديا تشير فيه إلى قصور الإدارة الثانوية الجديدة وتورطها في جملة من الاختلالات.
في نفس الثانوية وفي خضم التوثرات التي تطبع العلاقات بين الإدارة في شخص مديرها من جهة والأساتذة من جهة ثانية خرج تلاميذ وتلميذات الثانوية في سابقة لم تعهدها المؤسسات التعليمية بطاطا في تظاهرة حاشدة يوم 05/12/2006 متجهين نحو النيابة الإقليمية مرورا بشوارع المدينة وصولا إلى مقر الباشوية بالإقليم، وردد التلاميذ شعارات ساخطة أشارت مباشرة إلى شخص المدير حيث اتهموه باللصوصية علانية، معرضين بما يجري من اختلاسات في القسم الداخلي: " المطيشة والبطاطس والغاشي دار مرسيديس"
وللإشارة فمدير الثانوية الجديدة السيد أيت الغاشي جامع سبق إعفاؤه من قبل الوزارة الوصية من مهامه الإدارية في تسعينات القرن الماضي بسبب تزويره نتيجة بنت رئيس المحكمة الابتدائية أنذاك بعد إجراء المداولات التي خرجت بأن البنت المذكورة راسبة، وقد سجل على المستوى الأعلى بعد التحري والتقصي أن السيد أيت الغاشي زور النتيجة وتوبع من قبل المحكمة الابتدائية بطاطا بتهمة التزوير والغريب أنه رجع مجددا إلى منصبه كمدير للثانوية قبل استكمال المدة القانونية المنصوص عليها﴿5 سنوات ﴾مما يطرح السؤال عريضا: من يسير إدارة أهم مؤسسة تعليمية في مركز طاطا؟
- التهم الجاهزة والكلاسيكية للعهود البائدة ما زال استعمالها وتداولها يجري به العمل في المؤسسات مثل " الثانوية الجدية التأهيلية". فانتفاضة التلاميذ الأخيرة دفعت مدير الثانوية إلى إشهار التهمة الأكثر رواجا وقبولا هذه الأيام، فلم يتورع عن اتهام جهات بعينها وأشخاص بأسمائهم حول الظلوع في تحريض تلاميذ الثانوية وهو الشيء الذي كدبه التلاميذ في بيان حصلت الجريدة على نسخة منه. ويشير البيان إلى أن احتجاجاتهم هي من أجل غياب التجهيزات الأساسية ﴿ماء-إنارة-أفرشة- نوافذ- طاولات ﴾ ومن أجل الاكتظاظ الذي فاق60 تلميذا في بعض الأقسام، وقد عزز التلاميذ ملفهم المطلبي بصور وزعت على مختلف المنابر الإعلامية وفعاليات المجتمع المدني، وذلك قصد فضح البنيات التحتية داخل أسوار المؤسسة وكما يقول المثل المغربي " المزوق من برا أش خبارك من الداخل"
التلاميذ أنفسهم لم يسلموا من حملة الاتهامات الخطيرة والملفقة وهو ما دفعهم في اليوم الثاني من الاحتجاجات إلى رفع النشيد الوطني وترديده بروح حماسية حتى يحموا أنفسهم من تهمة الانفصالية والعداء للوطنية المتجدرة فيهم.
شكيب أريج







ثــــــــــورة التـــــــــــــــــــــــــلاميذ



" مطيشة والبطاطس والمدير دار مرسيديس"




" يا مدير يا مسؤول هاد الشي ماشي معقول"



" لسنا مشاغبون بحقنا مطالبون"






شعارات انطلقت بأصوات عالية من قلب مؤسسة الثانوية الجديدة بمدينة طاطا صبيحة يوم السبت 02 دجنبر 2006 لتقلب المؤسسة رأسا على عقب.


الأصوات التي حاولت التستر على ما يجري وربطه بوقفة الأساتذة الصحراويين التي جاءت متزامنة مع انفجار الوضع بالمؤسسة أو ربطه بالخلافات الحادة بين أساتذة المؤسسة ومديرها لم تستطع إخفاء الحقيقة وكانت بمتابة من يخفي الشمس بالغربال، ولم تستطع أن تشوش على واقع الحال علما أن بعضها ذهب إلى حد ربط هبة التلاميذ بالنزعة الانفصالية وهو ما فندته الحركة التلاميذية حين أنشدت حناجر التلاميذ النشيد الوطني بروح حماسية ألهبت الضمائر الحية.


ما حقيقة ما يجري بالثانوية التأهيلية الجديدة؟ هل هي خالة شغب واستهتار بالنظام؟ أم هي حالة شغب منظم؟


ما أكده بعض آباء وأولياء الثلاميذ للجريدة هو العكس إذ أن الآباء يدافعون على مشروعية انتفاضة أبنائهم ويطالبون بتفعيل دور جمعية الآباء التي انتهت صلاحيتها منذ زمن بعيد.


وقد توصلت الجريدة كما توصلت جل هيئات المجتمع المدني ببيان من تلاميذ وتلميذات الثانوية التأهيلية أشار إلى الوضعية المزرية التي تعرفها المؤسسة والمشاكل المتراكمة التي تتخبط، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :


- الاكتظاظ داخل الأقسام الذي يصل إلى أكثر من ستين تلميذا في بعض الأقسام.


- انعدام الكتب المدرسية في الخزانة بالرغم من أداء التلاميذ لواجب الانخراط السنوي


- غياب البنيات التحتية وافتقار البنيات الموجودة للتجهيزات الضرورية.


- افتقار المختبرات العلمية لوسائل التجارب


كما لم تغفل الحركة التلاميذية في بيانها مطالب القسم الداخلي والمتمثلة فيما يلي:


- حالة الأسرة والمطلات والنوافذ


-انعدام النظافة في المرافق الصحية وعدم توفر الإنارة وخزانات التلاميذ لوضع أغراضهم الشخصية




لقد أقام التلاميذ الحجة على ما تعانيه المؤسسة من فقر وخصاص في بنياتها التربوية من خلال توتيق واقع معاش يعيشونه يوميا وذلك بفضح كل ما يوجد خلف أسوارها النظيفة من مزابل ومن أقسام شبيهة بالأقسام ومراحيض أشبه بالمستنقعات، ولعل الصور أدل شاهد على واقع المؤسسة وما وصلت إليه.


من أجل هذا الوضع المأساوي خاض تلاميذ وتلميذات المؤسسة إضرابا تحت شعار " لا لدراسة بدون كرامة وحقوق" بأشكال نضالية راقية تحولت منذ يومها الأول من طابعها الانتفاضي إلى ثورة على إدارة المؤسسة ثم على النيابة الإقليمية التي غاب مسؤولها الأول حين تأجج الوضع ووقوف جماهير التلاميذ محتجين أمام النيابة الإقليمية.


وتطور الأمر في اليوم الثالث من احتجاجات التلاميذ حين تحولت الجموع الغفيرة للتلاميذ باتجاه باشوية الإقليم عبر شوارع المدينة لتندد بصمت المسؤولين في إدارة المؤسسة والنيابة وتدعو السلطات المحلية لاتخاذ التدابير اللازمة لانقاد الوضع


فهل تتحرك جميع الجهات المعنية لتسمع صوت التلميذ أم أن سياسة الصمت هي الجواب الأخير الذي تواجه به جيل الفوران والثوران


شكيب أريج






على هامش زيارة مدير الأكاديمية لإقليم طاطا


وعود مثمرة وخيارات ترقيعية




عقدت الجبهة النقابية الموحدة للدفاع عن المدرسة العمومية اجتماعا مع مدير أكاديمية الجهة في نيابة طاطا يوم 22 نونبر 2006، وجدير بالذكر أن هذا الاجتماع تأجل لأربع مرات بعد أن كان مقررا عقده في شهر أكتوبر من السنة الجارية.



وهو الاجتماع الذي دعا إليه مدير الأكاديمية على إثر الإضرابات التي عرفها الإقليم بداية الموسم الدراسي وعرفت نجاحا فاقت نسبته 90 في المائة باعتراف الجهات الرسمية نفسها.



أرجأ الاجتماع للمرة الأولى لأن الجبهة اقترحت أن المكان الأنسب للاجتماع هو النيابة بدل الأكاديمية لسبب وجيه ومقنع وهو أن المعطيات توجد بالنيابة الإقليمية.



وأرجأ الاجتماع لثلاث مرات متتالية بعد أن قدم مدير الأكاديمية اعتذارا تلو الآخر بسبب وضعه الصحي.



ما اعتبرته النقابات مطالب آنية تحول إلى مطالب على المدى البعيد في أفضل الظروف. نذكر أن المطالب الآنية التي رفعتها النقابات تتلخص في النقاط التالية:



* الرفض المطلق لإعادة الانتشار التي تمس باستقرار رجل التعليم والمطالبة بفك الضم الذي قامت به الأكاديمية وأزم من الوضع التعليمي بالإقليم.



* تفعيل التوقيت المكيف والمستمر بالمؤسسات الابتدائية إسوة بمجموعة من الأقاليم.



* المطالبة بحركة انتقالية وطنية وجهوية وإقليمية نزيهة تضمن تكافؤ الفرص بين الشغيلة التعليمية.



- الإسراع بتسوية الوضعية المالية والإدارية للملفات العالقة.



* الإسراع بتلبة طلبات متابعة الدراسة الجامعية وطلبات اجتياز امتحانات ولوج المدارس العليا.



* تمكين نساء ورجال التعليم في الإقليم من الاستفادة من التحفيزات والتعويضات المادية كما هو الشأن في الأقاليم الجنوبية.



* توفير ما يكفي من البنيات التحتية والأطر التربوية.



حضور مدير الأكاديمية إلى الإقليم وحواره الذي يرجى أن يكون مسؤولا هل يعيد الأمور إلى نصابها أم يخرب دار لقمان؟



يذكر أن حوار مدير الأكاديمية مع الجبهة النقابية كان بمثابة صب الماء البارد على مكواة حارقة، فبعد حوار مثمر بالوعود بالنيابة الإقليمية تعهد فيه بحل مشكل الخصاص دون المساس باستقرار رجل التعليم . العصا السحرية التي كان يمسك بها مدير الأكاديمية ولم يكشف عنها لمعالجة الخصاص دون القيام بحركة إعادة الانتشار تبين في الاجتماع الأخير الذي عقدته النيابة مع النقابات يوم 03 دجنبر 2006 أنها لن تخرج فيه عن الخيارات الآتية:



* الاعتماد على متدربي المركز التربوي لأساتذة التعليم الابتدائي وهم 17 متدربا فتحت أبواب المركز أمامهم أواخر شهر نونبر وقد تغلق في وجوههم ويحرمون من التكوين حين يرمى بهم في أصقاع طاطا المأهولة، وهو ما يطرح سؤالا عريضا ومشروعا إذا ما حصل ذلك: ماذنب هؤلاء النتدربين حتى يحرموا من حقهم الطبيعي والضروري في التكوين؟



* الخيار الثاني هو الاعتماد على متعاقدين، وقد يبدو للوهلة الأولى أن جيش المعطلين مستعد لسد خصاص النقط السوداء في خريطة الإقليم، ولكن في اتصالنا برئيس جمعية المعطلين أكد أن الوزارة ممثلة في نيابتها لا تقدم تحفيزات معقولة ومرضية للمتعاقدين معها ، وأنها تماطل في أداء المستحقات الزهيدة، ينضاف إلى كل هذا صعوبة المناطق التي يعمل بها المتعاقد علما أنه لا يتوفر على أدنى مساعدة توفر له القوت اليومي ومشقة الوصول إلى هذه الأصقاع.



خلاصة الأمر أن مهمة مدير الأكاديمية تميزت بطابعها التطميني في حين أن واقع الأمر يفرض أن يتنازل أحد الأطراف



* الطرف الأول هو النيابة والوزارة التي تتهرب من مسؤولياتها في تنظيم الخريطة المدرسية وسد الخصاص بشكل يخلو من التكليفات التعسفية ولا يضر المعلم والمتعلم، وهي تسهم بشكل مباشر في تأزيم الوضع التعليمي حين تترك الحبل على الغارب وتخلط الحابل بالنابل.



* الطرف الثاني وهو رجل التعليم الذي يرفض أن يكون كبش الفداء وأن يدخل في سياسة الترقيع ولسان حاله يقولك



أراكن ترقعن الخروق بمثلها



وأي لبيب يرقع الخرق بالخرق



* الطرف الثالث وهو الطرف الأضعف في المعادلة وهو المدارس التي تنتظر أن يهل عليها أستاذ وسط السنة الدراسية أو في نهايتها.. هم الآباء الذين يتطلعون إلى أن يضم أبناءهم قسم دافئ ينتشلهم من الجهل والأمية التي ذاقوا مضاضتها.. هي جمعيات الآباء وأولياء الثلاميذ النائمة التي لا تستيقظ وتفتح عيونها إلا في موسم تسجيل التلاميذ.



الموائد التي هشت وبشت لاستقبال السيد مدير أكاديمية الجهة هي موائد تغص بصراخ الأطفال وبراءة تلاميذ ستظل كراريسهم بيضاء كقلوبهم أملها أن تبيض الضمائر وتستفيق.




شكيب أريج






ماذا يجري بقطاع الإنعاش بطاطا؟




نتحدث كثيرا عن مغرب الحق والقانون وترفع شعارات كبيرة تحت يافطة حقوق الإنسان، لكن ما يحز في النفس هي صرخة ملء السماء تتساءل: أين هو الإنسان؟ وأين هي الحقوق؟ وأي حق وأي قانون؟؟



ما يجري في قطاع الإنعاش بمدينة طاطا اعتداء صارخ على هذه القيمة ومحاولة لإفراغ الشعارات من معانيها.



ما نقصده هو التجاوزات والانتهاكات التي تمس بعض العاملين في هذا القطاع والتي تتمثل فيما يلي:



- بطاقات إنعاش تكتب بقلم الرصاص، للتأكيد على أن تشغيل هذه الفئة المستضعفة هو مع وقف التنفيذ.



- اقتطاعات من الأجور الهزيلة للعاملين في القطاع، هذه الاقتطاعات التي لا يعرف لأي جهة تصرف، وعادة ما يلتزم المتضررين الصمت حتى لا يحرموا من عملهم، فويل لمن ينطق..إنها سياسة تكميم الأفواه التي يرضخ لها العامل في الإنعاش ضمانا لقوت الأفواه التي تنتظر في البيت.




- العامل في الإنعاش هو عامل متعدد الاستعمالات، هذا ما جرت به العادة في طاطا، واقع العاملة(ز) هو حالة فريدة من نوعها، عاملة تستخدم في بيت مسؤول كبير في السلطة، فهل هو سكن وظيفي مرفق بخادمة؟ ومتى كان عامل الإنعاش (جوكيرا) يؤدي الخدمات العامة والخاصة في آن واحد؟؟




وعليه فواقع عمال الإنعاش في طاطا هو واقع الرقيق المستعبد وهو واقع يكذب شعارات حقوق الإنسان والحق والقانون.




شكيب أريج





تمرير منصب إلى موظف ببلدية طاطا




قام المكتب الوطني للماء الصالح للشرب بطاطا بإجراء مباراة من أجل تشغيل سبعة مناصب شاغرة.


ورغم أن جمعية المعطلين بطاطا طالبت بوضع المناصب تحت تصرفها إلا أن المشرفين على المكتب الوطني اعتبروا أنه لا بد من انتقاء عبر مباراة تضمن تكافؤ الفرص وتضمن انتقاء كفاءاغت مؤهلة لشغل المناصب.


مرت المباراة في ظروف عادية لكن ما فاجأ الجميع هو ظهور المنصب الثامن الشاغر والذي مرر إلى موظف بالمجلس البلدي. فما حقيقة هذا المنصب؟


مدير المكتب الوطني للماء الصالح للشرب بطاطا اعتبر أن شراكة المكتب مع المجلس البلدي في إطار مشروع الصرف الصحي تجيز له تفويت المنصب ليوضع رهن إشارة المجلس البلدي شريطة أن يجتاز الموظف المحظوظ المباراة ويتبث كفاءته وهو ماتم (على حد تعبير مدير المكتب)


يستميت مدير المكتب الوطني للماء الصالح للشرب بطاطا في الدفاع عن هذا القرار وعن الموظف الذي يعتبر أنه كان متابعا للدراسات التي أنجزها المجلس البلدي حول مشروع التطهير الصحي، ويؤكد أنه لا يوجد أي تحايل أو تواطؤ.


إلا أن هناك من يرى أن هذا المنصب/الهدية هو صفقة من الصفقات المكشوفة بين المجلس البلدي والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب بطاطا، وأنه لا يعقل أن المكتب قد أعلن عن سبعة مناصب شاغرة ثم فجأة يظهر المنصب الثامن!!


شكيب أريج




السوداوية القاتمة الحالكة حماقة





رجل التعليم في طاطا، سحنة مغبرة، وشعر منكوش، قطع مئات الكلمترات ، تشرد في الأصقاع القاحلة، ولولا طيبوبة أهل المدينة التي تندى لها الصحراء لمات كمدا.


هذا هو الوجه السوداوي الذي يحلو لرجل التعليم الطاطاوي أن يتغنى به ويكرره بشكل عفوي وممل.


ولنقترب أكثر من الوجه القاتم:



معلمة حظها في التراب بمجرد أن وضعت قدمها في طاطا أجهشت بالبكاء لأنها تذكرت الكلمترات التي قطعتها فأحست بالغبن والقهر والنفي والتشرد ولأنها فكرت في المسافات التي تنتظرها لتصل إلى أصقاع لا عين رأتها ولا أذن سمعت بها .


أستاذ بعد أيام من تعيينه حمل حقيبته وغادر المدينة متخليا عن وظيفة لطالما حلم بها، لكن ليس في مناطق متاخمة للحدود وفي مدينة لا أخضر بها ولا يابس.


ليبكي من شاء حسرة وليرحل من شاء تدمرا فلا زال بإمكاننا استعارة العبارة المتفائلة:


"و تستمر الحياة.."


رغم سوداوية الأوضاع وقتامتها.


هل هناك شيء أقسى من هذه السوداوية القاتمة؟ نعم رجل التعليم يشكو الليالي الحالكة، ليالي صيف طاطا الممتد من شهر أبريل إلى نهاية شهر أكتوبر، حيث النوم على السطوح أمر لا مفر منه.


الصباحات هي الأخرى حالكة في أيام القر والزمهرير، ولا تسل عن المساءات ؟؟ كل ما هو قاسي في هذه المدينة مضاعف، وكل ما هو سوداوي قاتم حالك مضاعف..


مشكلة رجل التعليم أنه طوباوي إلى أقصى درجة ، وهو حين يحمل قيتارة ويعزف عليها تسمعه أنغاما لا ترضيه فيتخيل العالم جنة وموطئ قدميه جحيما، ويعيش وهم التشرد والاغتراب.


نعرف جيدا أنه لا يوجد رجل تعليم إلا ويتخيل نفسه بروموتيوس عنيد . هذه النظرة التحقيرية التي تختزل رجل التعليم في صورة حمار الطاحونة آن لها أن تندتر ، وكما يقال: ومن يتهيب صعود الجبال********يعش أبد الدهر بين الحفر


أحمق من يظن أن الطريق يجب أن تكون مفروشة بالورود، وأحمق هو رجل التعليم المتباكي على حاله متدمرا يدمر حياته وحياة النشأ الجديد ويعيش منتظرا ما لا يكون "أنت تريد أيها البشري أن ترى العالم بعين إله وهذا منتهى الحماقة



شكيب أريج




01/12/2006






حافلات طاطا الكبرى والصغرى




وسيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة بإقليم طاطا




يعرف قطاع النقل والمواصلات تسيبا لا نظير له بإقليم طاطا والسبب في ذلك هو جشع أصحاب وسائل النقل وعدم احترام القوانين المنظمة.




في البداية قد يتفاجأ المواطن الطاطاوي المكوي بسعار غلاء المواصلات والعارف بواقع النقل في المدينة وقد يحير لهذا العنوان الذي يصنف حسب الحافلات والسيارات الصغرى والكبرى. لكن الحقيقة المرة هي كون هذا التصنيف الجاري به العمل على الصعيد الوطني يكاد يختفي بل ويتوارى في مدينة طاطا ومحيطها.




وإنك عزيزي القارئ لو رمت بك الأقدار في أتون حافلات باني التي تقل المسافرين من مراكش إلى طاطا مرورا بتارودانت ووجدت نفسك واقفا تتعاركك المناكب وتشتم روائح العرق والقيء، لأيقنت أنك تستقل أتوبيسا أو شاحنة نفايات .




ونظرا لخلاء المنطقة الرابطة بين طاطا وتارودانت وغلاء كلفة النقل بها فإن الجشع يصل بأصحاب هذه الحافلات إلى تكديس المسافرين وإرغامهم على الإنحناء والانبطاح اختباءً من رجال الدرك الذين كثيرا ما يتغاضون عن مثل هذه الخروقات السافرة والتي تحط من قيمة المواطن.




لهذا السبب وجب التمييز بين حافلات باني الصغرى التي تجوب أرجاء المدينة وحافلات باني الكبرى التي تنقل الدواب والإنسان بين المدن.




أما أصحاب السيارات الكبرى فلا يتورعون أيضا في إطار المنافسة المستعرة بينهم وبين أصحاب الحافلات على تكديس المسافرين بحيث قد يتعدى عدد الراكبين الستة وقد يصل في أسوء الحالات إلى 12 فردا فتحشر الأقدام في البطون والرؤوس بين المناكب في مشاهد كاريكاتورية لا تتكرر إلا في طاطا. هذا ناهيك عن أنواع السيارات الخردة التي لم يئن الأوان بعد لتدخل إلى متحف التاريخ، والتي يقل بها بعض السائقين الناس متباهين بحسن تملصهم من الرقابة والقانون.




أما عن حقيقة سيارات الأجرة الصغرى، فالجميع في طاطا يعرف أنه في غياب هذا النوع من السيارات تتطوع السيارات الكبرى باقتحام فضاء المدينة وتلويثه من أجل قضاء بعض الخدمات الخاصة.





بلغنا في غمرة تدبيج هذا المقال أن السلطات عازمة على تغيير مكان المحطة وهو أمر يغيض أصحاب سيارات النقل الكبرى الذين يرون -عرفا وليس قانونا- أن وسط المدينة هو المكان الأنسب لعملهم.




قد يتغير مكان المحطة، لكن لن تتغير المحطة لأن أخلاقيات المهنة هي ما لم يتعود عليه السائق المغربي بصفة عامة والسائق الطاطاوي بصفة خاصة.. تكبر المحطة تدريجيا لكن ما يكبر هو الحقد والجشع وحب التسلط .




شكيب أريج





وقفة الألف شمعة بطاطا، أهي وقفة أم حصار؟






يوم فاتح أكتوبر كان يوما مشهودا في المدينة المسالمة طاطا، كان يوما ينبئ منذ الساعات الأولى بالوعيد والتبور، ذلك أن الوقفة التي أعلنتها هيئة الدفاع عن الخدمات الصحية والاجتماعية كانت قد أرخت بظلالها على الأجواء وأنذرت أن المدينة ستتحول إلى تكنة عسكرية، ولم يقصر رجال السلطة في إضفاء جو من الترهيب عبر التصريحات التي يتوعدون بها رؤوس جبهة الدفاع والتي حملتها ألسنة العامة منذ الساعات الأولى .وكان التصميم أكيدا من أن رجال التدخل السريع لهم كامل الصلاحيات في شدخ الرؤووس وكسر العظام، أيضا لم يكن قد مر أسبوع واحد على التدخل السافر للسلطة في قمع الذين تعالت أصواتهم معبرة عن التزوير المفضوح للانتخابات الماضية.من أجل عسكرة مدينة آمنة ليس في عائلاتها من لم يدد عن حوزة الوطن وليس فيها إلا الوطنيين الأحرار المتمسكين بوحدة الوطن.ومن أجل غلاء الأسعار في مدينة استثنائية تباع فيها المواد الغدائية بسعر زائد ويعتبر دخل ساكنتها من أدنى الأجور على الصعيد الوطني إضافة إلى التسعيرة الصحية المسعورة وفواتير الماء والكهرباء الباهضة والمجحفةمن أجل ذلك كله أعلن عن وقفة الألف شمعة التي واجهتها السلطات بالرفض بل بالمنع، ولأن مظهر السيمي مظهر جديد في المدينة فالأمر يوازي تعيينات جديدة للسلطات التي ارتأت بعينها البصيرة أن تسمع لأنين الجماهير بأذن سميعة تسمى "الزرواطة"في المساء على الساعة التاسعة بدأت التحركات بساحة المسيرة ، تحركات مكثفة لرجال التدخل السريع يحملون العدة والعتاد، ويبدو أنهم انتظروا طويلا أن يبدو أي تجمع ليسعو إلى تفريقه لكن ذلك لم يتسنى لهم حين التحق جميع المحتجين ومن يمثلون الأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية وهيئات المجتمع المدني بمقر الكونفدرالية الديمقراطية ومن خلال شرفاته حملوا الشموع ورفعوا الشعارات وما هي الا لحظات حتى تحولت ساحة المسيرة الى منبر ترتفع فيه الأصوات منددة بالغلاء وبديمقراطية الزرواطة، ولأن الوضع تكهرب أمام تعاطف الساكنة مع المحتجين المحاصرين بمقر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل فإن السلطات سعت الى تفريق الجماهير بوسائل بداية إن دلت على شيء فهي تدل على سوء تدبير السلطات المحلية في احتواء الوضع ومعالجته بلغة الحوار .وهكذا حولت آلة القمع شوارع طاطا المسالمة الى ساحة كوريدا دموية وانتشر الاحساس باللاأمن وكما عبرت هيئة الدفاع عن ذلك في بداية كلمتها "اننا اليوم لسنا في بغداد ولا في فلسطين اننا في طاطا..." إذ أن منظر السيمي والهراوات والسيارات ورجال الدرك يوحي بارهاب لا مثيل لهيقول المثل العربي" ماهكذا تورد الابل يا سعد" وما هكذا يجب على المسؤولين الجدد في المدينة التعامل مع الاوضاع المتردية في طاطا خاصة اذا كان من يحتج هو المجتمع المدني ممثلا بنقاباته وهيئاته الحزبية وجمعياته المحلي







ةشكيب أريج/طاطا








خمس نقابات بإقليم ط اطا تخوض حربا ضد الأ كاديمية الجهوية








عقدت النقابات الخمس بإقليم طاطا اجتماعا يوم الخميس 28شتنبر2006 حول الأوضاع التعليمية التي تزداد تدهورا نتيجة استفحال مظاهر التسيب والعبث في تسيير الشأن التعليمي بجهة كلميم السمارة.وقد صبت المواقف كلها في ضرورة تكوين وحدة وهو ما أسفر عن نتيجة ايجابية في سابقة لم تعرفها النقابات الخمس طوال سنين عديدة من التجادبات والتناحرات إذ كونت النقاباتالخمس)النقابة الوطنية للتعليم- الجامعة الحرة للتعليم- الجامعة الوطنية لموظفي التعليم- الجامعة الوطنية للتعليم- النقابة الوطنية للتعليم) حلفا استراتيجيا تحت يافطة كبيرة عنونها: الجبهة النقابية الموحدة للدفاع عن المدرسة العمومية وقد ثمتن الشغيلة التعليمية بطاطا هذه البادرة التي اعتبرتها مكسب جديد يجب الحرص عليه لا سيما أن الجميع يعرف هشاشة هذا التحالف بين النقابات أو الإخوة الأعداءوفي أول خطوة نضالية رفعت الجبهة جملة من المطالب اعتبرتها أساسية ولا مناص من تحقيقها في إصرار لا يدل إلا على الاستماتة والروح المعنوية والحماسية المرتفعة وهذه المطالب هي كالآتي:- التراجع عن عمليات الضم التي أنجزتها الأكاديمية الأسبوع الماضي والتي استطاعت بقدرة قادر أن تعوض 56 خصاصا ب56 عملية ضم- الرفض المطلق لعمليات إعادة الانتشار المشؤومة التي تمس باستقرار الشغيلة خصوصا وأنها لا تراعي التوزيع العادل للفائض بين نيابات الجهة.- توفير ما يكفي من البنيات التحتية والأطر التربوية بما يمكن من التقليص من الاكتظاظ في جميع الأسلاك. ويذكر بهذا الصدد أن ما يسمى بثانوية العيون الإعدادية في تمنارت ما زال يطلق على مدرسة بأكرض منذ ثلاث سنوات-المطالبة بتطبيق التوقيت المكيف والمستمر بالمؤسسات الابتدائية( في الندوة الصحفية التي عقدتها الجبهة يوم 4أكتوبر أشار مجموعة من أساتذة التعليم الإبتدائي إلى أنهم يشعرون بالحيف والحكرة نتيجة تطبيق التوقيت المستمر في مجموعة من أقاليم المغرب وعدم تطبيقه في طاطا ويضيف أخرون أنهم يشعرون أنهم في مغرب آخر لا تسوده المساواة والتكافؤ)-المطالبة بحركة انتقالية وطنية وجهوية واقليمية نزيهة تضمن تكافؤ الفرص بين الشغيلة التعليمية.-الاإسراع بتسوية جميع الملفات الاجتماعية ضمانا لاستقرار الأسرالإسراع بتسوية الوضعية المالية والإدارية للملفات العالقة(لا بد من التذكير هنا أن ملف الأستاذ نور الدين شحيمة أصبح يضرب به المثل على الصعيد الوطني فصاحبه خريج مركز تربوي جهوي سنة 2004 لم يتوصل بمستحقاته المالية رغم مرور 26 شهرا مما يثير أكثر من علامة استفهام)-الإسراع بتلبية طلبات متابعة الدراسة الجامعية وطلبات اجتياز امتحانات ولوج المدارس العليا.تمكين نساء ورجال التعليم باإقليم من الإستفادة من التحفيزات والتعويضات المادية كما هو الشأن في المناطق الجنوبية وإلا جاز لنا اعتبار إقليم طاطا على الصعيد الوطني منطقة تأديبيةمن أجل هذه المطالب التي صاغتها الجبهة النقابية الموحدة كان لزاما عليها أن تخوض خطوات نضالية مدروسة ووازنة ، لذا فقد خاضت يوم الأربعاء والخميس4و5 أكتوبر2006 إضرابا إنذاريا تخللته ندوة صحفية حضرها مجموعة من مراسلي الصحف الوطنية والجهوية (جريدة الأفق بحضورها ومشاركتها في هذه الندوة استقت المعلومات والأخبارالموجودة في هذا المقال)وتعتزم الجبهة أن تخوض إضرابا تصعيديا خلال الأيام 17-18-19 من نفس الشهر.وتبقى الأسئلة العالقة إلى حين انتهاء معركة الشد والجدب بين المركزيات الإدارية والنقابات التعليمية: هل تعتبر هذه الوحدة مكسب للشغيلة التعليمية أم أنه تحالف استراتيجي وظرفي ل؟ا سيما أن أحد أقطاب الجبهة صرح خلال الندوة الصحفية أن خيوط الوحدة الرابطة بين النقابات هي خيوط رفيعة جدا مما يستدعي الحرص على بقاء الاستمرارية لماذا تقف النيابة موقف المتفرج بعد أن تركت النقابات في مواجهة الأكاديمية التي وجهت اليها أصابع الاتهام من كل جهة؟لماذا تحرص الأكاديمية على سياسة الترقيع و"ادهن السير اسير" بدل أن تجد حلولا جدرية ومعقولة ترضي جميع الأطراف وتحفظ لرجل التعليم كرامته وتسير بالعملية التعليمية قدما؟








أريج/طاطا

لايقـينـية السرد في رواية "دليل العنفوان" لعبد القادر الشاوي


ذاكرة السرد المغربية بما تعج به من آثار سردية متميزة ومتنوعة، أسست لذائقة تعرف كيف تصير الحروف ذواتا وتنشئ عوالما تتناسل بتعدد القراء والقراءات. وها هو قطار السرد يحمل قراءه إلى محطات الدهشة ويخترق بهم الأنفاق والدهاليز، يقودهم إلى متاهات الحيرة تارة وإلى بر الأمان تارة أخرى. غير أن هذا القارئ المستأنس بفرادة السرد، الهائم في تهويماته، الباحث عن لذة النص في تداعيات الحبكة سيقف أمام نصوص تشاكس قارئها إلى الحد الذي تجعله يستلم مفاتيح السرد ويكتب الرواية بنفسه، إنها علاقة استفزاز بين الكاتب والقارئ لا تخلو من تنصل الكاتب من مسؤولياته. إن المتتبع للمتون السردية الغربية منها أو العربية يجد أن الكاتب في المتون القديمة قد خص القارئ بمكانة عالية وبالتدريج بدأ هذا التمجيد على مستوى الخطاب يقل ليحل محله خطاب الندية بين القارئ والكاتب إلى الحد الذي أصبح فيه الخطاب مستفزا للقارئ انعطافات السرد وتشكيلاته جعلت القارئ والكاتب يتخذان مسافات متباعدة ومتقاربة، يعود هذا بالأساس إلى الخلفية القرائية التي يحملها القارئ وإلى فلسفة الكتابة عند الكاتب. سأحاول أن أتطرق إلى هذين العنصرين : الخلفية القرائية وفلسفة الكتابة من خلال رواية "دليل العنفوان"1 للروائي المغربي عبد القادر الشاوي، خاصة أن الرواية تجمع بين نمطين من التلقي، التلقي الكلاسي وما يميزه من سارد عليم وقارئ منقاد والتلقي الحداثي بما يميزه من سارد سلم دفة السرد للريح وقارئ يفترض أن يكون متمرسا بالسرد الروائي. سنحاول أن نرقب من خلال الرواية عن كثب حيرة القارئ ومواقفه المفترضة تجاه كتابة تغازله تارة وتستفزه تارة أخرى.كما أننا سنحاول أن ندخل صومعة الكاتب أو ندعه يعرض علينا بعض أسرار الكتابة. لنتساءل بداية ونهاية: هل بمقدور القارئ أن يفلت من شباك السارد الأكثر رفاعة في تصيده وإيقاعه في لعبة السرد؟ هل يخاطب السارد قارئا عاديا أم ينتقي قراءه؟ وماذا عن الكاتب؟ أتراه يحاول تعرية كل شيء حتى الكتابة؟ ألا ينعكس هذا سلبا على علاقته بالقارئ؟ هل الكتابة كذب أم مستحيل يغازله الكاتب؟ أسئلة تتناسل عن أسئلة ولا أخال هذا العرض البسيط يجيب عن كل الإشكالات.
الخلفية القرائية:
الكاتب هو بدوره يفترض أن يكون قارئا جيدا، لقد ألفنا في ثنايا سرد محمد شكري أن يلفت الانتباه إلى مجموعة من النصوص الأدبية التي غرق في قراءتها وتلك كانت عادة مجموعة من الكتاب وكأن هذا الفعل اعتراف بالجميل لهؤلاء الذين ساهموا في صقل أسلوبه وبلورة رؤيته للعالم. لقد أصبح الكاتب هو الآخر يتموقع في موقع القارئ ليبدو قارئا مسايرا لما يكتب، وهكذا نجد عبد القادر الشاوي في روايته هذه يستحضر مجموعة من المتون "نداء القاهرة" "الزاوية". وإذا كان المؤلف قدر ركز على خلفيات قرائية فإن ذلك ليس من خلال المتون السردية بل من خلال الجرائد الحزبية مثل: جريدة "العلم" المعروف على أنها لسان حزب الاستقلال، وجريدة "الكفاح الوطني" التي بين المؤلف أنها تمثل اليسار الاشتراكي، ثم جريدة "الأخبار" الليبية المشايعة للأسرة السنوسية. هذا عن نوعية الخلفية القرائية الواردة من خلال الرواية والمؤسسة لنمط من القراءة ساد في الفترة التي يعالج فيها الكاتب وقائع معينة. فماذا عن القارئ في كل مكان وزمان؟ وإن شئنا الدقة والتخصيص ما هو القارئ الذي تتوجه إليه رواية " دليل العنفوان" ؟ القسم الأول من الرواية يعطي الانطباع بخطية السرد ويطمئن القارئ الذي يختزن صور حية لشخصيات وأمكنة وأزمنة تسير على إيقاع متنامي. وكما ألفنا في روايات ترصد الواقع رصدا أمينا، تحاول الرواية خاصة في قسمها الأول أن تحقق متعة القراءة " من خلال مادة أولية شديدة الصلة بالمجتمع وهمومه وأسئلته"2 وهي في ذلك تستجيب لأفق انتظار القارئ الذي لم يعهد لعبة الفراغات ومتاهات السرد، إذا فالكاتب لا يدخر وسعا ليشفي فضول القارئ. ولكن عندما يحس الكاتب أن الشكوك تعربد بقارئه يفتح قوسا ليصرح: " أخالك ستجهر شامتا أو شاكا أو ضاحكا بما يكذبني.."3 وفي الوقت الذي يحقق فيه القارئ غايته في أن يعيش لحظات النص، يستشعر الأمكنة والأزمنة ويتلمس الوجوه التي بدأت ملامحها تتكون، عندها يبدأ الكاتب رحلة الهدم ففي القسم الثاني من "دليل العنفوان " تقرأ "أقول في القسم الأول من هذا السفر الفقير –كما قرأت ولست إلا في البداية الحابلة، لاهيا أو ضجرا -شيئا من الحقيقة أو بعضا من الخيال "4 فعكس النصوص المألوفة التي لا تضع هذه الوقفات السردية بل تتابع في ما يشبه استغباء القارئ، لا يعبأ الكاتب بالجمهور فهو لا يخاف أن ينفض عنه حين يصارحه بقوله: "ولست أدري هل يغفر لي القارئ زلة جعلت منها واقعة، فقد خيل لي وأنا منطلق في السرد كالريح، أنني إذا أضفيت على الحدث مسحة من الدراما الأسيفة صيرته مؤثرا في الصلب"5 إنه سارد مخاتل، زئبقي، لا يصدَق في قول، فطوال القسم الثاني يعيد الحكي بطريقة مغايرة، يشطب على كل حدث مثير قيل في القسم الأول ويعيد صياغته، إنها المادة نفسها تتشكل من جديد وبالإمكان إعادة تشكيلها إذا ما تبث كذب السارد مرة أخرى. وكأن عبد القادر الشاوي يقول: " تبا لكل الخلفيات القرائية التي عودت القارئ أن يصدق كل كلمة وينساق مع انجرافات السرد النابعة عن أهواء الكاتب وظرفية كتاباته" إن للقارئ كينونته لذا يجب أن يدخل المكان لا أن ينتظر توصيف هذا المكان، عليه أن يتعرف على الشخصيات والعلاقات فيما بينها لا أن ينتظر السارد ليقوم بذلك نيابة عنه لايقينية السرد هي التي تجعل القارئ يبحث عن حقيقة النص، لأن كل شيء يطفح برائحة الكذب ولكل قول احتمالات شتى ولهذا نجد في أكثر من مقطع أن الكاتب يكثر من روابط الشك والريبة مثل: "قد، أو، ربما، أم أن.." في إشارة إلى أنها كلها مسارات واردة وأنه توجد أكثر من طريقة وفكرة لبناء النص: "أم أن في نفسي من الضغائن الخبيئة ما جعلني أطمس سيرته وسرائره الطيبة؟ (...) وقد تكون العملية كلها لا واعية لأنني كتبت ذلك القسم كله تحت تأثير انفعالات ظرفية.."6 هذا التدبدب يبدو واضحا عندما يتحدث السارد عن عمه : " أصبح في هذه الفترة كما كانوا يسمونه في الرباط أمينا لأصحاب الطاكسيات بحكم قدم باعه في المهنة أو لدماثة خلقه أو لأفضال غيره عليه أو لطموح كان يسكنه"7 إنه سرد لا يعرف الوثوقية يمسح آخره أوله، بل إن السارد لتشكيكه في كل كلمة يكتبها يعيد النظر في الكلمة الواحدة ليعيد تشكيلها من جديد فمثلا في المقطع الثاني " وها أنا أقول بالحرف (وعاد للرفقة الدائمة أنسها المعهود) " وهو يتحدث عن رفيقه رشيد المدني يركز على كلمة "وعاد" ، هذه الكلمة بالضبط يتحدث عنها قائلا: "غير أني أريد التحفظ بلباقة على كلمة انتزعتها من قاموس شارد لكي أشعرك بهناءة مفترضة وما هي كذلك إن القضية كلها في (عاد) التي وقعت في بداية الكلام المرسول المسكوك كوتد لقد خرجت على نحو ما رأيت جارية مفاجئة تريد أن تجنح مقامها وآن لها أن تنضبط في مجرى الحديث"8 وأنت تقرأ بعض هذه المقاطع وكأنك تقرأ مسودات هذا العمل، إنها الكتابة العارية دون رتوشات ودون مساحيق تجميل.وكما يقول أحمد بوزفور " المسودات لا تمزق أو تحرق أو ترمى كما يتخيل الكتاب، بل ترسب في قاع القصة إلى الأبد مكونة لاشعورها وغرائزها البدائية"9 وتثمينا لكل الدعوات التي أكدت على إشراك القارئ لا يكف السارد عن مخاطبة القارئ من آن لآخر يحثه على إكمال عملية السرد فحين يحاور السارد عمه يقول : "وتصور أنت بماذا كان علي أن أجيبه ..هيه.."10 إنها حكاية يقرأها الكاتب ويكتبها القارئ.
فلسفة الكتابة في "دليل العنفوان":
الكلام المرسول المكتوب، كما وصفه عبد القادر الشاوي في دليل العنفوان بـ "المسكوك كوتد" ، فهذه المادة الأولية الشكلية: الحروف المتشابكة وعلامات الترقيم التي تتخللها هي البديل لمنطوق شفوي، فهل يستوي كل من الكاتب والمتكلم؟ وهل يستوي كل من القارئ والمستمع؟ حتما هناك طقوس وعادات تميز الشفهي عن المكتوب ولكل فرادته وطابعه الخاص، ولأن المجال لا يتسع لإفراد الاختلافات والتقاطعات بين لغة مكتوبة وأخرى شفهية فسنعرض فقط إلى بعض الطقوس في الكتابة التي يتبناها الكاتب وتفضح حنينه إلى أن يكون متكلما. لنتساءل عن سر هذا الولع بتشخيص المكتوب؟
مخاطبة القارئ بشكل مباشر:
"لا تلتفت ثمة قارئ بجانبك يقرأ ما تقرأ تقرأ أنت كلمة ناقوس فيسمع هو الرنين لا تلتفت ثمة قارئ معك وفيك يقرأ هو ما تقرأ أنت يقرأ بجهر ووضوح ما تعجز أنت على قراءته مضى هو وبقيت أنت في ارتباك"11 إنه أسلوب المواجهة بين كاتب وقارئ، لا تندهش إذا ما فاجأتك يوما شخصية ورقية " هل تسمعني؟! هل تراني؟! أنت أيها المحدق في بياض الورق!! " لقد نهج الكثير من الروائيون هذه التقنية في الرواية الحديثة12، وإن كانت في حقيقتها تقنية ذات جذور شفهية، فالجدات لم تكن تحكين قصصهن دون استطراد ودون أن تتوقف لتخاطب المستمعين إليها. وكل راو أمام جمهوره كان لزاما عليه أن يخاطب المستمعين إليه ، يسألهم ويحاورهم فهم كانوا دائما وقود حكاياته وحتى بعد ظهور الكتاب، ظل السرد في بداياته خاضعا لطقوس شفاهية، فالقارئ الذي كان يقرأ في العصور الوسطى كتابا في الكنيسة كان يخاطب الجمهور باحترام وتقدير، ولم تتعمم ثقافة المكتوب إلا بعد انتشار المطبعة، إذا فهي تقنية جديدة- قديمة يتفاوت استعمالها من روائي إلى آخر حسب الوعي بالظاهرة والتوظيف الفني لها. في رواية "دليل العنفوان" تتم مخاطبة القارئ بشكل مباشر مرات عديدة بحيث يشكل هذا النمط في الخطاب حفرا دلالية تجعل القارئ يطيل التفكير لتحديد مواقفه وآرائه وتصوراته، فمثلا يحدث أن يفاجأ السارد القارئ بقوله " أخالك ستجهر شامتا أو شاكا أو ضاحكا بما يكذبني وستقول(...) واثقا أن في نفسك ما يرقى بك إلى البراءة وما ينـزل بي (...) مهلا مهلا. لماذا لا نحكم والحالة هذه شاهدا مدموغا بالوثاقة؟"13 ومرة أخرى يخاطب القارئ :" تقرأ هذا السفر ولكنك تجادل بالسوء في تركيبه.."14 والملاحظ من خلال هذين المقطعين أن السارد يحاجج قارئه في مدى مصداقية ما يرويه وهو شأن العديد من المتون السردية التي تسعى إلى انتزاع اعتراف واقعيتها من القارئ.ولكن في الوقت الذي يبدو السرد وثوقيا ومتجها نحو فرضية تصديقه يبدأ السارد سيرورة الـهدم، فها هو يقول: "سترى أن الصدق بيان كاذب وأن الكذب له سند في صحاح كل كيان"15 ويضيف فيما يشبه الاعتراف "وأنا أستدرجك الآن إلى حكاية ضالة، ولا أقودك إلى بر آمن، لك شأنك وستبقى مخيرا بين القناعة والرضى. لي ديدني ومجالي. وما بيننا سوى الكلام"16 إذا كان الكاتب في العصور القديمة حريصا على تمجيد جمهوره وهو يقوده في مسارب السرد إلى نهاية سعيدة حتى لا يتكدر أو يتذمر، فإن الكاتب في "دليل العنفوان" لا يهتم لموقف هذا القارئ. وهو إذ لا يهتم لموقفه ليس تبخيسا من قدراته ولكن لكل ديدنه وشأنه على حد تعبير السارد. ومن أجل قارئ غير مستلب يحاول السارد التنويع من أساليب هذه المواجهة، وهو لا يجد حرجا في استفتاء رأي القارئ مادامت الغاية هي إيقاظه وإشراكه فيقول: " ألا ترى أن (فلسفة العصر من فلسفاته) وهو العنوان لا يحمل من سحر العناوين ما يمكن أن يلفت نظر القارئ؟"17 إنها مجابهة بين الكاتب والقارئ يطبعها الاحترام تارة وتتميز بالاستفزاز تارة أخرى، والمؤكد أنها مجابهة لا تطمح إلى التأكيد على يقينية السرد بقدر ما تبعثر أوراق القارئ وتضعه في مفترق الطرق.
الاحتفاء بالمكتوب:
وهي حالة من التأمل يتمعن الكاتب فيما ينكتب على الورق، فالروح المتدفقة عبر اللغة تثير حيرة الكاتب فيستغرب "كان يجب أن أكتب شيئا فخرج هذا الشيء في سطور فاحمة، مسنونا حادا في طور، رخوا لزجا هولاميا في طور آخر!! "18 وفي مكان آخر يحاول استكناه الكتابة " وبدأت أدرك أن الأفكار الهائمة قد تنتقل من المخيلة إلى السطور ومن السطور إلى الصدور. وتبرق في العيون كأنها سهام من التناجي توصل طرفا بطرف.."19 إنه ما أسماه بوزفور بالكتابة المتبرجة " الكتابة التي تتأمل نفسها في المرآة وتسوي شعرها وتبتسم وهي تقول (هناك شيء ما ينقصني) تقول ذلك وهي تعني (ما أجملني!) "20 إنها كتابة مرآوية تريد أن تعيد للحروف حيادها، ولهذا يختم القسم الأول ببيان للكتابة في دليل العنفوان فتحت عنوان "همزة" بين الكاتب أن "الحكي المستعر" يحاول أن يجد له قالبا، لغة يتدثر بها أو بالأحرى كتابة مستحيلة قادرة على الاستعادة الأمينة اللامتشظية21 ويبلغ الحد بالكاتب في هوسه بالكتابة إلى الدرجة التي تجعله يعيد كتابة المقطع المعنون بـ "همزة" في نهاية الرواية بشكل ارتدادي فتقرأ تحت عنوان "همزة مضادة": "ضدك وينقلب يتحداك قالبا ومنطلقا للماضي تجعل أن تحاول إذ "22 وهو مقطع قابل لأن يقرأ بشكل معكوس. وليس هذا إلا من قبيل البحث عن كتابة تحتوي العالم وتعبر عن مجمل التناقضات.
لاوثوقية الكتابة:
من الملامح المميزة للكتابة في "دليل العنفوان" أنها كتابة تسعى إلى أن تبقى على طبيعتها الأولى مليئة بالخربشات والاستطرادات وزلات القلم والتشطيبات، فهي أشبه بمسودات تركت على سجيتها. ومما يؤكد ذلك أن السارد في كثير من الأحيان يعيد النظر في بعض العبارات معلقا عليها بما يوجب بترها، فهو يعلق على الجملة الأولى في الرواية التي أريد لها أن تكتب هكذا " أقمت في بداية الشتاء في مسكن متواضع يطل على الجوطية" يعلق بقوله: "تصنع وحذلقة، كأنني كنت أملك حريتي ..وكأنني حين كنت أكتب ذلك سطرت بأمر خفي قدرتي على الحياة، وماهي قدرة تلك، على الحياة.. إن هي إلا أكذوبة خضراء"23 وتبدو الكتابة أكثر تدبدبا ولاوثوقية حين يؤكد الكاتب على بعض الكلمات " وقلت (رقيقا) الرقة كانت في طبعه كالدم في عروقه"24
خـاتمــة:
من يحاسب السارد إن زاد في القصة قدرا، إمارة أو إشارة؟ من يحاسبه إن غير من هذا الوجه ملمحا أو غير السياق؟ أليست القصة في النهاية قصته؟ عكس هذه التساؤلات التي وردت في الرواية على لسان السارد من شأن القارئ ما دام السرد (خيلاء حكي) أن ينتفض: من يحاسبه إن أبدى امتعاضه من هذه الشخصيات أو تحمس لأدوارها في المجتمع؟ من يحاسبه إن أساء النوايا في كل ما يحاك من خيال؟ لايقينية السرد في الرواية هي ما يفرض على القارئ بناء تصورات متعددة لمسارات السرد، وذلك لن يتأتى إلا بطرح التساؤلات والفرضيات الأخرى الممكنة للسرد. إن هذه اللاوثوقية التي تسم " دليل العنفوان" هي التي تفرض على القارئ أحيانا أن يتموقع مكان الكاتب وتجعل منه قارئا فعالا ومبدعا. وأخيرا نخلص إلى أن أعمالا مثل "دليل العنفوان" هي دليل على رغبة مؤلفيها في تحطيم غطرسة السارد العليم، هذا السارد الذي يدعي دائما أنه مالك الحقيقة في كل سرد. أيضا تأتي هذه الأعمال ضد تسطيح الرؤية السردية في الخلفيات القرائية السائدة التي رسخت سلطة السارد المتعالي. غير أن الإغراق في هذه التقنيات الحديثة والارتباط بهموم الكتابة قد يتحول إلى الكتابة من أجل الكتابة، وقد يرسخ خلفية قرائية تدعو إلى القراءة من أجل القراءة. 2004 /08/24
هوامش:
1- "دليل العنفوان" عبد القادر الشاوي. نشر الفنك. ط1/1989 2- الصفحة الرابعة من غلاف رواية "دليل العنفوان" – تعليق محمد برادة على الرواية- 3- نفسه ص24 4- نفسه ص82 5- نفسه ص 113 6- نفسه ص 108 7- نفسه ص87 8- نفسه ص108 9- "الزرافة المشتعلة" أحمد بوزفور.المكتبة الأدبية ط1/2000- شركة النشر والتوزيع- المدارس.الدار البيضاء. ص42 10- "دليل العنفوان" ص90 11- "الأعمال الكاملة" محمد الصباغ 12- على سبيل المثال لا الحصر: أحلام مستغانمي في ثلاثيتها( "ذاكرة الجسد" و"فوضى الحواس" و"عابر سرير") جبرا إبراهيم جبرا في "يوميات سراب عفان" وأحمد المديني في "حكاية وهم" و"وردة للوقت المغربي" 13- "دليل العنفوان" 24 14- الصفحة نفسها 15- الصفحة نفسها 16- الصفحة نفسها 17- نفسه ص29 18- نفسه ص82 19- نفسه ص39 20- "الزرافة المشتعلة" ص121 21- "دليل العنفوان" ص74-75 22- نفسه. ص
141 23- نفسه ص82 24- نفسه ص107
شكيب أريج

الاثنين، 13 نونبر، 2006

خصوصية السرد في روايتي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس لأحلام مستغانمي

مقدمة



إن دراسة تتناول خصوصية السرد عند أحلام مستغانمي لا بد أن تنكب على أهم الخصوصيات التي تميز الكتابة الروائية عند أحلام مستغانمي عن غيرها، وهي دراسة أريد لها أن تقتفي أثر الإبداع والجدة، بعيدا عن الأساليب التقريرية والوصفية التي لا هم لها سوى تشريح النص وتفكيكه.
إن المناهج هي التي يمليها النص، وهي تتـضام وتتقاطع وفق ملاءمة ابستمولوجية وحنكة نقدية نشتم منها لذة النص.
لذلك فالأجدر بنا أن نتـتبع خطى الإبداع المتلاحقة نحو جمالية متطلع إليها ومرغوب فيها بدل أن نلهث وراء هاجس المناهج التي كثيرا ما تعامت عن حقيقة الإبداع الذي هو امتداد بيولوجي للإنسان.
إن بحثاً يستقصي مواطن الجمالية ويتلمس تخوم اللذة في الكتابة الروائية أَفْيدُ من بحث ينحشر بين مناهج وآليات لم يستوعبها، وليس من السهل أن يتقنها ويجيد العمل بها في ظرف وجيز (مدة إعداد البحث).
من هذه القناعة الشخصية ننطلق معولين على زاد يسير من المطالعات المتخصصة في مجال الرواية، وعلى قراءات لا تني عن مواكبة المتن الحكائي العربي قدر المستطاع، وعلى القراءة الجادة والمتأنية لروايتي المؤلفة (ذاكرة الجسد) و (فوضى الحواس)، تحذونا رغبة أكيدة في الإجابة عن جملة من الأسئلة والقضايا التي تقربنا من فرادة الكتابة الروائية لدى أحلام.
فإذا كانت الصحافة قد استغرقت وقتها واستنـزفت حبرها في الإجابة عن أسئلة من قبيل: من كتب رواية (ذاكرة الجسد)؟ وأين ؟ ومتى ؟ فإننا سننحوا بعيدا عن هذه الكتابات التي تجاهلت العمل الأدبي في حد ذاته بوصفه منجزا نصياً، وأولت الاهتمام البالغ للكاتبة وظروف الكتابة والنشر، وسنحاول إعادة الاعتبار للسؤال الأدبي الذي يروم اكتشاف عوالم السرد عند أحلام، إذ ما الذي يميز كتاباتها ويخول لها هذا الصدى الواسع ؟. صحيح أن هناك احتفالية نقدية بروايتي أحلام، ولكن هذا لا ينفي أن ما قدمته أحلام على مستوى الكتابة الروائية فريد من نوعه، ومثيـر للجدل.
فهل هي كتابة حداثية مهووسة بحرق المراحل أكثر من كونها كتابة داعيـة للتأمل في عملية الكتابة نفسها؟ ثم ماذا تضيف روايتان في حجم (ذاكرة الجسد) و(فوضى الحواس) للمتن الروائي العربي، هل تضيف لمسة خاصة للكتابة الروائية العربية أم أنها لا تخرج عن الأساليب التكرارية لروايات في مهب الحداثة والتجريب ؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه انطلاقا من تركيزنا على تقنيتي (تشخيص المكتوب) و(التماهي الحكائي) لكونهما يتموضعان في أفق الخطاب والحكاية بشكل يسمح بسبر أغوار السرد والوقوف على خصوصياته.

في البداية سنستهل بحثنا هذا بمدخل عام نعرف فيه أولا بقضية أحلام مستغانمي باعتبارها قضية شغلت الأوساط الأدبية والثقافية، متوخين أن لا تكون إضافتنا هذه ركاماً ينضاف إلى الأحاديث الصحفية العابرة.
ثم سنطرح في هذا المدخل مجموعة من الاعتبارات التمهيدية والنظرية والمنهجية كتوطئة وكفرش نظري نضعه نصب أعيننا أثناء تحليلنا للخطاب الروائي المستغانمي.
وفي فصل ثان سنتناول تقنية (تشخيص المكتوب) مستندين إلى تصور (سعيد بنكراد) كأساس إجرائي للوقوف في بداية ونهاية كل نص على نوعية الخطاب وخصوصيته. وسنختم الفصل بخلاصة نسجل فيها امتدادات (تشخيص المكتوب) داخل المتن الروائي ومدى قدرة هذا التشخيص على تفعيل الكتابة والقراءة.
أما الفصل الثالث فسنتطرق فيه لخصوصية الحكاية الموسومة بتقنية التماهي الحكائي، وسنرصد تجليات هذا التماهي في الروايتين، محاولين النفاذ إلى عوالم السرد، مقتفين آثار السارد الذي سنقدم له بمدخل نظري نقوم بعده بتحديد العلاقات المتشابكة التي تكتنف شبكة السرد (السارد/المؤلف-السارد/المسرود له...) في الروايتين.
وأخيرا سننهي البحث بخاتمة نضمنها أهم استنتاجاتنا وخلاصاتنا.



1-قضية أحلام مستغانمي بين (ذاكرة الجسد) و(فوضى الحواس)

رواية "ذاكرة الجسد" هي أول رواية لأحلام مستغانمي، وقد أثارت ضجة واهتماما لدى صدورها. تواصل نجاحها وانتشارها فكانت من بين أهم الروايات العربية مبيعا، إذ صدر منها حتى الآن ما يزيد عن ثلاث عشرة طبعة عن دار الآداب البيـروتية
[1].
كما فازت بجائزة نجيب محفوظ للأدب العربي التي تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1989م. وترجمت بناء على ذلك إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والصينية والكردية.
[2]
وما إن حازت الرواية قصب السبق حتى انبرت بعض الأقلام الملفعة بالنظرة الفحولية التي تلغي الإبداع الأنثوي تنفخ في رماد الظن، فما دامت الروائية أنثى فإن ثمة من كتب لها الرواية، وإذ كانت قد جعلتها قصيدة مشفرة تمزج بين الشعري والنثري، ومن خلال وعي رجل (بطل الرواية) فإن أفذاذ عصرها من الشعراء قد زودوها بإكسير الكتابة الروائية.
لقد كان الشاعر نزار قباني المتهم الأول، ثم كان الروائي الجزائري (واسيني الأعرج) أما المتهم الأول والأخير فهو الشاعر العراقي (سعدي يوسف)، وقبلهم جميعا كان -ولا يزال- الروائي الجزائري (مالك حداد)
[3]
وبصدد تنامي هذه الإشاعات تقول أحلام مستغانمي: «إن الذهنية المريضة التي تجعل من شاعرين في مستوى (نزار قباني) و(سعدي يوسف) يتعاركان على رواية تنسبها الصحافة كل مرة لأحد منهما هي ذهنية تحتاج إلى الرثاء والشفقة»
[4]
وهي أقاويل على هشاشتها تشكل ظاهرة مؤسفة في حياتنا الأدبية، إذ ينساق بعض الكتاب والكاتبات مع تيار القدح الذي استنـزف حبرا كثيرا، وهو يصب في مصب المكر والمراوغة حين يجعل من هذه التقولات فضيحة*
ولقد كان المقال المدوي الذي كتبه الصحفي التونسي (كارم الشريف) في صحيفة "الخبر" الأسبوعية الجزائرية وتناقلته عشرات الصحف والمجلات العربية عبر وكالة الأنباء الفرنسية (فرنس برس) أحد الأقلام الملفعة بالنظرة الفحولية التي تلغي الإبداع الأنثوي، وقد ورد مقاله تحت عنوان: "سرقات أدبية: هل يختفي سعدي يوسف تحت قلم أحلام ؟" وفيه يزف صاحبه لآلاف القراء الذين وقعوا - حسب تعبيره- تحت سطوة هذه الرواية وانبهروا بها، أنهم راحوا ضحية سرقة أدبية، بعد أن بلغه أن الشاعر الكبير (سعدي يوسف) أعلن في إحدى السهرات، وفي مقهى على ضفاف البحر الأبيض المتوسط أنه الكاتب الحقيقي لرواية ذاكرة الجسد
[5].
« إن مثل هذه النـزاعات العدوانية مما يوسع دائرة الضجيج ويؤكدها ويجعل لها جدورا تحدث شرخا في قيمنا الأدبية»
[6]
ثم إن ما حدث مع أحلام مستغانمي هو نفسه ماحدث مع الروائية الكاميرونية (كالكست بيالا- (Calixthe Beyala حين أصدرت روايتها الأولى (إن الشمس هي التي أحرقتني)عام1987م، حيث أحدثت تقنياتها السردية الجديدة في حينه أصداءاً قال عنها (جوزيف نديندا): «لقد قوبلت هذه الرواية بالترحاب من طرف الجمهور ومن طرف النقد الأدبي الغربي وبالمقابل اعتبر بعض النقاد الكاميرونيين بأن الرواية كانت مثيرة ومحرضة وقد تعرضت الكاتبة حينها للنقد اللاذع، بل المهين أيضا، ووصلت الإهانة حد اتهامها بالسرقة الأدبية وعدم نسبة الرواية إليها »
[7]
وفي المشهد العربي سبق وأن صدرت رواية (أيام معه) لكولين خوري، وقال الكثيرون عنها أنها تحكي علاقتها بنـزار قباني وأنه هو الذي أعاد كتابتها ولكن هذا لم يصرف القراء عن (كولين)
[8] فهذه الأقوال لا
تتـعدى أن تكون نوعا من النمائم الرخيصة التي لا يجب الاهتمام بها، فالعمل نفسه هو الجدير بالاهتمام.

بيد أن هذا اللغط لم يغيب بصخبه الجانب المضيء، فثمة من وقف عند هذه القضية وناقشها بأسلوب منطقي أزاح الغبار عن كينونة المرأة المبدعة وعالمها الملبَّد بالمصادرة والإلغاء والقهر، وتجلت هذه الإضاءات في مقالات مختلفة منها: "قراءة نقدية في رواية (ذاكرة الجسد) " لفريدة النقاش
[9] و"سلطة النص الآخر في الخطاب الروائي لأحلام مستغانمي" للناقدة العراقية وجدان عبد الإله الصايغ[10] و "عندما يصل المبدع إلى سن الفاجعة" للناقد الكبـير عبد العزيز المقالح [11]، وسأتريث هنا عند أبجدية الناقدة العراقية (وجدان عبد الإله الصايغ) التي تتساءل:
«حين يطرد المبدع من فراديس إبداعه ويشكك بانتمائه إلى نبض جنانه لتغدو ومضاته الجمالية إبرا مسنونة تقض مضجعه وتهز أشجار رؤاه، ما الذي يفعله ؟ »
[12]
إن رواية أخرى جديدة لأحلام مستغانمي كفيلة بأن تجيب على هذا السؤال وباستطاعتها أن تسكت كل الأصوات المشككة. تقول أحلام: « الكاتب لا يرد بمقال بل بكتاب آخر»
[13] فبصدور روايتها الثانية (فوضى الحواس) أثبتت أحلام مستغانمي أنها روائية جديرة بالاحترام وتحدَّت أنذاك أعداءها: «أولئك الذين يريدون أن يرو جثـتي تطفو على بركة سخافتهم، فهم مطالبون بأن يشحذوا خيالهم في البحث عن سلطة أدبية أخرى ينسبون إليها عملي القادم (..) وبالمناسبة، ولمزيد من الإشهار أقترح على هذا الصحافي أو من شابـهه البحث عن شاعر آخر حتى يعلن عن أبـوته ل( فوضى الحواس) »[14]
إذا كانت الروائية الكاميرونية (كالكست بيالا) قد حسمت الموقف لصالحها حين أصدرت روايتها الثانية (ستسمى طانكا) سنة 1988م، فإن أحلام مستغانمي حتى بعد نجاح روايتها (فوضى الحواس) التي تجاوزت إحدى عشر طبعة، لا تزال محاصرة بحراس الأخلاق هؤلاء الذين قالت عنهم أحلام:«أي قدر يتربص بالكاتب العربي الناجح الذي يقف في مسافة وسطية بين القتلة والمرتزقة، فهو متهم بالكتابة، والذين يعادونه، والذين قد يقتلونه،لم يقرؤوه، ولم يحاولوا أن يفهموه، أو يناقشوه، إنما هم يحاسبونه على اختلافه عنهم لا عن اختلافه معهم.. »
[15]
تقول حكمة " الأشجار المثمرة هي التي ترمى بالحجارة " لذلك فلا غرابة أن تكون أحلام مستغانمي كاتبة بكتابين وست محاميين، خاضت ولا تزال تخوض معارك أدبية لا نبل فيها، في زمن عربي يحترف وأد الإبداعات الجميلة وطمسها وتنتشر فيه عدوى فقدان مناعة الحياء.
[1] «قضية أحلام مستغانمي» (مجلة الأفق الإلكترونية) العدد01-السنة الأولى.(سبتمبر2000) www.ofouq.com

[2] الصفحة الرابعة من رواية "عابر سرير" للمؤلفة أحلام مستغانمي.منشورات أحلام مستغانمي.بيروت.لبنان.2003.للمزيد من الإطلاع حول الترجمـتين الفرنسية والإنجليزية: www.ahlammostaghanemi.com

[3] « قضية أحلام مستغانمي» المرجع السابق.

[4] أحلام مستغانمي «ندوة المرأة والكتابة في مهرجان الرباط الدولي-يونيو2000» مجلة الأفق-العدد01-السنة الأولى(سبتمبر2000) www.ofouq.com


* يعد كتاب«إسرائيليات بأقلام عربية» لغادة السمان (وهي غير الكاتبة السورية المشهورة) من الكتب التي تكرس هذه النـزعة الفضائحية، حيث انساقت كاتبته غادة السمان مع تيار القدح والتشهير لتتهم أحلام مستغانمي بالدس الصهيوني الذي لم ينتبه إليه القراء-على حد تعبيرها-والكتاب صدر عن دار الهادي- ببيروت 2001.
[5] « قضية أحلام مستغانمي» مرجع سبق ذكره.
[6] وجدان عبد الإله الصايغ «سلطة النص الآخر في الخطاب الروائي لأحلام مستغانمي» مجلة ثقافات- الصادرة عن كلية الآداب-جامعة البحرين.العدد2-ربيع2002.ص103
[7] جوزيف نديندا « الكتابة والخطاب النسائيين بالكاميرون» ترجمة:دامية نـخونيا-مجلة نوافذ-العدد11-جدة- مارس2000-ص.ص131-132
[8] « قضية أحلام مستغانمي» مرجع سبق ذكره.
[9] فريدة النقاش «قراءة نقدية في رواية ذاكرة الجسد» –العربي-العدد457- ديسمبر1996م. ص 110
[10] وجدان عبد الإله الصايغ. المرجع السابق.ص103
[11] عبد العزيز المقالح «عندما يصل المبدع إلى سن الفاجعة» الإتحاد الثقافي-الإمارات20يوليو2000م (عثرنا على عنوان
المقال وبعض مضامينه في مقال وجدان عبد الإله الصايغ السابق الذكر.ص104
[12] وجدان عبد الإله الصايغ. المرجع السابق.ص103
[13] أحلام مستغانمي « ندوة المرأة والكتابة» مرجع سبق ذكره.
[14] نفسـه.
[15] نفسـه.






2-اعتبارات تمهيدية ونظرية:

2-1-اعتبارات تمهيدية:

أ- لقد كان لزاما علينا أن نشير إلى قضية أحلام مستغانمي وبعض ملابساتها لأننا لامسنا بشدة مدى تأثير هذه القضية على مستوى الكتابة الروائية عند أحلام مستغانمي، حيث تقول في رواية (فوضى الحواس): «جميل كل ما يمكن أن يحدث بسبب كتاب يمكن أن نكرم، يمكن أن نسجن، يمكن أن نغتال، يمكن أن نحب، يمكن أن نكره..يمكن أن نقدس، يمكن أن ننفى..فلا يمكن أن نخرج بحكم البراءة من كتاب.. »
[16] وهو نفسه الكلام الذي قالته في ندوة المرأة والكتابة بالرباط : «جميل كل ما يحدث لكاتب بسبب كتاب..بسبب كتاب يمكن أن تحَب ويمكن أن تكره، ويمكن أن تسجن ويمكن أن تكرم، ويمكن أن تغتال ويمكن أن تشرد. ويمكن أيضا أن تحصل على جائزة لم تتوقعها يوما.»[17]
يأتي طرحنا لـهذه القضية من جهة ثانية لأنها من بين القضايا الفريدة التي كشفت عما يدور في كواليس الأعمال الأدبية قبل طباعتها.فإن كان ما تناقلته وسائل الإعلام من الهمس الذي يتم في الجلسات والمسامرات الخاصة والمغلقة يأتي في إطار الخبطات الصحفية المحكومة بإيقاع هاجس التسابق والتسرع، فإن ما يقدمه الأدباء والنقاد من توضيحات وآراء حول الإبداعات وما يرافق ذلك من اهتمام القارئ يعد ظاهرة صحية يجب الإلتفات إليها، ولعل هذا ما دفع أحلام مستغانمي إلى الإعلان مبكرا عن روايتها (عابر سرير) قبل صدورها
[18]

ب- لقد دأبنا في بحثنا هذا على دراسة روايتي (ذاكرة الجسد) و(فوضى الحواس) لأنـهما كل لا يتجزأ، فكلاهما تحيل على الأخرى بطريقة أو بأخرى، ونخال أن اقتصارنا على رواية واحدة سيؤدي إلى بحث مبتور، وليس أدل على تقاطع النصين وتداخلهما من قول الدكتورة سوسن لبابيدي وهي بصدد إبداء ارتساماتها حول قراءتـها الأولى لفوضى الحواس: «ليست المرة الأولى التي أقرأ فيها فوضى الحواس، لعلي قرأتها بين سطور ذاكرة الجسد، أو في زمن آخر»
[19]

2-2-مداخل نظرية:

أ- سأسعى إلى مقاربة أُواليات السرد في روايتي أحلام مستغانمي اعتمادا على تصور نظري يكرس فرضية تعالق البنيات النصية والإديولوجية والقيمية للخطاب الروائي وتفاعلها. هذا الطرح النظري سيؤمن لنا الإطار المنهجي والإجرائي الأمثل لمقاربة حركيات السرد في علاقته العضوية مع مكونات التخييل من جهة، ومع القصدية الموجهة الإستراتيجية للكتابة ورهاناتها من جهة أخرى.
إن السرد ليس مجرد شبكة من التقنيات تشتغل من تلقاء نفسها دونما موجه أو غائية، وإنما هو-على العكس من ذلك-بؤرة من الديناميات والإستراتيجيات الموصولة برؤية للعالم يصدر عنها المبدع في تخييلاته، ذلك أن التماهي باعتباره تضليلا وإيهاما، وتشخيص المكتوب باعتباره تصوراً فلسفيا للكتابة وغيرها من السمات ليست في الواقع سوى تجسيد جمالي ورمزي لقلق الكينونة ولا يقينية الأشياء وتصدع التوابث واغتراب الإنسان في متاهة العالم.
لقد أملت علينا هذه الاعتبارات الخاصة بالسرد الانتقال إجرائيا وجدليا من الوصف إلى التأويل لبناء تصور متكامل بخصوص آليات اشتغال المكون السردي للخطاب الروائي عند أحلام مستغانمي، مما استوجب الانفتاح منهجيا على مقاربات تتجاوز أطروحاتها الحدود الحصرية للشعرية البنيوية والسرديات وهو ما سيتضح في سياق التحليل.

ب- تشكل البنية السردية بأوالياتها ووظائفها، مكونا مركزيا من مكونات الخطاب الروائي عند أحلام مستغانمي وملمحا متميزا من ملامح مغامرة إبداعية وجمالية قلقة وإشكالية تروم استكشاف عالم الأشكال وأشكال العالم ومساءلتهما، ذلك أن زحزحة طرائق السرد التقليدي ليس مجرد إجراء تقني وشكلي فقط، وإنما هي أيضا وأساسا فعل انتهاك وانزياح عن حساسية بكاملها جماليا واديولوجيا ومعرفيا في آن واحد.
إن السرد بـهذا المعنى ترسانة معقدة من الأوليات المبرمجة وفق اعتبارات جمالية وقيمية واديولوجية تتحكم سيرورة تفاعلها في صوغ لعبة التخييل الروائي وتوليد مساراته الدلالية واستراتيجياته التواصلية.
وعلى هذا الأساس ينبغي أن نوضح منذ البداية أن القصة في (ذاكرة الجسد) وفي (فوضى الحواس) مكتوبة بشكل طيفي، حيث تعطي المؤلفة للقصة فضاءات مضاعفة تحفزها للاستعلاء على الأجناس الأدبية، إذ تداخل السرد النثري بروح شعرية تتوثب عبر المكاشفة للاختراق عميقا نحو التكوينات النفسية الباطنية المبهمة. كما أن خصوصية شخصيات روايتي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس تتجلى في انفجارات الذات نحو آفاق غير منضبطة لأية معايير أدبية أو واقعية.
إنها حالة كتابة استـثـنائية عمادها التقاط الموارى في الذات وانضغاطات الكبت والحرمان والقمع والغربة.

ج- سنسعى أثناء مقاربتنا لروايتي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس إلى موضعة السرد ضمن أفق الخطاب (لا النص) واختيارنا هذا يستجيب لاعتبارات منهجية وإجرائية صرفة تستمد مشروعيتها من واقع كون السرد مكونا ديناميا لا تتحدد تشكلاته إلا في سياق الرؤية العامة التي توجه الخطاب الروائي.
ولما كان المصطلح بناء نظريا لا معطى جاهزا، وكانت الحاجة إليه كامنة أساسا في مدى نجاعته واستجابته لنوعية الأسئلة التي يصدر عنها كل باحث، فإن الإلحاح هنا على تداول مفهوم الخطاب-بالمعنى الباخـتني- سيحرر مقاربتنا من إسار التحليلات المجردة والمبتسرة للشكل الروائي.
يمتلك مصطلح الخطاب، شأنه شأن النص وضعا ملتبسا لتشعب وتباين المباحث والتخصصات التي اشـتغلت عليه كموضوع أو توسلت به كإجراء (اللسانيات-فلسفة اللغة-نظريات تحليل الخطاب...) ونجد لدى اللسانين وغير اللسانين تحديدات خاصة جدا وأخرى عامة تجعل منه مرادفا للنص أو الملفوظ (Lénoncé)
[20]
ودون الخوض في تفاصيل وحيثيات هذه التحديدات، سأكتفي بإيراد تعريف ميخائيل باختين للخطاب اعتبارا لقيمته النظرية والإجرائية: « إن الشكل والمضمون شيء واحد داخل الخطاب المعتبر بمثابة ظاهرة اجتماعية: وهو اجتماعي في مجموع مجالات وجوده وعناصره، ابتداءً من الصورة السمعية ووصولا إلى التصنيفات الدلالية الأكثر تجريدا»
[21]
يسمح مفهوم الخطاب في ضوء التصور الباختني بمقاربة جدلية وتأويلية تتعدى النطاق الضيق لمصطلح النص. إن الخطاب وفق هذا المنظور يتضمن مبدأ تلازم الأشكال ودلالاتها مما يفسح المجال لمباشرة قراءة عبر-نصية Transtextuelle تلامس الخطاب الروائي وسياقه العام.

د- إن السرد ليس سوى عنصر من بين عناصر أخرى تشكل سردية الخطاب الروائي، ولذا فنحن ندرك جيدا أن الاهتمام المفرط به يؤدي إلى حجب مقومات أساسية وثيقة الصلة به أو تهميشها كذيول ملحقة، ولذلك حرصنا على التركيز على بعض جماليات التلقي مما يتصل بالوعي والذوق الجماعي.

هـ- كل خطاب روائي يتضمن بنيات أو عدة مكونات من بينها المكون السردي الذي تختلف شاكلة تحديده ومقاربته من اتجاه إلى آخر، فهناك من يتناول السرد على نحو مجرد بغرض بناء تصور (نمذجة-Typologie ) عام (السرديات البنيوية، مثلا) وهناك من يسعى إلى تشيـيد نماذج نظرية ونقدية تتجاوز حدود التحليل الوصفي العام إلى اقتراح مقاربات تواصلية-تداولية (جاب لنتفلت J.Lintvelt)
[22] أو سيميائية تعاقبية (فلادمير كريزنسكي-W.Krysinski)[23] أو سوسيو- نقدية (بيـير زيما P.Zima)[24] تأخذ في الاعتبار علائق البنـى السردية والسيميائية بإديولوجية العمل الأدبي وشروط الإنتاج وسياق التلقي من منظور جدلي وتفاعلي.
وانطلاقا من كل ما سبق ذكره فإن الدراسات البنيوية والسيميائية والتداولية للخطاب الروائي تستوجب تجسير الفجوة بين هيرمينوطيقا السرد وشكله
[25] وبناء جسر نظري ومفهومي للانتقال من الوصف إلى التأويل على نحو يتجاوز القوالب النحوية التي يفرغ فيها الإبداع, ومن تم فتحليلنا للبنية السردية في روايتي أحلام مستغانمي يتجاوز الإطار الضيق للمقاربة البنيوية للسرد, فيما يستثمر أدواتها ويطعمها بمنظورات ومفاهيم جديدة قادرة على تعيين خصوصيات الخطاب الروائي.














[16] أحلام مستغانمي «فوضى الحواس» دار الآداب-بيروت-الطبعة11-2001م. ص325
[17] أحلام مستغانمي « ندوة المرأة والكتابة» مرجع سابق
[18] نفسـه.صدرت الرواية عن منشورات أحلام مستغانمي.بيروت.لبنان.2003
[19] سوسن البابيدي «ماذا بعد أن صارت الحواس فوضى؟ » مجلة الموقف الأدبي (تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق)
االعدد382-السنة32-شباط2003م
www.awu-dam.org/mokifadaby
[20] أورد دومنيك مانكينو D.Maingueneau ستة استعمالات محض لسانية لمفهوم الخطاب في كتابه :
Initiation aux méthodes de l'analyse du discours" Paris.Hachett1976P.P11-12 "
[21] ميخائيل باختين«الخطاب الروائي» ترجمة وتقديم محمد برادة-الرباط-دار الأمان-1987م. ص29

[22] يحسن الرجوع بهذا الصدد إلى أفكار وتحليلات (جاب لنتفلت) الواردة في كتابه:
«Le point de vue:théorie et analyse.Essai de typologie narrative»
Paris Librairie Jose Corti-1981
[23] عبد الحميد عقار « فلاديمير كريزنسكي.من أجل سيميائيات تعاقبية للرواية» ضمن كتاب "طرائق تحليل السرد
الأدبي" الرباط. منشورات اتحاد كتاب المغرب. الطبعة الأولى1992

[24] أنظر سعيد يقطين « انفتاح النص الروائي» –المركز الثقافي العربي-ط2-2001م . ص25-26-27
[25] Wladimir krysinski "Carrefours de Signes" Paris-ed.Mouton1981.P134

الفصل الثاني: تشخيص المكتوب كعلامة نصية في روايتي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس

- تـمهيــد:


في روايتي (ذاكرة الجسد) و(فوضى الحواس) يشعر المتلقي أنه إزاء كتابة جديدة تعطى فيها القيمة الأولى لفعل الإبداع، فشرط الكتابة الجديدة هو البحث عن أدب مستحيل يعلن قطيعته مع السجلات السردية الكلاسيكية المنتمية إلى واقعية مقيتة أهم قدراتها التصوير والصدق والإلتزام.
منذ القدم كانت الواقعية التقريرية مطب الرواية الجزائرية التي تبتلع الجرح الجزائري في صمت مرير، وكأن لا هدف للرواية إلا توثيق التاريخ[1]
وهذا ما يبينه (مخلوف عامر) من خلال دراسته لمجموعة من النصوص الروائية مثل: ("السعير" لمحمد ساري-"البزاة" لمرزاق بقطاش –"ريح الجنوب "لعبد الحميد بن هدوقة –"التفكك" لرشيد بوجدرة-"الشمعة والدهاليز" للطاهر وطار..) وهي نصوص اتسمت بالواقعية التسجيلية الموسومة بجلاء السياسي وخفاء الأدبي[2] ولهذا أصبح هاجس الروائيين المجددين هو البحث الدائم عن كتابة روائية تسعى إلى تحرير الرواية الجزائرية من أسر العلاقة التقليدية بين الأدب والواقع، ومن قواعد إحالة الأول على الثاني.
في هذا الإطار تندرج أعمال (أحلام مستغانمي) التي تتبنى خطابا روائيا ينـزاح عن السائد السردي ويخلق تميزه وفرادته على مستوى الكتابة الروائية، انطلاقا من كونه خطابا يحيل على واقع روائي داخلي صرف، ويبني عالما روائيا يحيل على ذاته متلمسا جل عناصره من بناه الداخلية.
إنها تقنية (تشخيص المكتوب) التي تسم الخطاب عند (أحلام مستغانمي) فماذا نقصد بـ(تشخيص المكتوب) ؟
لا بد من الإشارة أولا أن مفهوم (التشخيص) ورد لدى ميخائيل باختين حيث اعتبر أن تشخيص الواقع إحدى الخصائص الأساسية التي يقوم عليها بناء الرواية. فهو-التشخيص- «عنصر أساسي من عناصر شعرية النص الروائي فالرواية لا تكون رواية إذا لم تكن تشخيصا لكائن خارج عنها»[3] ومن هذا المنظور فـتبئيـر المكتوب وتشخيصه ما هو إلا تعلة للمرور للعالم الخارجي، فالمؤلف بدل أن يشخص (الواقع) يشخص(المكتوب) معلنا بذلك قطيعته مع المرجعية الاجتماعية والتاريخية ومؤسسا لمرجعية جديدة هي المرجعية النصية، ليحيل النص على النص وتستنجد اللغة باللغة وتؤكد ذاتها وتكتفي بها.
هذه التقنية تندرج ضمن جملة من التقنيات التي أعطاها الروائيون وعلماء السرد تحديدات وتسميات متعددة وذلك «بسبب ما يكتنفها من فروق دقيقة، مثل "تفكير الرواية في ذاتها"/جان بول سارتر/"الرواية داخل الرواية"/ميشيل ريـمون/"التقعيـر"La mise en obyme/ أندريه جيد/ جيرار جنيت/ جان ريكاردو/...، "المحكي المرآوي"Lucien Daillenbach "شكلنة المحكي" La formalisation du recit, J.Ricardau »[4]
وقد آثرنا استعمال تسمية (تشخيص المكتوب) لأننا لامسنا بشدة أن السرد يرفع من المكتوب ليجعل منه مرادفا ومكافئا للحياة، فخلافا لما هو مألوف من أساليب ومهارات تضطلع بتشخيص الواقع، نقف في الخطاب الروائي عند أحلام مستغانمي على جملة من الاستطرادات التي تعمد الروائية إلى تكثيفها من أجل تدعيم عضوية النص وايجاد سلطة رمزية له ضمن واقعية جديدة تنبثق من رؤية فنية واعية، تتصل بفلسفة الكتابة، وترمي إلى تجاوز الواقعية التسجيلية.
إن حضور (تشخيص المكتوب) كعلامة نصية في ثنائية ( أحلام مستغانمي) بشكل مكثف يجعلنا نتساءل:
هل اختلطت خيوط الإبداع والتنظير إلى هذا الحد ؟ هل هذا التـدخل علامة من علامات الواقعية الجديدة ؟ ثم ماذا تريد الروائية تبليغه، هل عجز الحبكة أم عجز التشخيص ؟
إذا كان التشخيص لعبة فنية بالنسبة للكاتب العربي، فهل يعبر عن رؤية فنية واعية بفلسفة الكتابة؟ ونتساءل أيضا إلى أي حد يحدد تشخيص المكتوب أسلوب السرد وينعكس على البناء العام للرواية ؟
سنحاول من خلال استنطاقنا للروايتين (ذاكرة الجسد) و(فوضى الحواس) الوقوف على خبايا هذه الإشكالية وأسرارها والتعرف عن كتب على أسلوبية مميزة وجديرة بالمتابعة.
























2-تشخيص المكتوب كحكمة* تتصدر روايتي أحلام مستغانمي:


حاولنا لأجل رصد تقنية تشخيص المكتوب وامتداداتها داخل المتن الروائي عند أحلام مستغانمي الاستفادة من تصور (سعيد بنكراد) في دراسته للخطاب الميتاسردي في رواية (الشراع والعاصفة) لحنا مينة [5] مراعين ما يوجد من اختلافات بين الروايتين.
ونرى أن دراسة (الخطاب التمهيدي ) في النص الروائي عند أحلام مستغانمي من شأنه أن يبرز مجموعة من «التحديدات التي تلقي بظلالها على مجموع عناصر القصة وتسمها بميسمها»[6] فحين يبدأ السارد النص بتشخيص المكتوب يأتي كلامه على شكل حكمة.
وما يهمنا هنا، أن هذه الحكمة عتبة أساسية لفهم النص ورصد إمكانيات تشخيص المكتوب فيه، فهي حكمة تختزل المفهوم الفلسفي للكتابة بوصفها ليست جسرا بين القارئ والكاتب فحسب، بل هي عوالم من الحلم والرغبة المسكوت عنهما في عالم يصادر الأحلام والأمنيات الجميلة.

[1] مخلوف عامر «الرواية والتحولات في الجزائر-دراسات نقدية في مضمون الرواية المكتوبة بالعربية» من منشورات اتحاد
الكتاب العرب بدمشق. www.Awu-dam.org/book
[2] المرجع نفسه .
[3] محمد الباردي «إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة» –من منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق
www.Awu-dam.org/book
[4] رشيد بنحدو «حين تفكر الرواية في الروائي» مجلة الفكر العربي المعاصر67-68 يونيو/غشت.بيروت/باريس. مركز
الإنماء القومي.1989م. ص.ص31-32
* الحكمة سابقة على الأحداث على مستوى السرد ولاحقة عليها على مستوى القصة (وهي في اصطلاح أ.جولز) نص نسقي,إنها سلسلة من الأفعال الممكنة المسننة داخل نسق ثقافي معين. فكما كانت هذه الحكمة نتيجة سيرورة من الأفعال الإنسانية فإنها ستكون منطلقا لسلسلة من الأفعال الممكنة. (سعيد بنكراد- شخصيات النص السردي-ص127).

[5] سعيد بنكراد «شخصيات النص السردي-البناء الثقافي» مكناس: كلية الآداب. 1994م- ص127
[6] نفسه. ص 127

-1-في ذاكرة الجسد:


لا يأتي تشخيص المكتوب كلاما عابرا في بداية كل نص، ولكنه يشكل قمة الوعي بالكتابة، وهذا ما يجعلنا نرى أن البداية التي بدأت بها رواية (ذاكرة الجسد) هي بداية موسومة بالحكمة.حيث تبدأ الرواية بالأسطر التالية:
«مازلت أذكر قولك ذات يوم:
-(الحب ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث)، يمكنني اليوم بعد ما انتهى كل شيء أن أقول: هنيئا للأدب على فجيعتنا إذن فما أكبر مساحة مالم يحدث...إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب..وهنيئا للحب أيضا..
فما أجمل الذي حدث بيننا..ما أجمل الذي لم يحدث، ما أجمل الذي لن يحدث.. »
[5]

يبدأ النص بعد عتبات العنوان واسم المؤلف والإهداء بهذه السطور، ولكن دلالة الجمل الأولى هنا تؤشر على أنها تتويج لسيرورة من الأفعال الإنسانية، فهناك قصة حب حدتث، والسارد منذ البداية يستعرض مهاراته، فبمقدور الأدب أن يتصور هذه التراكمات المعرفية /القصة، ويصوغها وفق الاحتمالات الأجمل التي قد تجعل من الواقع/الفجيعة إبداعا مقبولا.
سنلحظ بشكل جلي أن الحكي يراهن على خزان الذاكرة (أذكُر) ثم التحديد الزمني (ذات يوم) الذي يبئر الصفة الإسترجاعية للحكي، الذي يقوم على تجربة في الكتابة والحياة.
يأتي الماضي أيضا منظورا إليه بعين الحاضر حين يقول السارد: (يمكنني اليوم بعد أن انتهى كل شيء)، والسارد حين يقول (يمكنني اليوم) يوحي أنه سارد عليم وذو معرفة مكتملة، وتماديا في خطابه المتعالي يتحدث عن النص (ذاكرة الجسد) بوصفه (فجيعة) باسطا نظرته النقدية التي من خلالها يود أن يقول: إن الأدب يقتات من فجائع ومآسي الآخرين الذين يحلوا للقراء الاستمتاع بقراءتها بنفس سادي.
يدعو (سعيد علوش) هذا النوع من الاستطرادات المبئرة لخصوصية الكتابة وأهميتهابـ(التدخلات السافرة)
[6] وهي ليست ظاهرة جديدة، ففي الكتابات الكلاسيكية الأولى ساد هذا النمط من الكتابة خاصة في الرواية الغربية مع (هنري فيلدينغ وتشرلز ديكنـز وبلزاك وستندال..) ونجد مثالا واضحا في رواية (قصة حبLove Story) لاريك سيجال-Erich Segal حيث يخاطب البطل أوليفر القارئ في مستهل الرواية:« ما رأيك يا قارئي في فتاة ماتت في الخامسة والعشرين من عمرها وكانت جميلة وذكية، أحبت موزار وباخ وأحبتني »[7] تبدأ الرواية باستدرار الدمع وتنتهي بذلك.
هذا النوع من الخرق ليس غريبا حتى في الرواية العربية، إذ نجده عند (صلاح الدين بوجاه) في رواية (النخاس) ويحضر بشكل آخر في رواية (وردة للوقت المغربي) لأحمد المديني التي نقتطف منها هذا المثال: «...قد تسألون عن السبب ولكنني لا قبل لي، الآن، ولا بعد هذا الزمن، على رواية التفاصيل، وأكرر على أسماعكم، إن كانت لا تزال مصغية، بأنني لا أميل إلى الحكاية ميلكم وعشقكم لها»
[8]
إن دلالة هذا الخطاب ووظيفته تختلف من عصر إلى آخر ومن رواية إلى أخرى، فحسب جيرار جنيت فإن: «الكاتب لا يقول (قارئي) إلا بحكم عادة اكتسبها من لغة المقدمات والإهداءات التي هي لغة منافقة..أما الواقع فهو أن كل قارئ إنما هو قارئ يقرأ»[9]. وهذا القول ينطبق على الرواية الكلاسيكية التي تتملق القارئ وتتودد إليه وتجامله محاولة إغراءه حتى لا يمل وينصرف.
أما الرواية الحديثة فقلما يعمد الروائي إلى استعطاف القارئ بل إننا نجد في رواية (الأشجار واغتيال مرزوق) لعبد الرحمن منيف أن السارد وهو يخاطب نفسه يقول: «أنت بالتأكيد ذبابة، فأر أعرج، ثور مربوط العينين يدور حول نفسه، ليس في حياتك منذ البداية حتى الآن شيء يستحق أن يحكى، ولكن حين جروا قدم الحصان ليضعوا لحافره حذوة جديدة قدم الفأر رجله وقال: أنا أيضا؟!»
[10]
وفي (وردة للوقت المغربي) يستفز السارد القارئ: « من كان منكم يرغب في اليوم الآخر فليترك هذا الكتاب»[11]

تلك كانت خصوصية الخطاب الروائي الحديث في توظيفه لتقنية التدخلات السافرة أما خصوصية الخطاب الروائي لأحلام مستغانمي فتنبع من كونه لا يسعى إلى تحرير القارئ من حالة الجمود فحسب، بل إنه يراهن على تحرير هذا القارئ من الإنبهار والذهول اللذين يرافقانه أثناء قراءة عمل ذي درجة من الإقناع والإمتاع، وذلك بإشراك هذا القارئ في دوامة صياغة النص الإبداعي، فهو مطارد على طول القراءة بهواجس التفكير في المتخيل الذي يعيه تماما، ويساهم في تشكيله والتماهي معه.
إنه خطاب لا ينادي القارئ (يا قارئي) ولكنه يستدرجه للتورط في عملية إبداعية، إذ يبدو أن مكاشفة القارئ عن طريق مباغتته لا من أجل استرضائه وتقريبه، قائمة منذ البداية في نص (ذاكرة الجسد)، فحين يثمِّن السارد قول البطلة:(الأدب هو كل ما لم يحدث) بقوله: (ما أكبر مساحة ما لم يحدث..إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب) يعري النص ويفضحه ويكسر الإيهام .
يتصدر ذاكرة الجسد كلام حكمي، وإن كان يمارسه سارد صريح وحكيم فإنه أيضا سارد متسلط «له سلطة المعرفة وسلطة في نمط توزيعها، وسلطة في تداولها وسلطة في ضبط المسارات الفعلية والممكنة للنص الأدبي»
[12]
وبما أنه سارد يجمع بين سلطتي السرد والتأويل فإنه يهئ من خلال الجمل الإستهلالية السابقة الذكر لرواية قصة متموقفة من كل ما هو مكتوب، بحيث تشير إلى طريقة انكتاب الرواية مـبئرة لأهمية المكتوب الذي يعتبر عالما من الحلم يستقل عن الواقع الحقيقي. ولكون السارد يمتلك سلطتي السرد والتأويل معا «فخطابه يتحول إلى وظيفة ميتاسردية أي إلى خطاب يتحدث من خلاله عن الحكي وعن القصة من خلال صيغ شبه حكمية.»[13]
من هنا ستكون الصيغ الحكمية منطلقا لمجموعة من التمييزات: (الذي حدث بيننا-الذي لم يحدث-الذي لن يحدث)، وسنتوقف عند هذه التحديدات على حدة لنرصد استراتيجيات السارد التي تكشف طابع تشخيص المكتوب بجلاء:

أ-الذي حدث بيننا: هو الواقع من منظور شخصيات النص الخيالية-فما حدث بيـن طرفين- (السارد والبطلة) هو قصة حب. هذا الواقع الذي لا بد أن يعاد النظر فيه على ضوء ما يقدمه السرد-فالحب الذي وقع- هو بعد أن نغلق دفتـي الكتاب-متخيل- ليس له امتداد في الواقع الحقيقي بقدر ماله امتداد في كراريس الكتابة.

ب-الذي لم يحدث: هو الأدب الذي يَنسج في دائرة المتخيل ما هو محتمل، فالأدب في حركته المحايثة للواقع يراهن في تشكيل مادته على ما لم يقع.
إن الكتابة هنا تتأسس وفق تصور (كافكا) حين يقول: « إني أكتب بخلاف ما أتحدث، وأتحدث على خلاف ما أفكر، وأفكر على خلاف ما ينبغي لي أن أفكر، وهكذا دواليك إلى أبعد أبعاد الظلمات»
[14]

ج- الذي لن يحدث: تنشد المؤلفة إلى كتابة إعجازية خارقة فـ(الذي لن يحدث) هو طموح يدعو الكاتب والقارئ إلى البحث عن أدب مستحيل، فالمطلوب من القراءة أن تنفتح على المطلق كما يتعين على الكتابة أن تنشد الكمال.
إن مجاراة(الذي لن يحدث) تبقى أفقا عصيًا على الكتابة والقراءة، لا تبلغه ملكة الخيال وإنما تتخذ منه كمالا منشودا.
إن هذه الإستراتيجيات التي ترصد معالم الكون الروائي، وترسم مساراته في ذاكرة الجسد ستكون أصل الكتابة اللاحقة ومنطلـقها، إذ أننا سنجد أنفسنا أمام «فقرات خالية من أي طابع سردي، ملفوظات لها طابع المطلق وتشتغل كأنها مفصولة عن الزمان والمكان، إنها صيغ شبه حكمية، وما دامت كذلك فما يربطها بالزمن هو كثافة التجربة الإنسانية فقط»
[15]. ومن هنا «الفرق بين زمن واقعي تنمقه الكتابة التقليدية وتسعى إلى نقله، وزمن متموقف من كل ما يمت إليه بسبب وضمنه بالأخص الكتابة التقليدية، ولعل هذا ما يبرز الكتابة الجديدة المغايرة»[16]


[5] أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» بيروت-دار الآداب-الطبعة السادسة 1998م- ص07
[6] سعيد علوش «عنف المتخيل الروائي في أعمال إميل حبيبي» مركز الإنماء القومي. ص 4
[7] Erich Segal "love Story" London.Panguimbooks. P. 8
[8] أحمد المديني «وردة للوقت المغربي» – بيروت (دار الكلمة) ط2- 1983 م. ص 37
[9] جيرار جنيت « خطاب الحكاية» ترجمة : عمر حلي-محمد معتصم-عبد الجليل الأزدي- الدار البيضاء- مطبعة النجاح
الجديدة-ط1 -1996م – ص265
[10] عبد الرحمن منيف «الأشجار واغتيال مرزوق»- المؤسسة العربية للدراسات والنشر. 1987 ص291
[11] أحمد المديني.ص26
[12] سعيد بنكراد «النص السردي نحو سيميائيات للإديولوجيا» الرباط-دار الأمان-ط1- 1996م – ص83
[13] سعيد بنكراد «شخصيات النص السردي». ص127
[14] B.Gros et autres,"La litterature du Symbolisme au nouveau roman" Paris- 1970 p.p183-185
قولة كافكا التي أوردها (عبد المالك مرتاض) في «في نظرية الرواية» عالم المعرفة240-الكويت- المجلس الوطني للثقافة
والفنون والآداب-ديسمبر1998م- ص69
[15] سعيد بنكراد.المرجع السابق-ص.ص129-130
[16] سعيد يقطين «القراءة والتجربة.حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب» سلسلة الدراسات النقدية4
البيضاء-دار الثقافة- الطبعة الأولى 1985م- ص135


2-2-في فوضـى الحواس:


في الرواية الثانية فوضى الحواس نحن أمام خطاب تمهيدي مغاير يؤجل ما هو حكمي طوال الخمسة عشر صفحة الأولى من الرواية، فالسارد منهمك في تأليف قصة. وحين ينهي عمله يبدأ في تشخيص المكتوب بحديثه عن القصة التي ألفها واكتسبت صبغتها كنص متوغل داخل النص الأم، فنجده يقول :
«أحببت هذه القصة التي كتبتها دون أن أعي تماما ما كتبت..فأنا لم يحدث أن كتبت قصة قصيرة، ولست واتقة تماما من أن هذا النص تنطبق عليه تسمية كهذه. كل ما كان يعنينـي أن أكتب شيئا. أي شيء أكسر به سنين من الصمت، لا أدري كيف ولد صمتي، ولكن تلك قصة أخرى»
[19].
الشيء الذي يدفع القارئ إلى التساؤل: هل ما قرأه فـي الصفحات الأولى ليس إلا استطرادًا؟ وأين تبدأ الرواية وأين تنتهي؟
إن عملية القراءة نفسها تتوقف بموازاة مع عملية الكتابة، هذا التوقف لديه أكثر من دلالة، فهو أولا يكسر الإيهام ويسمح للسارد بتغيـير موقعه. فإذا كان السارد في القصة التي تتصدر الرواية سيد الحكي لأنه سارد مالك للحقيقة ومطلق المعرفة، وبعد انتهاء القصة يصبح هذا السارد سيد نفسه، فإن حدود معرفته ستتقلص لتقتصر على عالمه المحدود حين يكون متكلما بضمير المؤنث.
هذا التوقف من شأنه أيضا أن يخلق فرصة لتأمل عملية الكتابة (هذه القصة التي كتبتها دون أن أعي تماما ما كتبت) يمثل هذا التأمل أقصى درجات الوعي بالنص لأنه يبئر كلاما حكميا يستقي تراكمه المعرفي من تجربة في الكتابة ممثل لها بالقصة التي بدأ بها النص.
إن احتفاء الخطاب التمهيدي بالمكتوب يتبلور من خلال استشرافه وتنبئه بنص حافل بالمكتوب (أدري كيف ولد صمتي، ولكن تلك قصة أخرى).
ونلحظ بشكل جلي الثنائية التي يحاول السارد تأكيدها، وهي: الصمت/الكتابة. وما يلفت الانتباه من خلال كلام السارد -أي شيء أكسر به سنين من الصمت -أن الصمت حالة جمود وواقع رتيب تصبح الكتابة معه ملاذًا وبداية لحياة أخرى.
لا شك أن بداية فوضى الحواس تضعنا أمام إشكاليتـي: تشخيص الواقع وتشخيص المكتوب، وتنبئ أن النص حافل بهذه الخصوصية، وهذا يؤكده النص الذي يحبل على طوله بمجموعة من التدخلات السافرة.

وهكذا فتشخيص المكتوب أو « (مجموع الكلام الحكمي) كما هو متبث في الخطاب التمهيدي يشير إلى فعل واضح يتحين دخول الذات إلى مسرح الأحداث ويعمل على بناء الكون الروائي كعالم من القيم يحيل على نفسه بنفسه. فإرساء عالم من القيم داخل الخطاب التمهيدي هو بالأساس إرساء لمرجعية داخلية لا تغني عن المرجعية الخارجية»
[20].
[19] أحلام مستغانمي «فوضى الحواس» ص.ص 23-24
[20] سعيد بنكراد .المرجع السابق. ص129


3-تشـخيص المكتوب في نـهـاية النص


3-1-في ذاكرة الجسد:

إذا كانت البدايات هي التي تحدد النهايات، فإن هذه النهايات هي الأخرى قد تكون بدايات، لأن النص «يتميز بانفتاحه كتابيا ودلاليا»
[21]
وقد برع الروائيون منذ القدم في صياغة النهاية الأكثر صخبا والأقوى وقعا، ورغم تفاوت وقع هذه النهايات في نفسية متلقيها فهي تخلِّف صداها وتترك بدايات يستمر امتدادها في الوجدان الجماعي.
وتيمة الموت كانت ولا زالت من أكثر النهايات توا ثرا في الرواية العربية خاصة الواقعية منها، فبما أن الموت تكون في الواقع ذات وقع قوي فالأحرى بها أن تكون في الروايات أكثر النهايات تعبيرا وإدهاشا.
ونجد أن الرواية الواقعية تفنـنت في تشخيص واقعة الموت، ففي رواية "بداية ونهاية"لنجيب محفوظ ينتحر (حسنين) و(نفيسة) في نهر النيل، وفي رواية "نهاية رجل شجاع" لحنا مينة تكون النهاية هي موت السارد المتكلم نفسه، وتتعدد الأمثلة التي تحيل في مجملها على تشخيص واقع أكثر النهايات فيه حتمية هي الموت.
ونسجت الروايات الحديثة نهاياتها في موضوعة الموت لكونها أكثر النهايات تعبيرا عن قلق الكينونة وانفتاحا على المطلق.
ولا يأتي الموت مجانيا في ذاكرة الجسد، إذ هو ليس موتا واقعيا كموت (رجب) في (شرق المتوسط) لعبد الرحمن منيف أو موت شخصية (منى) في ثنائية (نادية) ليوسف السباعي.
إنه موت رمزي يجعل الكتابة مكافـئا للحياة، فما إن تتوقف أجراس هذه الكتابة حتى يصبح الصمت مرادفا للموت، فالكتابة بضجيجها تعلن عن انبثاق ذوات تعبر عن الحلم والصدق، فهذه اللحظات المسروقة الخارجة عن سلطة الواقع تترك بصماتها قبل أن تخفت ثم تنقرض مخلفة زوبعة من الأسئلة المبعثرة.
ينطبق هذا المفهوم الذي يحكم جدلية الموت# الكتابة على العمل الأدبي في كليته، فما هذا الأخير إلا حفل تأبين، أما البطل (خالد) فما هو إلا كبش فداء.
إن هذه الرؤية النقدية يبئرها المكتوب ويعيها السارد البطل، وسنعرض لهذا القتل الرمزي بشيء من التفصيل فيما بعد.
وما يهمنا هنا هو أن الموت مشخصا في كتاب ليس إلا ضريحا للذكرى. وإذا كان المكتوب "فجيعة" و"قبرًا" فإن الكاتب قاتل يمارس لعبة القتل العمد بنـزعات إجرامية وببرودة مداد ودون أن يهتز له طرف ورقة.
وفي هذا السياق يدور حديث شيق بين السارد(خالد) والبطلة (حياة/أحلام) حين يعاتب (خالد) ملهمته (حياة/أحلام) على طريقتها في الكتابة:
«أتمنى أن لا يفسد عدد ضحاياك متعتي! »
فتجيبه بأسلوب مراوغ:
«-لا إطمئن...فأنا أكره المقابر الجماعية! »
[22]
ثم ما تلبث أن تبسط نظرتها النقدية دون مراوغة أو مواربة:
«إن المهم في كل ما نكتبه..هو ما نكتبه لاغير، فوحدها الكتابة هي الأدب..وهي التي ستبقى، وأما الذين كتبنا عنهم فهم حادثة سير..أناس توقفنا أمامهم ذات يوم لسبب أو لآخر..ثم واصلنا الطريق معهم أو بدونهم»
[23]
وتدافع عن موقفها:
«..إن في روايات (أغاتا كريستي) أكثر من 60 جريمة، وفي روايات كاتبات أخريات أكثر من هذا العدد من القتلى، ولم يرفع أي مرة قارئ صوته ليحاكمهن على تلك الجرائم، أو يطالب بسجنهن، ويكفي كاتبة أن تكتب قصة حب واحدة لتتجه كل أصابع الإتهام نحوها، وليجد أكثر من محقق جنائي أكثر من دليل على أنها قصته»
[24]

إن النص في ذاكرة الجسد يسائل القارئ وبجرأة، لماذا يحلو له أن يتابع مأساة أبطال يقاومون القدر باستماتة؟ وما سر هذه النشوة التي تعتريه وهم يتعذبون ويموتون أمامه ؟
والنص يقدم إجابات مضمرة من حين لآخر، كمثل قول السارد:
« ..أحتقر الناس الذين لا دموع لهم، فهم إما جبابرة..أو منافقون. وفي الحالتين هم لا يستحقون الاحترام»
[25]
إن البطل في ذاكرة الجسد يعرف كيف يمضي إلى حتفه، فبهدوء جنائزي وبنبرة أكسبها الكاتب حرارة التوديع يـختفي السارد (خالد)، وقبل هذا الاختفاء نطالع في السطور الأخيرة العبارات نفسها التي بدأت بها الرواية:
«وقلت:(الحب ما حدث بيننا..والأدب هو كل ما يحدث) نعم، ولكن..بين ما حدث وما لم يحدث، حدتث أشياء أخرى لا علاقة لها بالحب، ولا بالأدب، فنحن في النتيجة لانصنع في الحالتين سوى كلمات..ووحده الوطن يصنع الأحداث ويكتبها كيفما شاء..ما دمنا حبره»
[26]
حضور هذا النص في السطور الأخيرة من المتن الحكائي له ما يبرره، فنحن في النهاية أمام سارد يباغتنا بحدة وعيه وبنضجه المعرفي، فهو بعد أن انتهى من تشخيص الواقع (ما حدث بيننا) ومن تشخيص المكتوب(ما لم يحدث)، يقر ببقاء منطقة ملتبسة على وعينا نعيش فيها وننكتب. ولذا فبمرارة وخيبة يلملم السارد أوراقه:
«ولكني أصمت..وأجمع مسودات هذا الكتاب المبعثرة في حقيبة رؤوس أقلام..ورؤوس أحلام»
[27]

[21] سعيد يقطين «انفتاح النص الروائي»-المركز الثقافي العربي-الطبعة الثانية2001-ص6
[22] أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» ص124
[23] نفسه. ص 125
[24] نفسه. ص126
[25] نفسه. ص120
[26] نفسه. ص403
[27] نفسه. ص404

3-2-في فوضى الحواس:

في رواية فوضى الحواس يتعمد السارد أن يمحو الخطوط الفاصلة بين الأدب والواقع، فبقدرة إيهامية فائقة أسهمت التدخلات السافرة المبتوتة في النص على تبئيرها، ينجح السارد وبامتياز في تشخيص المكتوب وإعطائه مشروعيته وواقعيته.
وعلى الرغم من هيمنة فكرة الموت طوال الرواية، وتعدد الميتات، فإن المكتوب يدور حول نفسه ليرصد ظاهرة الموت مشخصة فيه حين يقول السارد «رحل كي يصبح ذلك النص بموته جميلا»
[28] فالشيء الذي ينتهي وينقرض هو أكثر الأشياء تميزا وقيمة، وكل ما هو آيل للانتهاء يزداد جمالا بانتهائه. والنص أيضا يحاول أن يعطي الانطباع بفرادته وتميزه، خاصة في السطور الأخيرة منه، حين يصل الموت ذروة تشخيصه على مستوى الواقع ( موت عبد الحق-سليمان عميرات-محمد بوضياف-الطاهر جعوط...) وعلى مستوى تشخيص المكتوب أيضا (زياد-خالد بن طوبال-بطل رواية فوضى الحواس..) فإذا كانت الاغتيالات والسيارات المفخخة تحكم على أشخاص مثل (محمد بوضياف) و(سليمان عميرات) بالخروج من حياة واقعية. فإن قانون الكتابة يحكم على شخصيات خيالية بالخروج من حياة تقع في حدود المكتوب، ومثال ذلك الكلمات التي تنعي بها حياة بطل روايتها:
« هذا الكائن أعرفه عن ظهر قلب.فقد عشت معه أربع مائة صفحة وما يقارب الأربع
سنوات، ثم افترقنا.انتهى عمره مع آخر سطر وبدأ عمري دونه منذ ذلك الحين »
[29]

إذا فما علينا أن نميزه ونعيه هو أن هناك:
- موتا واقعيا يؤدي إلى الخروج من الحياة فنكون إزاء تشخيص للواقع. والموت على مستوى الواقع هو السبيل الوحيد لنحب الآخرين، حسب الحكمة التي يوجهها البطل لـ(حياة):
« لا يمكنك أن تحبي أي شخص حقا حتى يسكنك شعور عميق بأن الموت سيباغتك ويسرقه
منك»
[30]
- وموتا رمزيا يؤدي إلى موت على طريقة (عرائس الفيتش) *. والموت على مستوى المكتوب هو الحل الأخير للتحرر من الآخرين والشفاء من حبهم والانتهاء منهم.
يـحتفي المكتوب بموضوعة الموت على اعتبار أن الحياة رديفة للكتابة، وأن الصمت رديف للموت، ولعل الشخصيات التي تتحدث على مستوى المكتوب، وخاصة حين يسأل (البطل) (الكاتبة/حياة):
«هل لي أن أعرف إن كنت تنوين قتلي ؟ »
[31]
ورغم أن حياة تحاول أن تراوغه وتوهمه بأنه سيبقى حيًا حين تجيبه:
«- طبعا لا. أنت بالذات سأستميت في الإبقاء عليك حيا. ثم إن خالد لا يموت في
تلك الرواية»
[32]
فإن البطل يعي تماما أن الموت هو نهاية الكتاب، ونهاية دوره، ويدري جيدا أن (الكاتبة/حياة) ستبدع في طريقة قتله، ولذلك فهو يجيبها متقمصا دور خالد بن طوبال:
« أدري..يموت زياد، ولكني لا أرى حولي أحدا..أصدقائي جميعهم قتلوا..لقد حان
دوري»
[33]
إن لعبة الاختفاء وخروج الشخصيات من الواقع الروائي هي لعبة قديمة، ولكنها في الرواية الواقعية عادة ما تأتي (اختفاءً كتوماً) كما هو الحال في رواية (الأحمر والأسود) لستندال Standhal- و(السيدة بوفاري) لفلوبير Flaubert [34] أما في الروايات التي تحتفي بتشخيص المكتوب فالاختفاء عادة ما يكون صاخبا، ومثال ذلك سارد (لامييل-Lamiel) الذي يخرج جهارا من القصة:« وهكذا أيها القارئ الكريم فلن تسمع عني بعد الآن»[35]
ورواية فوضى الحواس من بين هذه الروايات التي تـختفي فيها الشخصيات بشكل يجترئ على قوانين الكتابة نفسها، وذلك حين يواجه البطل كاتبة تحترف القتل الرمزي:
«حياة..أجلي موتي قليلا..ولكن أحبيني وكأنني سأموت»
[36]
ويمضي السرد إلى السطور الأخيرة محتفيا بالكتابة وطقوسها على اعتبار أنها حياة ثانية وواقع مغاير، فنقرأ في السطور الأخيرة:
«أجل كانت تسعدني فكرة التخلص من ذلك الدفتر فقد أتعبني البقاء عاما على قيد
الكتابة بحجة أنها وسيلتي الوحيدة للبقاء على قيد الحياة وحب الحياة»
[37]
من هذا المنظور يمكننا أن نعتبر أن البقاء على قيد الكتابة وحب الكتابة هو مرادف للبقاء على قيد الحياة وحب الحياة.
ولنا أن نتخيل إلى أي حد هو مرهق وشاق البقاء على قيد الكتابة إذا تصورنا ما يمكن أن تحدثه الكتابة الجريئة والمغامرة من ملاحقات واتهامات وتبعات، وهو ما يجعل حياة تتخلص من الدفتر في مقطع أخير من الرواية، ونجدها تقول ما يؤكد قولنا:
« جميل كل ما يمكن أن يحدث بسبب كتاب يمكن أن نُكرم، يمكن أن نسجن، يمكن
أن نغتال، يمكن أن نُحب، يمكن أن نكره..يمكن أن نقدس، يمكن أن ننفى..فلا
يمكن أن نخرج بحكم البراءة من كتاب »
[38]

إن نهاية النص في فوضى الحواس هي بداية لنص آخر، ولئن كانت الكتابة لعنة وتهمة فإن عزم حياة يتجدد في العبارات الأخيرة على مواصلة الكتابة، ويؤشر على أن الحياة لا زالت مستمرة وأنها لا زالت على قيد الكتابة وفية لأقلامها ودفاترها.
« بدءًا كانت سماءً تجدد هيأتها بين فصلين وكاتبة تجدد حبرها بين كتابين »
[39]

[28] أحلام مستغانمي « فوضى الحواس» ص365
[29] نفسه. ص274
[30] نفسه. ص326
* عرائس الفيتش وهي دمى تصنعها الساحرات على هيئة ومواصفات أصحابها, ويصبح من حق الساحرة أن تقتل الدمى
بالطريقة التي تحلو لها معرضة أصحابها الحقيقيين لأي مكروه يمس الدمى.

[31] أحلام مستغانمي « فوضى الحواس» ص326
[32] الصفحة نفسها.
[33] الصفحة نفسها.
[34] جيرار جنيت -مرجع سابق. ص256
[35] Stendhal, "lamiel"(Paris:Divan,1984)P.43
[36] أحلام مستغانمي « فوضى الحواس» ص326
[37] نفسه. ص371
[38] نفسه. ص325
[39] نفسه. ص375


4- خلاصــة:

ليس من قبيل المصادفة أن تحتفي الروائية بتشخيص المكتوب لدى بداية ونهاية كل رواية، إذ لو لم يكن من هواجسها الروائية وخصوصياتها الإبداعية لما ظل سمة تسم إبداعها من بدايته إلى نهايته.
إن ما يوحي به الخطاب التمهيدي من أن النص يحفل بتشخيص المكتوب ويراهن عليه في تشكيل مادته وبنائه الداخلي تؤكده شواهد متعددة وحقول ملفوظية تغطي النص واشمة إبداع أحلام مستغانمي كله بهذه الخصوصية، ونذكر هنا بعضها على سبيل التمثيل لا الحصر:
«..الكاتب إنسان يعيش على حافة الحقيقة ولكنه لا يحترفها بالضرورة، ذلك اختصاص المؤرخين لا غير..إنه في الحقيقة يحترف الحلم..أي يحترف نوعا من الكذب المهذب، والروائي الناجح هو رجل يكذب بصدق مدهش، أو هو كائن يقول أشياء حقيقية»
[40]
«..ففي النهاية ليست الروايات سوى رسائل وبطاقات نكتبها خارج المناسبات المعلنة..لنعلن نشرتنا النفسية لمن يهمهم أمرنا»[41]
وتتواثر أمثلة متعددة بشكل يراهن على فاعلية القارئ ورغبته في التلقي، فالروائية تصارح القارئ بهواجسها الروائية على لسان السارد:
«وأنا التي كنت أحلم بكتابة كتاب واحد يمكنني بعده أن أموت (كاتبة). كتاب يتدخل في حياة القارئ حد منعه من النوم، وجعله يعيد النظر في حياته.. »
[42]
ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد من قوة الكلام الحكمي، بل إن السارد يكشف عن كواليس اللـعبة السردية:
«.. وصلت إلى هذه الفكرة وأنا أتذكر ما قرأته عن الكاتب الأرجنتني بورخيس الذي أصبح أعمى تدريجيا، والذي كان عندما يصل إلى مكان يطلب من مرافقه أن يصف له لون الأريكة وشكل الطاولة فقط، أما الباقي فكان بالنسبة إليه مجرد أدب..أي بإمكانه أن يؤتثه في عتمته..كيفما يشاء. عندما تعمقت في منطقه اكتشفت أن كل رواية ليست سوى شقة مفروشة بأكاذيب الديكور الصغيرة وتفاصيله الخادعة، قصد إخفاء الحقيقة، تلك التي لا تتجاوز في كتاب مساحة أريكة وطاولة، نفرش حولها بيتا من الكلمات، منتقاة بنوايا تضليلية، حد اختيار لون السجاد ورسوم الستائر..وشكل المزهرية. ولذا تعلمت أن أحذر الروائييـن الذين يكثرون من التفاصيل: إنهم يخفون دائما أمرا ما ؟ تماما كما يحلو لي أن أتسلى بقراء يقعون في خدعتها بحيث لا ينتبهون لتلك الأريكة التي يجلسون فوقها طوال قراءتهم لذلك الكتاب متربعين على الحقيقة. منذ الأزل وأنا أبحث عن قارئ يتحداني ويدلني أين توجد (الطاولة) و(الأريكة) في كل كتاب؟. »
[43]

يتراكم هذا الخطاب بين الفينة والأخرى فالقارئ مستهدف طول الرواية بهدف المكاشفة والمباغتة وكأن ما يهم الكاتب/السارد هو أن يواجه ما لدى القارئ من رواسب، وما يترسب في ذهنه من خلفيات نصية*ولا سيما أن الخلفية النصية العربية خلفية هامدة وانفعالية سلبا، لذلك يبدو تجاوبها مع النصوص المكرورة مفعما بالترحاب والتصفيق
[44]
إذا فتشخيص المكتوب يحضر بهدف إضاءة القراءات المتعثرة وتصحيح مسارها من طرف سارد متعال يحرص على المكاشفة وإزاحة اللثام عن القراءات المسترسلة.
ثم إن تجلي هذه الحقول الملفوظية على السطح يمضي بنا إلى القول: إن خصوصية أحلام مستغانمي تتجلى في كونها تجسد وعي كتابة جديدة، نجحت إلى حد بعيد في خلخلة التشخيص التقليدي.
إنها تقنية استعادة الروائي لروابطه بالنص المحيط والأصوات الخارجية التي لولاها لما وجد هذا النص الإبداعي.
هذه النصوص المبثوثة على طول المتن الحكائي تعتبر فجوات تكسر حركية الحكي وتسلسله وهي « تمكن النص ككل من تدعيم عضويته وإيجاد سلطته الرمزية ضمن واقعية الرواية العربية الجديدة التي تميط اللثام عن قرون من الاسترسال والوحدة البلاغية التي لا تبلغ حدود تمويهها إلا لتتراجع منحسرة أمام واقع يتحرك ليتجاوزها»
[45]
إنها حرب تقنيات السيطرة على الواقع المتدفق المائج.
[40] أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» ص128
[41] نفسه. ص11
[42] أحلام مستغانمي « فوضى الحواس» ص309
[43] نفسه- ص.ص95-96
* الخلفيات النصية: هي مجموع القيم البنيوية التي تتكون منها مجموعة من النصوص والتي بفعل التربية وعناصر التحكم الثقافي والفني في بنية سوسيو-تاريخية تأخذ فيها طابع الهيمنة . (سعيد يقطين"القراءة والتجربة" مرجع سبق ذكره – ص. ص87-88.)

[44] سعيد يقطين. «القراءة والتجربة » المرجع السابق. ص143
[45] سعيد علوش . مرجع سبق ذكره. ص85

التماهي الحكائي في ذاكرة الجسد وفوضى الحواس

التماهي الحكائي في روايتي أحلام مستغانمي:



إذا كانت تقنية تشخيص المكتوب قد أماطت اللثام عن قراءة مستلبة وأبانت عن وعي ثاقب بالكتابة من خلال إعادة ترتيب الكون الروائي على مستوى: الكتابة/القراءة، الإرسال/التلقي، الأدب/الواقع، فإن تقنية التماهي الحكائي التي سنعرض لها ستغوص بنا في عوالم السرد الداخلية مقتفية آثار السارد المتخفي، المتموقع، إذ أن التماهي الحكائي هو خاصية السرد المربك في روايتي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس، فما هو أولا التماهي الحكائي؟ وما هي أوجه تجلياته في الخطاب الروائي عند أحلام مستغانمي؟ هل نحن بصدد الحكاية أم بصدد حكاية الحكاية؟
هل الإغراق في تقنية الإيهام واستدعاء عوالم متخيلة من شأنه أن يؤسس لحبكة جديدة أم أن لامركزية السرد لن تؤدي إلا إلى التعتيم والغموض؟ وأخيرا نتساءل: ما هي يا ترى حدود التماهي الحكائي؟

- تجليـات التمـاهي الحكـائي في روايتـي:
(ذاكرة الجسد) و(فوضى الحواس).



1-1- تحديد أولي:

لإزالة الإبهام حول التماهي باعتباره مصطلحا مراوغا ومخادعا يترك علامات الاستفهام لدى كل مجال يطرح فيه، نعرض أولا لما جاء في مادة- مها- من لسان العرب:
يقول ابن منظور: «المهو من السيوف الرقيق، والمهو اللبن الرقيق الكثير الماء، وأمها الحديدة: سقاها الماء وأحدها، قال امرؤ القيس:
راشه من ريش ناهضة ثم أمهاه على حجره
وأمهى النصل على السنان إذ أحده ورققه، قال ابن جني: وذلك لأنه أرق حتى صار كالماء، وثوب مهو رقيق شبه بالماء»
[1]
لقد ارتبط التماهي في لسان العرب بكل ما هو كثير الماء، وبكل رقيق شفيف، وهي دلالات وإن بعدت أو قربت عن الاستعمالات الحالية، فهي تدل على الحد الرقيق الفاصل بين حقيقتين، بحيث يسهل الوقوع في فخ الإيهام، وتلك كانت غاية الروائيين، إذ كيف يمكن تمويه قارئ فطن يعي تماما أن كل روائي يحلم أن يخلق عالما يتماهى معه القراء إلى الحد الذي يصبح معه المتخيل واقعا معاشا ويصدقه الجميع، فالروائي الناجح هو الذي يكذب بصدق.
إن تقنية التماهي الحكائي لعبة تقوم على الخداع والتخفي لأن« تمام الفن هو تمام المخادعة، وكماله هوكمال التوهم»
[2]
ويلتقي مفهوم« التماهي الحكائي في عمقه مع معنى التداعي في الأفكار والمشاعر، حيث ينهار بناء الحكاية الأصلية التقليدية ( نمو، انحدار، ثم نهاية مأساوية أو سعيدة) بحيث أن المؤلف يعي جيدا أهمية تداخل الحكاية التي يرويها بحكايات أخرى مندرجة في سياق الحكاية الأصلية، أو متناصة معها، وهذا ما يمكن اعتباره تأطيرا للحكاية»[3]
وفي كتابات أحلام مستغانمي فإن« الحدود بين الخطاب والنص لا تكاد تبين لضعف المسافة بين الراوي والكاتب ولهشاشة المسافة بين المسرود له والقارئ، وهذه الصفة نجدها بالأخص في الخطاب الشعري»[4]
ولكون المسافة بين المسرود له والقارئ ضيقة جدا، فإن القارئ يحس ذاته، ومنذ البداية محط استفزازات السارد/الكاتب.
سنحاول من خلال روايتي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس رصد تقنية التماهي الحكائي على مستوى الحكاية، وذلك للوقوف على هذه التقنية أولا وملامستها والتعرف عليها عن كثب ولا سيما انها تقنية الإرباك والتعتيم والتشويش.

[1] ابن منظور «لسان العرب» المجلد الخامس عشر- (مادة مها)- بيروت. لبنان (دار الكتب العلمية) ص.ص154-155
[2] عبد الله أبو هيف «الاشتغال السردي ما بعد الحداثي في رواية (جمر القلب) »جريدة الأسبوع الأدبي- العدد846 تاريخ 04/01/2003 www.awu-dam.org/mainind.htm
[3] محمد معتصم « التماهي الحكائي» ضمن كتاب " الرواية المغربية .أسئلة الحداثة"-دار الثقافة. مختبر السرديات ص.ص
154-155
[4] سعيد يقطين. المرجع السابق . ص142

1-2- التماهي الحكائي في ذاكرة الجسد:

تحمل القصة عند أحلام مستغانمي فتنة جانحة إلى الإثارة والاستفزاز، بغية فتح أجواء كتابية جديدة وممتعة، وقد كانت تجربتها معهودة في الغالب ببهاء مدهش ومميز وفريد، إنها كتابة جديدة تتطلع إلى خلق عالم مناهض ساحر بمخيلته التعبيرية يجنح نحو تكسير حلم كتابي، تتخذ فيه القصة فضاءات طيفية مضاعفة.
في رواية ذاكرة الجسد تكتب "حياة/ أحلام" ( سنقف لاحقا على قضية ازدواج الاسم) روايتها (منعطف النسيان) لكي تحقق هدفا أساسيا هو قتل الأبطال في حياتها، وبذلك « ننتهي من الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئا على حياتنا، وكلما كتبنا عنهم فرغنا منهم وامتلأنا بهواء نظيف»
[5] وهو هدف يتكرر كثيرا في النص فكل رواية « هي جريمة نرتكبها تجاه ذاكرة ما، وربما شخص ما، نقتله على مرأى الجميع بكاتم صمت ووحده يدري أن تلك الكلمة الرصاصة كانت موجهة إليه»[6] ووفق هذا المنظور فان ما يقوم به (خالد ) وهو يكثف (ذاكرة الجسد) هو قتل من نوع آخر، فالحب هو مشروع رواية بالنسبة لخالد، وحينما يخفق يحول المرأة إلى موضوع في لوحة أو موضوع حكائي في رواية، فالقتل الرمزي للآخر يتردد بوضوح حينا، وبإيحاء حينا آخر بسبب غياب الفعل الجسدي، وما إن تنتهي (أحلام / حياة ) من قتل خالد رمزيا، حتى نجده مستغرقا في ممارسة قتل مضاد، مرة يجد في "اللوحة "بديلا للمرأة «فجأة انتابتني رغبة جامحة للرسم، زوبعة شهوة الألوان تكاد توازي رغبتي الجنسية السابقة وتساويها عنفا وتطرفا. لم أعد في حاجة إلى امرأة شفيت من جسدي وانتقل الألم إلى أطراف أصابعي، في النهاية لم يكن السرير مساحة للذاتي، فيما أريد أن أصب لعنتي أبصق مرارة عمر من الخيبات »[7] ومرة أخرى يلجأ للبحت عن نساء أخريات يمارس من خلالهن فعل القتل، وذلك حين لا يتمكن من استعادة توازنه بالقتل الفني: « اخترتُ لي أكثر من عشيقة عابرة أَتَّـثْثُ سريري بالملذات الجنونية ...نساء كنت أدهشهن كنت كل مرة أكثر وأقتلك بهن كل مرة أكثر، حتى لم يبق شئ منك في النهاية »[8] وأخيرا حين يدرك تماما أنه لم يفلح في التخلص منها يكتب روايته ذاكرة الجسد ليقتلها متبعا الأسلوب نفسه الذي اتبعته معه «ستقولين لماذا كتبت هذا الكتاب سأجيبك أنني أستعير طقوسك في القتل فقط، وأنني قررت أن أدفنك في كتاب لا غير »[9]
تكتب (حياة/ أحلام ) كتابها من أجل النسيان ويكتب (خالد) من أجل الذاكرة، فثمة نزاع ضمني يلف النص من أوله إلى آخره معمقا من هوة التعارض بين الشخصيتين الرئيسيتين قي النص[10]
هذا بإيجاز غير مخل، التأطير الممنهج للحكاية في ذاكرة الجسد، وواضح أنه تأطير عالي التجريد ومتوغل في الخيال.
وفيما يلي سنحاول إيضاح شبكة السرد التي تبين العلاقة الإشكالية بين القارئ والكاتب /المرسل والمتلقي. هذه العلاقة المحكومة بخط رقيق لا يبين يجعل تداخل الواقعي والمتخيل أمرا وارداً، ينشط تقنية التماهي الحكائي داخل الرواية، والترسيمة التالية تحاول توضيح ذلك :

المستوى الأول:
المؤلف من لحم ودم - - - -- -\الرواية(ذاكرة الجسد)- - - - - -\المتلقي(قارئ من لحم ودم
É
المستوى الثاني: خالد/السارد - - -\المسرود(الخطاب الإنشائي)- --- -- - \(حياة/أحلام)المسرود له
É
المستوى الثالث: (حياة/أحلام) - -\المتن الغائب(منعطف النسيان)- -- - ----\قارئ من ورق.

أ_ المستوى الأول:
«باعتباره مرسلاً، يوجه المؤلف الواقعي، أي المبدع الحقيقي للعمل الأدبي رسالة أدبية إلى القارئ الواقعي الذي يعمل كمرسل إليه / متلقي»
[11]
فحتما هناك من يكتب الرواية، وكونها لا تتوالد ذاتيا يجعلها تابعة ومرتبطة دوما بالعالم الواقعي بحبل سرة. إن المستوى الأول، هو الأكثر ملامسة للأجواء الواقعية فهو يقع خارج أي سلطة تخييلية .

ب_ المستوى الثاني :
وهو فضاء تخييلي، يمثل البناء الداخلي للحكاية: «خالد / السارد (كائن ورقي يوجه خطابه إلى (حياة/ أحلام ) المسرود له (كائن ورقي) ».
إن السارد والمسرود له في هذا المستوى وإن تقمصا دوري الكاتب والقارئ فما ذلك إلا لتضييق الهوة بين الواقعي والمتخيل.
ثم إن وجود قارئ داخل القصة « يـجعلنا نبقى مبتعدين ونحن نوسطه دائما بيننا وبين السارد، فكلما كان مقام المتلقي شفافا كلما كان ذكره في الحكاية صامتا، وكلما كان تماهي كل قارئ مع المقام الضمني حقيقي كلما كان حلوله محله أكثر سهولة أو بعبارة أفضل:أكثر قهرا »
[12]

ج- المستوى الثالث:
وهو مستوى تحيل عليه القرائن، وذلك حين يتسنى للقارئ أن يعرف أن ذاكرة الجسد هي جواب على (منعطف النسيان )، بمعنى آخر فإن متخيل ذاكرة الجسد ينبني أساسا على متخيل غائب ومتوهم هو منعطف النسيان.
إنه المستوى الذي يدفع التماهي إلى أقصاه بحيث« تتخذ الرواية شكلا دائريا، يساعد المؤلفة على إحكام السيطرة على بنيتها وتحويل بؤرة الأحدات إلى العالم الداخلي، برغم اتساع وصخب العالم الخارجي المشدود دائما بخيوط غير مرئية إلى أعماق الراوي»
[13]
والتمويه في هذا المستوى يكمن في أن (حياة / أحلام ) الكائن الورقي، هي (كاتبة )في القصة، وخالد /السارد هو قارئ في القصة. و منعطف النسيان ترمي بظلالها كأي نص له امتداده في الواقع الحقيقي، والأغرب في التماهي الحكائي في ذاكرة الجسد أن الشخصيات لا تتبادل برقيات أو رسائل قصيرة، بل إن كل واحد يجيب بكتاب.
هذا التراشق بالكتابة من سمات الحبكة الجديدة عند أحلام مستغانمي، ومغزاه عميق فجل التصورات حول الإبداع « تلتقي في نقطة واحدة، هذه القصة، هده الشخصية، تلك الوضعية الحكائية أو العقدة الفلانية، لاحقتني وهيمنت علي كشئ أقوى مني، ونابع من شخصيتي، وقد كتبتها لأتحرر منها »
[14]
إن قوة التماهي الحكائي كخدعة متقنة الصنع، لم تكن لتنطلي على قارئ ذكي، مع أن التلاعب مقصود باسم حياة التي أراد أبوها (السي الطاهر) أن تسمى (بأحلام)وهو ما حصل[15].
إن القارئ إزاء إسم هو نفسه إسم المؤلفة، لن يملك في كثير من الأحيان إلا أن يتماهى حكائيا، ويصبح طرفا في الحكاية، وهو ما عبر عنه بوخريص بقوله: « إذا أمكن شخصيات متخيل أن تكون قراءً أو متفرجين، أمكننا- نحن- قراءها والمتفرجين عليها أن نكون شخصيات تخييلية »
[16].
ويرى (ج.جنيت) بـهذا الصدد أن المـثير والمقلق هو «الفرضية غير المقبولة، التي مفادها أن خارج القصة ربما هو قصصي دائما وسلفا، وأن السارد والمسرود لهم – أي أنا وأنت – ربما ينتمون إلى حكاية ما »
[17] . وكأن أحلام مستغانمي لم تسقط كل القراء في شبكة التماهي الحكائي، ولم تكمل مشروعها الرامي إلى تعزيز الروابط بين المحكي والواقع، لهذا سنرى في فوضى الحواس أنها ستعمق هذه التقنية بشكل أكثر إرباكا، مما يجعلنا نتساءل:هل نحن أمام رواية فوضى الحواس أم هي (فوضى الحكايات)؟.

[5] أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» ص18
[6] الصفحة نفسها.
[7] نفسه.ص317
[8] نفسـه.ص235
[9] نفسـه. ص173
[10] عبد الله إبراهيم « الرواية النسائية العربية: تجليات الجسد والأنوثة»
www.abdallah-ibrahim.com/page2-1.htm
[11] جاب لنتفلت J.Lintvelt «مقتضيات النص السردي الأدبي» ضمن كتاب "طرائق تحليل السرد الأدبي.ترجمة: رشيد
بنحدو . مرجع سابق. ص88
[12] جيرار جنيت. المرجع السابق . ص268
[13] فريدة النقاش «قراءة نقدية في رواية (ذاكرة الجسد) » مجلة العربي. العدد457 – ديسمبر1996م-ص113-114
[14] رينه ماريا ريلكه/ماريو فارغاس يوصا «رسائل إلى شاعر ناشئ..روائي ناشئ» ترجمة أحمد المديني- سلسلة ضفاف5-
منشورات الزمن. ص69
[15] أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» ص.ص.36-37
[16] لويس خورخيس بورخيص، قولة ذكرت عند: جيرار جنيت «خطاب الحكاية» مرجع سبق ذكره.ص247
[17] المرجع السابق. الصفحة نفسها.

1-3- التماهي الحكائي في فوضى الحواس:

إن ما يميز فوضى الحواس هو الحركة السردية البارعة وحيوية الشخصيات والإغراق في التخييل، فمن المفاجئ في السرد الحديت أن تنقلب الأدوار، بحيث تكون الشخصية الرئيسية في فوضى الحواس هي أحد قراء ذاكرة الجسد :
« برغم كل هذا، يبقى الأمر مربكا فأنا لا أريد أن أصدق أن ذلك الرجل الذي ما انفك مند ستة أشهر يقلب حياتي رأسا على عقب، هو (خالد بن طوبال )، ذلك الكائن الحبري الذي خلقته منذ عدة سنوات، ثم نسيته داخل كتاب، ألقيت به إلى جوف مطبعة كما نلقي بجتة إلى البحر بعد أن نثقلها بالصخور، لكي لا تعود إلى السطح، ولكنه عاد »
[18]
نحن إذا أمام قارئ يقع في حب حياة، و يتقمص شخصية خالد بطل ذاكرة الجسد، وهكذا ينشد المتلقي إلى الكيفية التي تنتظم فيها الأدوار، فثمة شخصية قرأت ذاكرة الجسد ورغبت إعجابا وتولهاً أن تقع في حب الكاتبة: « يوم التقيت بك أصبح عندي يقين بأن حياتي ستطابق بطريقة أو بأخرى، قصتك معي، حتى أنني خفتك. وكثيراً ما راودتني رغبة في عدم الاتصال بك..لو تدرين كم أحببتك.. وكم حقدت عليك بسبب كتاب »[19]
وعلى هذا النحو ينعطف السرد، ليُدخل المتلقي في مجاز طويل من الترقب والتخيل، إلى الحد الذي لا تتصور فيه (حياة) أن قارئا لكتابها الأول وقع في حبها :
« إذا كان من المعقول أن تحب كاتبا حتى تتوهم أنك بطل من أبطاله، فأين العجب في أن يحب كاتبا بطلا من أبطاله، حتى يتوهم بدوره أنه موجود في الحياة وأنه حتما سيلتقي بي يوما في مقهى »
[20]
بمعنى ما، فالحكاية تتجاوز راويتها، وتحيل على واقع روائي متحقق، هو ذاكرة الجسد. يأتي هذا التقاطع والامتداد بين روايتي ذاكرة الجسد و فوضى الحواس في إطار هم جماعي للبحت عن النص الكلي والمرتجى.[21]
إن كل قراءة مفترضة لرواية فوضى الحواس لا بد أن تأخذ في اعتبارها توازي هاتين التقنيتين، أي (التقاطع والامتداد ).
ونحاول من خلال الترسيمة التالية رصد مستويات المتخيل وتداخلاته التي مكنت من تجلي خصوصية التماهي الحكائي في الخطاب الروائي المستغانمي كسمة مميزة ومثيرة للانتباه:

متخيل1
(حياة)كائن ورقي تحكي:
متخيل2 (كائنات حبرية) تحكي:
متخيل3







إن شبكة التخييل هذه تضع القارئ في شرك الدهشة أولا، ثم التصديق ولإيمان بشرعية أحد مستويات التخييل، إننا لسنا أمام تقنية حكاية الأدراج بقدرما نحن أمام تقنية التماهي الحكائي، التي تقوم على الخرق والهتك، بحيث تتعمد جعل عملية التخييل عملية متداخلة يشارك فيها الجميع. بدءاً من الكاتب الحقيقي إلى الشخصيات الروائية، مرورا بالسارد الرئيسي، إضافة إلى القارئ الحقيقي، فالجميع بصدد إنتاج متخيل.
في البدء يبدع المؤلف الحقيقي (متخيل أول ). وهو الكون الروائي الذي يزج فيه بكائنات ورقية، تتولى (حياة) في هذا المتخيل عملية السرد، لِتَتَماهى بدورها مع المؤلف الحقيقي، بحيث تكتب مكتوبا يحيل على (متخيل ثان) قوامه كائنات حبرية ليست أقل إدراكا للعبة التخييل من(حياة)، بل ومن المؤلفة نفسها، وهي كائنات تقودنا في متاهات المتخيل إلى (متخيل ثالث). إذ أن البطل الذي هو من صنع (حياة) لا يكف عن سرد وقائعه ووقائع أصحابه وأحبائه.
هذه التخييلات، تفجر تساؤلات كبيرة وعميقة، فعندما تتسع فسحة التخييل تتواتر التساؤلات من غير رحمة وتتزاحم جميعها في ذاكرة القارئ، ربما من غير إجابات، وهذا أفضل ما تتسم به الرواية إذ شرعت امتدادات السؤال، وظنت بالجواب. فلقد وجد الفن الكتابي ليسأل لا ليجيب. ولعل اللغة الأجمل هي التي تلمِّح ولا تصرح. وفي تقنية التماهي لا توجد أجوبة حاسمة لأن الحكاية تقع في منطقة ملتبسة تتقاطع فيها الكتابة بالحياة، بحيث يفصل بينهما خط رفيع.
ويدرك القارئ مدى تماهيه مع الحكاية، حين تحكم الكلمات مزاجه، وتفجر في ذاكرته اعترافا صامتا اسمه الأشياء الحميمية.
[18] أحلام مستغانمي « فوضى الحواس» ص274
[19] نفسه. ص295
[20] نفسه. ص294
[21] عبد الرحيم العلام «رواية الأوهام وأوهام الرواية» منشورات جمعية الأعمال الاجتماعية لوزارة الشؤون الإدارية.الطبعة
الأولى -1997م . ص95

- وضعية السارد في روايتي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس


1-2- مدخل نظري:

يعتبر السارد واحدا من أهم مقولات الخطاب الروائي الذي استأثرت باهتمام معظم الروائيين والمهتمين بقضايا الرواية وشعرية السرد.
وتكمن مركزية السارد في وضعه الاعتباري، الامتيازي، والإشكالي في آن: ذلك أنه من المتعذر تصور سرد دون سارد يمثل حلقة ربط بين المؤلف والقارئ ويشرف على تسييـر السرد ويمتلك سلطة تحوير الشكل الروائي نفسه.
[22]
فإذا كان التماهي الحكائي خاصية السرد المربك، فإن السارد بوصفه محور الحكي يتحمل النصيب الأوفر في هذه اللعبة السردية.
وقبل أن نستفيض في حديثنا عن السارد من الملائم تبديد سوء فهم متداول قوامه: إيجاد تماهي بين السارد راوي القصة والمؤلف كاتبها، وهو خطأ فادح، لأن« السارد كائن مصنوع من كلمات لا من لحم ودم كما هو شأن المؤلفين; السارد لا يعيش أكثر من مدى الرواية التي يروي، وخلالها فقط (إن حدود التخييل هي حدود وجوده) في حين أن للروائي حياة غنية ومتنوعة تسبق كتابة هذه الرواية وتتواصل بعدها، وحتى وقت يكتب الكاتب فالرواية لا تمتص معيشه كله»
[23]
السارد إنما هو شخصية مخلوقة، «كائن تخييل، شأن كل الشخصيات الأخرى التي يحكيها ولكنه أهم منها»[24]
إن السارد ليس هو المؤلف الواقعي، كما أنه ليس مجرد محفل تناط به لزوما وظيفة السرد، إنه بالأحرى وسيطا أو قناعا يبتدعه المؤلف، كيما ينخرط بكل حريته في سيرورة التواصل الرمزي مع القارئ، بعيدا عن إكراهات الذاتية وانزلاقاتها.
يتحدد الوضع الاعتباري للسارد بادئ ذي بدء بموقفه ووظيفته ضمن السرد، وبهويته كضمير وصوت.
تبدو الإمكانيات عديدة لكنها بصيغ عامة تختزل في ثلاث اختيارات:

السارد > الشخصية الروائية(الرؤية "من خلف"): هذه الصيغة هي التي يستعملها السرد الكلاسيكي، في أغلب الأحيان يكون السارد أكثر معرفة من الشخصية الروائية وهو لا ينشغل بأن يشرح لنا كيف اكتسب هذه المعرفة، باختصار فهو سارد عليم.

السارد= الشخصية الروائية(الرؤية"مع"): وفي هذه الحالة يعرف السارد بقدر ما تعرف الشخصية الروائية ولا يستطيع أن يمدنا بتفسير للأحداث قبل أن تتوصل إليه الشخصيات الروائية(...).

السارد< الشخصية (الرؤية"من الخارج"): وفي هذه الحالة الثالثة يعرف السارد أقل مما تعرف أي شخصية من الشخصيات الروائية، وقد يصف لنا مانراه وما نسمعه..الخ، لا أكثر، لكنه لا ينفذ إلى أعماقها. هذه" النـزعة الحسية" الخالصة التي لا تعدو أن تكون مواضعة، وذلك لأن سردا ينحصر في مثل هذا الوصف الحسي الخارجي غير معقول، ولكنه موجود كنموذج لضرب من ضروب الكتابة.
[25]

لا يخرج السرد عن هذه الحالات الثلاث، وعادة ما يختار المؤلف ساردا أحاديا أو متعددا، غفلا أو محددا، وقد يختار بين موقفين سردييـن، كأن يحكي القصة بلسان إحدى شخصياته.أو عن طريق سارد غير غريب عن تلك القصة.
في الحالة الأولى نكون إزاء سارد هو في الآن نفسه شخصية –مشارك في القصة- (مثلي القصة) أو جواني الحكي Hodiégétique. وفي الحالة الثانية أمام سارد- غير مشارك -(غيري القصة) أو براني الحكي Hétérodiégètique
[26]
في ضوء ما تقدم يمكن القول: إن السارد الجواني الحكي هو الشكل السردي المهيمن في روايتي أحلام مستغانمي.
ونظرا لخصوصية السرد وتماهي الحكاية في روايتي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس نتجرأ على طرح أسئلة من قبيل:
من هو السارد ؟ هل يمتلك السارد فعلا، سلطة مطلقة للقول ومشروعا جماليا وإديولوجيا خاصا به، أم أن كل ذلك مجرد تمويه يلجأ إليه المؤلف لإخفاء تورطه في لعبة التخييل وتبرير ذلك؟
هل يمكن الاستغناء تماما -حين الحديث عن السارد ومرجعيته- عن المؤلف كمفهوم إجرائي، إن السارد حسبما يبدو عليه قد اتضح على حد تعبير (كايزرKayser) أنه قناع، ولكن من هو حامل هذا القناع؟
[27]
إن الخوض في قضايا السارد وعلاقته بالمؤلف في ضوء الأسئلة المثارة أعلاه يقتضي التذكير ببعض المعطيات النظرية الأساسية لاستجلاء طبيعة السارد/المؤلف، وخصوصيتهما في روايتي أحلام مستغانمي.


[22] Théodore Adorno "notes sur la littérature" traduit de l'allemand Par (Sibylle Muller) Paris.éd.Flammarion.1984.PP 37-38
[23] رينه ماريا ريلكه/ماريو فارغاس يوصا. مرجع سابق.ص90
[24] الصفحة نفسها
[25] تزفيطان تودوروف «مقولات السرد الأدبي» ضمن كتاب "طرائق تحليل السرد الأدبي" ترجمة: الحسين سحبان وفؤاد
صفا- مرجع سابق- ص.ص58-59
[26] جيرار جنيت. مرجع سابق. ص255. للتوسع أكثر:
Col.Pooétique) Paris.Seuil.1972.P 252-255-256 ) ِِِ"G.Genette "FiguresШ

[27] W.Kayser"Qui raconte le roman?" traduit de l'allemand par (Antonie
Marie.Buget) dans "Poétique du récit" Col.Points-Seuil1977.P76

-2- علاقة السارد/ المؤلف:

« لئن كانت البنيوية في تطبيقاتها الفلسفية والنقدية، قد همشت مقولات السياق والتاريخ والدلالة والذاتية، فإن الدراسات السردية والسيميائية أقصت، بتأثير من ذلك مفهوم المؤلف»
[28]
وقد استندت فكرة إقصاء المؤلف والاهتمام بالنص إلى مبررين وجيهين:[29]
- فالبنيويون لا يؤمنون بالتأويلات الإسقاطية التي تخلط بين ذاتية المؤلف وأفكاره
ونفسية شخصياته وأقوالها.
- ولا يعترفون بالمؤلف مصدرا وحيدا يحتكر دلالة (دلالات) العمل الأدبي.
يأخذ (سعيد يقطين) بتوجس شديد ما تقول به السرديات والسيميوطيقا السردية فيما يخص الراوي والكاتب: « وإذا كنت أرى أن أساس التمييز منهجي كما ينطلقون من ذلك، فإني أرى أيضا أن أساس المنهج يرمي إلى إقصاء الكاتب. لذلك يمكننا اعتبار الراوي مؤقتا قناعا للكاتب إلى حد ما. أو ذاتا ثانية للكاتب كما يقول(بوت Booth)»
[30]. إن فك الارتباط بين المؤلف بوصفه معطىً واقعيا وتاريخيا، والسارد باعتباره شخصية متخيلة أو « دورا يبتكره ويتبناه المؤلف»[31] ليس علامة قطعية نهائية بين هذين المحفلين المتلازمين الذين تتنوع أشكال علاقتهما وتتعقد بتنوع الشكل التعبيري نفسه وتعقده، فمن التطابق التام بين السارد و المؤلف في السيرة الذاتية، إلى التطابق الجزئي في الرواية السيرذاتية، إلى تشوش الحدود بينهما في الرواية، تظل علاقة السارد بالمؤلف قائمة وحيوية لإدراك العمل الأدبي في مختلف تقاطعاته ومظاهره الجمالية والتداولية والمؤسسية[32].
من هذا المنظور تتطلب العلاقة بين السارد والمؤلف إعادة التفكير في وضعهما الاعتباري، بعيدا عن التأويلات الاسقاطية والاختزالية والتجريدية التي تخلط بين المؤلف والسارد، أو تختزل هذا الأخير إلى مفهوم مغلق ومجرد لا تخصصه ذاتية أو سياق، لأجل ذلك يلزم برأي (كريزنسكيW.Krysinski) بناء (هيرمينوطيقا سياقية) تمزج بين الشكلانية و التأويلية « إن السارد من وجهة النظر هذه، علامة ورهان سارد آخر هو المؤلف الواقعي الذي ينتج فعليا السرد، ويعمد بمهمة استكماله إلى سارد ثان هو (السارد الظاهري) الذي ليس سوى (قناع لفظي) ومضاعف للمؤلف عينه بوصفه السارد الواقعي أو (السارد السيميائي) بتعبير كريزنسكي»
[33]
« إن السارد الواقعي أو السيميائي بوصفه الذات المكتشفة والمرسلة للعلامات، يتموضع بين الوعي الفردي والوعي الجماعي، بين رمزية الجماعة والواقع ورمزية اليوطوبيا»[34]
هذه بعض الاعتبارات النظرية التي يتسع القول فيها، وطبيعة السارد في روايتي (ذاكرة الجسد) و(فوضى الحواس) ستفرض الوقوف عندها كلما حققت خاصية التماهي الحكائي قدرة فائقة في تصديق العالم المروي، مثل ألحان لأوبرا يصعب عزلها عن آلات العزف أو المؤيدين لها.

[28] يوسف شكير «شعرية السرد الروائي عند إدوار الخراط» عالم الفكر.العدد2-المجلد30- أكتوبر/ديسمبر2001.
ص265
[29] الصفحة نفسها.
[30] سعيد يقطين. المرجع السابق.ص114
[31] W.Kayser.op-cit.P.P68-67
[32] يحسن الرجوع بهذا الصدد إلى دراسة (عبد الله ابراهيم) «السيرة الروائية: إشكالية النوع والتهجين السردي»:
www.abdallah-ibrahim.com/page2-1.htm

[33] عبد الحميد عقار« فلاديمير كريزنسكي.من أجل سيميائيات تعاقبية للرواية» ضمن كتاب "طرائق تحليل السرد الأدبي"
مرجع سبق ذكره. ص.ص214-215
[34] نفسه. ص212

نستطيع الحفر عميقا أكثر في نقطة السارد والتماهي الحكائي مع الواقع، وإن نحن أردنا الفحص الدقيق حاملين مجهرًا (وهي طريقة فظيعة وغير مقبولة لقراءة الرواية) فسنكتشف أن «تحولات السارد تحدث بصفة عامة وعلى امتداد فترات سردية طويلة، وهي قد تظهر سريعة ووجيزة جداً، مختصة ببعض الكلمات لا غير، حيث تلحظ تحول السارد في الفضاء، وهو تحول مرهف لا يمكن القبض عليه»[68]
فعلى سبيل المثال يوجد في كل حوار خال من تعييـن الضمائر تموقع وتغيير للسارد:
« - أحيانا أتمنى أن أشبهك
- وأنا أتمنى أن أشبهك..لقد باعدتنا الحياة أحيانا..ولكن لن يفرقنا
شيء..أليس كذلك؟ »
[69]
وينطبق الشيء ذاته على رواية ذاكرة الجسد:
« - كيف أنت؟
- أحاول أن أصمد
- تصمد في وجه من ؟
- في وجه الأيام... »
[70]
ومن البدهي أن هذه الحرية اللامحدودة للمؤلف في خلق سارده وتوفير قدرات له (تحريكه- إخفاؤه- إظهاره – تقريبه...) لا يمكن أن تكون تعسفية، إذ عليها أن تأتي مبررة حسب سلطان إقناع القصة التي ترويها الرواية. وإن كانت رواية فوضى الحواس تسهب أحيانا في تعويم الخيال إلى الحد الذي يجعلنا أمام فرجة مجانية لهيمنة السارد، فإننا نسجل للرواية تميزها على مستوى خطاب السارد الموسوم بشفافية التعابير اللصيقة بمهموسات الأنا والملامسة لهمهماتها الداخلية المقموعة والمكبوتة.
إنها رواية تطمح أن تنجح في « التدخل في حياة القارئ حد منعه من النوم»
[71] ومن ثم طموح السارد إلى تسريد العالم الواقعي، وحسب (كايزرKayser) : «ليس للروايات الحجم نفسه، ولا المظهر العام ذاته الذي تتوفر عليه المؤلفات العلمية أو كتب الدعاية»[72] .
[68] رينرماريا ريلكه/ماريا فارغاس يوصا.مرجع سابق. ص100
[69] أحلام مستغانمي « فوضى الحواس» ص208
[70] أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» ص274
[71] أحلام مستغانمي « فوضى الحواس» ص309
[72] W.Kayser.Op.cit.P111

خـاتـمة


إن ما لم نقله في هذا البحث يبقى أبلغ مما قيل، ذلك أن روايتي أحلام مستغانمي غنية بمعطيات فنية تحتاج إلى مزيد من الدراسة والكشف.
وقد حاولنا من خلال هذه الدراسة أن نؤكد أن نوع التشخيص يحدد أسلوب السرد، وأن صورة العالم المشخص تتصل اتصالاً وثيقا ببنية الشخوص والآليات المختلفة التي يستخدمها السارد في عرض مسروده.
إن للتشخيص في الرواية العربية الحديثة اتجاهات عديدة لم تكن متبلورة تبلوراً واضحا في النصف الأول من هذا القرن ولا في السنوات القليلة التي لحقته، ونحن إذ سعينا إلى رصد هذا التشخيص واحتفائه بالمكتوب فلكي نؤكد ثراء التجربة الروائية الحديثة وتنوع مسالكها.
يعطي تشخيص المكتوب للخطاب الروائي امتدادات أوسع، فالرواية لم تعد صورة فوتوغرافية يلتقطها المبدع للعالم الخارجي بقدر ما أصبحت مرايا مقعرة « متخذة من الروائي موضوعا للرواية، تعلن قطيعته (نسبيته) مع مبدأ (التمثيل) أو (التصويرLa représentation)، الذي يتحكم في علاقة الرواية بالواقع، وتؤسس ما يمكن وصفه بـ(التصوير الذاتيL'autoreprésentation) »
[1]
ولكي لا نكتفي بنعت هذا الاتجاه في الكتابة بـ(الواقعية الجديدة)أشرنا إلى أن من هموم هذه الكتابة ترقية القارئ إلى مرتبة المؤلف، ما دام فعل القراءة في الشعرية المعاصرة، كتابة جديدة للنص، فعلى امتداد صفحات الروايتين ترتسم صورة القارئ كسلطة رمزية يعترف بها المؤلف نفسه.
لقد اقترن تجاوز التشخيص التقليدي بنزعة تجديدية تراهن على محو الحدود بين الواقعي والمتخيل.
وقد حاولنا رصد فضاءات الحكاية، مفصلين القول في تقنية التماهي الحكائي لنرصد تنامي الحلم الكتابي عند أحلام مستغانمي الذي ينفتح على متخيل يحاول أن يجد سلطته في العالم الواقعي نفسه.
ومن ثم فإن خصوصية الحكاية في ذاكرة الجسد و فوضى الحواس تكمن في قدرتهما الفائقة على جعل القارئ يندغم في مستوى تخييلي عال.
وقد خصصنا للسارد مبحثا خاصا اعتبارا لقيمته في المضمار السردي، وانتهينا إلى أن المسافة بين السارد والكاتب هي مسافة واهنة جدا، فكل ما يلقيه السارد من سرد يبدو مرسله واحداً يعبر عن صوت الكاتب.
كما تبين لنا أيضا ضعف المسافة بين المسرود له والقارئ، وهذه الصفة نجدها بالأخص في الخطاب الشعري.
إن شفافية الخطاب تقوم على تذويب المسافات بين المحافل السردية (الكاتب والسارد والقارئ والمسرودله...) وهذا من شأنه أن يضعنا أمام نص يتداخل فيه الواقعي والمتخيل بشكل يراهن على فعالية القارئ وقدرته على التخييل.
كل هذا يجعلنا نرى أن إبداعا بهذه المقومات التخييلية له القدرة على الانفلات دائما من الشباك الأكثر علوا للبحث النقدي، بيد أن النقد وحده، وحتى حين يكون متينا وكاملا لا يستطيع استنفاد ظاهرة الإبداع وشرحها في كليتها.
إننا لا نتخذ هذا الرأي ذريعة لتبرير الأخطاء التي وقع فيها هذا البحث، فطموحاتنا كانت أكبر مما وقفنا عنده.
وختاما نأمل أن تضئ هذه الاستنتاجات التي توصلنا إليها الطريق أمام أي قارئ يهمه أن لا يقف عند الحدود السطحية لفهم النص، مؤكدين عزمنا على متابعة البحث من أجل تعميق هذه الدراسة مستقبلا.
[1] رشيد بنحدو «حين تفكر الرواية في الروائي» مرجع سابق. ص43


بـيبليوغرافيـا
1- مصـادر:

ü بن منظور «لسان العرب» المجلد الخامس عشر- (مادة مها)- بيروت. لبنان (دار الكتب العلمية)
ü مستغانمي أحلام «ذاكرة الجسد» بيروت-دار الآداب-الطبعة السادسة 1998م
ü مستغانمي أحلام «فوضى الحواس» دار الآداب-بيروت-الطبعة11-2001م
ü المديني أحمد «وردة للوقت المغربي» بيروت (دار الكلمة) ط2- 1983 م.
ü منيف عبد الرحمن «الأشجار واغتيال مرزوق»- المؤسسة العربية للدراسات والنشر. 1987

Segal Erich "love Story" London .Panguimbooks- Segal -
Stendhal, "lamiel"(Paris: Divan, 1984) _

2-مراجـع:
بالـعربيــة
أ-الدراسات:

ü باختين ميخائيل «الخطاب الروائي» ترجمة وتقديم محمد برادة-الرباط-دار الأمان-1987
ü بنكراد سعيد: «شخصيات النص السردي-البناء الثقافي» مكناس: كلية الآداب.1994
- «النص السردي نحو سيميائيات للإديولوجيا» الرباط-دار الأمان- الطبعة الأولى1996.
ü جنيت جيرار « خطاب الحكاية» ترجمة: عمر حلي-محمد معتصم-عبد الجليل الأزدي- الدار البيضاء مطبعة
النجاح الجديدة-ط1 -1996
ü الحمداني حميد «بنية النص السردي» بيروت. المركز الثقافي العربي.الطبعة الثانية 1993.
ü مجموعة من الباحثيـن. « الرواية المغربية.أسئلة الحداثة»دار الثقافة.مختبرالسرديات.
ü مجموعة من الباحثين «طرائق تحليل السرد الأدبي». منشورات اتحاد كتاب المغرب.
ü العلام عبد الرحيم «رواية الأوهام وأوهام الرواية» منشورات جمعية الأعمال الاجتماعية لوزارة الشؤون
الإدارية. الطبعة الأولى-1997م.
ü علوش سعيد: «عنف المتخيل الروائي في أعمال إميل حبيبي» مركز الإنماء القومي.
ü العيد يمنى « فن الرواية العربية بين خصوصية الحكاية وتميز الخطاب» بيروت. دار الآداب.الطبعة الأولى1998م
ü يقطين سعيد: « القراءة والتجربة.حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب».سلسلة الدراسات النقدية4.
البيضاء-دار الثقافة- الطبعة الأولى 1985.
-« انفتاح النص الروائي»-المركز الثقافي العربي-الطبعة الثانية2001.

ب-المجلات والدوريات:

ü بنحدو رشيد «حين تفكر الرواية في الروائي» مجلة الفكر العربي المعاصر67-68 يونيو/غشت- يروت/باريس-
مركز الإنماء القومي1989
ü ريلكه رينه ماريا / يوصا ماريو فارغاس "رسائل إلى شاعر ناشئ..روائي ناشئ» ترجمة أحمد المديني- سلسلة
ضفاف5- منشورات الزمن
ü مرتاض عبد المالك «في نظرية الرواية» عالم المعرفة 240-الكويت- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-
ديسمبر1998.
ü نديندا جوزيف «الكتابة والخطاب النسائيين بالكاميرون» ترجمة:دامية نخونيا-مجلة نوافذ- العدد11-جدة-
مارس2000.
ü النقاش فريدة «قراءة نقدية في رواية ذاكرة الجسد» العربي.العدد457. ديسمبر1996.
ü الصايغ وجدان عبد الإله «سلطة النص الآخر في الخطاب الروائي لأحلام مستغانمي» مجلة ثقافات الصادرة عن
كلية الآداب-جامعة البحرين.العدد2-ربيع2002
ü شكير يوسف «شعرية السرد الروائي عند إدوار الخراط» عالم الفكر.العدد2-المجلد30-أكتوبر/ديسمبر2001.
ج-مواقع الأنترنيت:
ü إبراهيم عبد الله «الرواية النسائية العربية, تجليات الجسد والأنوثة»
www.abdallah-ibrahim.com/page2-1.htm
ü إبراهيم عبد الله « السيرة الروائية: إشكالية النوع والتهجين»
www.abdallah-ibrahim.com/page2-1.htm
ü أبوهـيف عبد الله « الاشتغال السردي ما بعد الحداثي في رواية (جمر القلب) » جريدة الأسبوع الأدبي-
العدد846- تاريخ04/01/2003 htm.www.awu-dam.org/mainindx
ü أحلام مستغانمي «ندوة المرأة والكتابة في مهرجان الرباط الدولي-يونيو2000» مجلة أفق- العدد01- السنة
الأولى.
www.ofouq.com
ü الباردي محمد « إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة» من منشورات اتحاد الكتاب العرب.دمشق.
www.awu-dam.org/book
ü لبابيدي سوسن « ماذا بعد أن صارت الحواس فوضى؟ » مجلة الموقف الأدبي(تصدر عن اتحاد الكتاب العرب
بدمشق) العدد382-السنة32-شباط2003
www.awu-dam.org/mokifadaby
ü عامر مخلوف « الرواية والتحولات في الجزائر- دراسة نقدية في مضمون الرواية المكتوبة بالعربية» من منشورات
اتحاد الكتاب العرب بدمشق
www.awu-dam.org/book
ü « قضية أحلام مستغانمي» مجلة الأفق. العدد01-السنة الأولى-سبتمبر2000. www.ofouq.com
ü موقع أحلام مستغانمي: www.ahlammosteghanemi.com

بـالأجنبيــة:

- Adorno Théodore "notes sur la littérature" traduit de l'allemand par (Sibylle Muller)
Paris.éd.Flammarion.1984
- Maingueneau Dominic " Initiation aux méthodes de l'analyse du discours" Paris-
Hachett-1976
- Kayser Wolfgang"Qui raconte le roman?" traduit de l'allemand par (Antonie-
Marie.Buget) dans "Poétique du récit" Col.Points-Seuil1977
- krysinski Wladimir "Carrfours de Signes" Paris-ed.Mouton-1981
- Genette Gérard "Figures Ш"Col.poétique.Paris Seuil. 1972