‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرأت لكم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرأت لكم. إظهار كافة الرسائل

السبت، 23 يوليوز 2011

النادي السينمائي بثانوية الوحدة الإعدادية يحول قصة قصيرة عالمية إلى فيلم تربوي قصير

النادي السينمائي بثانوية الوحدة الإعدادية يحول قصة قصيرة عالمية إلى فيلم تربوي قصير




قصة التخرج هي قصة عالمية للكاتب الياباني تشيرو أكاجاوا، اشتغل عليها النادي السينمائي لثانوية الوحدة الإعدادية أديس طاطا وبعد تبييئها وتكييفها مع المحيط التربوي بسيناريو محكم قام فريق العمل بالتصوير بجماعة أديس على طريق أنغريف، والعمل السينمائي الذي هو عبارة عن فيلم قصير مستوحى من قصة قصيرة سيكون مفاجآة بداية الموسم الدراسي القادم.



إليكم القصة التي اعتبرت أساسا للفيلم وهي بنسخة يابانية هنا

الـــــتَخـــــــرج


تشيرو أكاجاوا
ولد أكاجازا عام 1948 .كتب مجموعة كبيرة من قصص
الألغاز الغامضة عقب حصوله على جائزة الكتَّاب للناشئين
عن كتابة "القطار الشبح"في عام 1976 .عُرفت أعماله
بتميزها بروح الفكاهة وإيقاعها اللاهث وانتشرت بصورة
خاصة في صفوف الشباب ،وقد نُشرت قصته هذه لأول
مرة باليابانية في عام 1984 في إطار مجموعة أصدرتها
دار كودانشا انترناشيونال المتخصصة في إصدارها
لعام 1987 لأعمال الإبداعية ،ثم تُرجمت إلى العديد
من لغات العالم .


تدحرجت كرة أمام سيارة الأُجرة.فضغط موراكامي بقوة على الكوابح ، قُـذفَ الراكبُ الجالس في المقعد الخلفي بشدةٍ إلى الأمام ، فارتطم رأسه بالحاجز الزجاجي الذي يفصل بينه وبين السائق وقال : " اللعنة ! ما الذي تفعله بحق الجحيم ؟" أدار موراكامي محرّك السيارة من جديد، وقال : " المعذرة يا سيدي !عندما رأيت الكرة ، فإنني ..".

- "كرة؟ دست الكوابح بهذه القوة بسبب كرة لعينة ؟ ".

صاح موراكامي الذي تملَّـكه الغضب فجأة : " من أجل طفلٍ قد يكون منطلقا خلفها . أم أنه لا يهمك أن يُـقتل طفل ؟ ".

استرخى الراكب على المقعد وقال : " طيب ، طيب " ثم غرق في صمت ٍ كئيب .

وبعودته إلى القيادة أحسَّ موراكامي بقطرات العرق تنساب على عموده الفقري ، وكانت الذكريات المرعبة ، تلك التي مضت عليها ست سنوات ، الآن ، ما زالت متوهجة كأوضح ما تكون .

كان موراكامي قد قاد سيارة الأُجرة لمدة تزيد عن العشر سنوات ، لم يتسبب خلالها في أي حادث ، ولم يتلقَّ أي مخالفة سَيْـر، ولكن في ذات يومٍ كان مشغولا أكثر من المعتاد وراح يفكر في أن يكف عن العمل مبكراً . وبينما كان يمضي بسيارته عبر منطقة سكنية هادئة ، في طريقه إلى الكاراج رأى سيارة شحن صغيرة تقترب في الاتجاه المقابل . كان الشارع ضيقا لكن هناك مساحة كافية للعبور . قاد موراكامي السيارة ببطء على بعد بوصات من السياج الممتد على يساره.





وكادت السيارتان ترتطمان عندما ضربت مرآة الشاحنة الجانبية شيئا ما ، وأحدثت صوتا مرتفعا ، كان غصن شجرة على ما يبدو.

جفل موراكامي ، وأشاح بنظره عن الشارع لدقيقة فقط لكنها كانت كافية لاندفاع طفل صغير من بوابة مفتوحة أمام سيارة موراكامي ، الذي ضغط على الكوابح بكل قوة .أطلقت الإطارات صرخة طويلة حادة ، وشعر بأنه لطم شيئا محدثا صوتا مكتوما . فأغمض عينيه ...

كان ذلك قبل ست سنوات .

تطلع موراكامي إلى ساعته بينما كان الراكب يهم بالنزول من سيارة الأجره، ورأى أن الوقت قد حان لإنهاء مناوبته ، وقال للراكب بينما هو يترجل من السيارة : " شكرا لك سيدي " لقد عملت بشكل جيد اليوم ، أفضل من المعتاد ، فلا خير في العودة الآن .

كان ذلك في أصيل يوم دافئ من أيام شهر مارس . وفي طريقه على المرآب انعطف موراكامي في طريق ضيق ، هادئ . قال لنفسه : " هذه الضاحية لا تتغير البتة . إنها لم تتغير إطلاقا خلال ست سنوات " .

عبر موراكامي هذا الشارع مرات لا حصر لها منذ وقوع الحادث . ولطالما شعر كلما طاف به بأنه مجبر على القيام بهذا كنوع من التخليد لذكرى ذلك الطفل الصغير . كأنها زيارة لقبر .

لم يوجه أحد اللوم له يومها ، فالكل أجمع على أن الحادث كان شيئا لا يمكن تجنبه . وبالطبع ، قام موراكامي بكل ما يستطيع من أجل عائلة الصغير . ولكن حقيقة أن هذه الأسرة لم تطالب بأي تعويض ، ولم تذكر شيئا إطلاقا عن المال ، جعلت العبء أسوأ وأثقل بالنسبة لموراكامي ، وكان يذكر نفسه مرات ومرات بأن كل أموال العالم لن تستطيع أن تعيد هذا الطفل للحياة من جديد.

كان رجل في نحو السبعين من العمر يعرج ماضيا باتجاه الحاجز الحجري ، عند حافة الطريق ، وعندما لاحظ سيارة الأجره توقف ورفع يده فتوقف موراكامي أمام العجوز وفتح له الباب .

كان الرجل يرتدي بذلة أنيقة وربطة عنق وتفوح منه رائحة طيبة .

قال العجوز :
" آه .. الحمد لله .ليس هناك من سيارات أجره متوفرة في هذه المنطقة . كنت أخاف من الاضطرار للمشي حتى بلوغ الشارع الرئيسي ".
- " إلى أين يا سيدي " .
- " حسنا .. إنها تدعى مدرسة ك.الابتدائية ، إنها .. كيف لي أن أشرح لك ..".
- " لا حاجة لذلك يا سيدي إنني أعرف أين تقع "
- " آه . أتعرف لك ؟ كم أنا محظوظ ! ".
- تنهد الرجل في ارتياح ، وقال : " إنني لا أتذكر أسماء الشوارع بوضوح . ينبغي عليّ أن أطلب من أحدهم أن يكتبها لي .. على ما أعتقد .. لكنني ..".

خفف موراكامي من سرعة السيارة ، وقال : "في الحقيقة ، لقد ذهبت إلى هذه المدرسة مرة أو مرتين ".

كان الطفل الذي دهسه موراكامي قد التحق لتوه بهذه المدرسة .

وعادة ما يوقف موراكامي سيارة الأجره بالقرب من ملعب المدرسة ليقوم بمشاهدة الأطفال وهم يلعبون ، ولولا وقوع الحادث لكان ذلك الطفل يلعب الآن مع الأطفال الآخرين .

التقط الراكب العجوز نفسا عميقا وقال : " آه ، يا له من يوم رائع! " فرد موراكامي :" إنه كذلك ! هل هناك مناسبة خاصة يجري الاحتفال بها في هذه المدرسة ؟ ".
- " في الواقع ، نعم ، إنه حفل تخريج حفيدي".
- " كم هو رائع! "
- " كنت أخشى أن أتأخر على الحفل. لكن والحالة هذه فبإمكاني أن أصل هناك في الوقت المحدد".

انعطف موراكامي إلى الشارع الرئيسي . كان طريق المشاة مزدحما بأطفال المدرسة الذين يلعبون معا . وهم يسيرون.لقد تخرجوا أيضا لتوهم ، وكل منهم يحمل شهادة مطوية في يده ، ويقوم بعضهم بتمثيل دوره في معارك الساموراي وهم يستخدمون شهاداتهم المطوية كسيوف .
توقف موراكامي عند الإشارة لحمراء ، بينما أخذت مجموعة من الأطفال تعبر الشارع أمام سيارته.

- " إن الأطفال رائعون ، أليس كذلك ؟ بإمكاني أن أقضي وقتا يمتد للأبد وأنا أتطلع إليهم " .
انحنى الرجل العجوز إلى الأمام وناول نوراكامي صورة فوتوغرافية ، تناول موراكامي الصورة ونظر إليها ، ثم قربها أكثر من ناظريه .
كان ما يزال يحدق في وجه الطفل ، عندما أطلقت السيارة الواقفة خلفه إشارة تحذير . أرجع موراكامي الصورة للرجل ، وأدار محرك السيارة .

- " إنها صورة قديمة إلا أنها جيدة . ألا تعتقد ذلك ؟ ".

تجمدت عينا موراكامي باتجاه الشارع أمامه . لقد سبق له وأن رأى هذا الوجه ، في صورة أكبر حجما ، يحيط بها شريط أسود . كان ذلك منذ ست سنوات مضت .

لقد قابل جد الطفل في مراسم التشييع . لكن الآن فقط ، وهو يختلس نظرة خاطفة عبر المرآة الخلفية أدرك أنه الوجه ذاته .لقد كبر كثيرا خلال السنوات الست هذه .

تذكر موراكامي أن الجد حرفي ماهر من نوع ما .رجل هادئ ، مبجل ، حتى أنه قد يحسبه المرء بطريق الخطأ من المثقفين ، على الرغم من أن أحدهم قال إنه لم يتلق أي تعليم رسمي إطلاقا .

قال الرجل عندما هم موراكامي بالتوقف أمام المدرسة : " شكرا جزيلا لك " . دفع أجرة التاكسي دون أن ينتظر الباقي .اندفع مسرعا عبر بوابة المدرسة .

أوقف موراكامي الأُجرة بعيدا شيئا ما عن المكان الذي نزل فيه العجوز ، وترجل ليتبع الرجل .وعبر بوابة المدرسة أخذ يرقب زبونه وهو يدخلها .

سأل رجل في خريف العمر كان يقف قريبا مرتديا زي حارس موراكامي : " هل من خدمة ؟".
-" لا أنا سائق تاكسي ، لقد أحضرت هذا الرجل الذي مرَّ لتوه من هنا ".
أومأ الرجل رأسه بالإيجاب وقال : " آه ..هذ الرجل ".
- " ذكر شيئا عن تخرج حفيده ".
- " حفيده؟ إن حفيده ميت يا سيد! صدمته سيارة أليس هذا حادثا بشعا ؟ أتعلم ما الذي كنت سأفعله لو كنت مكانه ؟ كنت سأسحق ذلك السائق. قطب الحارس وجهه وأضاف :
" ولم تمضِ سنة أخرى حتى ماتت والدة الصبي بدورها ".

أحس موراكامي بالدم ينسحب من وجهه. كان على علم بأن الوالد توفي في وقت ما قبل وقع الحادث ، لكن تلك هي المرة الأولى التي يسمع فيها بوفاة الوالدة .فإن كان هذا صحيحا فمعنى ذلك أن الجد عاش طوال هذه المدة وحيدا ...
إذن الأمر على هذا النحو. ففي وقت ما بدأ الجد في الاعتقاد بأن الصبي ما يزال حيا .
-" هل بدأت مراسم الاحتفال ؟ ".
-" أقدر أن نصفها انقضى ".

مضى موراكامي بخطوات سريعة باتجاه المدرسة. لم يكن ليدع هذا العجوز يذل نفسه أمام هذا الحشد من البشر. ما من شك في أن هذا العجوز بدأ يترنح في الزحام ، باحثا عن حفيده الوهمي .
فجأة تراجع موراكامي. كان المكان مزدحما بطوابير وراء أخرى من الطلاب وأولياء أمورهم. والجميع جلوس بهدوء لمتابعة خشبة المسرح .
استطاع بمشقة السير متبعا عبر الممشى بين الكراسي ، قالت امرأة شابة ، هي مدرِّسة ،حسبما خمن مةراكامي وهي تربت على كتفه :"المعذرة .إن كنت تنظر أحدا ..".

- " لا .أنا ..إنه ..".

دوت أركان المدرسة بأصوات التصفيق الحار. فنظر موراكامي باتجاه خشبة المسرح .هناك مع كل الطلبة الخريجين وقف العجوز الذي سُـلِّـم شهادة التخرج .

استدار موراكامي إلى المدرسة الشابة وقال : " ذلك الرجل ...".

أخذت المدرسة تشرح " آه .نعم .لقد فقد حفيدا له منذ سنوات مضت .وهو شخصيا لم يتلق أي تعليم في المدارس.لذلك قال إنه سيذهب بدلا من حفيده .فقد نفَّـذ ذلك بالفعل ، كل يوم ، ومنذ ست سنوات ". أضافت وهي تهز رأسها بإعجاب : " إنني حقيقة أحترم هذا الرجل "

على خشبة المسرح كان الرجل العجوز ينحني باحترام فائق للاحتفاء الحماسي الكبير الذي يتلقاه .
تبسَّم العجوز وهو يرى موراكامي يلوح له في سيارة الأجرة وهو خارج من البوابة وقال : " آه لقد انتظرتني "
- "هل لي أن أوصلك إلى المنزل ؟ ".
فتح موراكامي باب السيارة للراكب ، وأدار المحرك .
- " تهانينا يا سيدي ".

ضحك العجوز ضحكة خافته وتنهد قائلا : " آه لقد سمعت الخبر ؟ ... إن الأمر محرج نوعا ما .لم يكن باستطاعتي أن أشرح أن التخرج كان تخرجي أنا .على أية حال .. لقد حققت ذلك .لقد وعدت حفيدي ..أنني بعد موته ،
سأتخرج من أجله ".

قطع موراكامي مسافة بالسيارة قبل أن يقول : " أنا السائق الذي صدم حفيدك أو ربما تعرف أنت بدورك ذلك ".
لم يكن هناك مِنْ رد.توقف موراكامي عند حافة الطريق واستدار باتجاه العجوز .

لم يتحرك العجوز.كانت عيناه مغمضتين ، ويداه ممسكتان بالشهادة المطوية بإحكام . لقد أوفى بوعده لحفيده وشق طريقه عبر نوع آخر من التخرج .

المصدر: منتديات - مجالس الجوارح العربية

الأحد، 27 مارس 2011

فراشات القصة تنطلق من حديقة ابن سليمان الروداني بتارودانت




"أصوات الفراشات":

فراشات القصة تنطلق من حديقة ابن سليمان الروداني

كيف يكتب الشباب المبدع في تارودانت القصة؟

ما هي انشغالات الشباب المبدع الجنوبي من خلال كتابابتهم؟

ما هي حدود إمكانات القول السردي لدى الشباب المبدع؟

السوداوية تغلف إبداعات الشباب الروداني: "أصوات الفراشات" هي المجموعة الأولى من نوعها التي تضم كتابات مبدعين شباب، ففي بادرة هي الأولى من نوعها، أقدم نادي الإبداع الأدبي والمسرحي بثانوية بن سليمان الروداني بإصدار كتابه الأول الذي عول على تفجير الطاقات الإبداعية، وإفساح المجال لهؤلاء الشباب الذين وثق فيهم عميد القصة المغربية أحمد بوزفور، وأشاد بهم في تقديمه بقوله: " أشد على أيدي المبدعين الشباب الذين جعلوني أرفع رأسي إلى الأفق بثقة وأنا أشم في نصوصهم مخايل المطر القادم." وفي معرض تقديمه للمجموعة أشار بوزفور إلى كون الموهبة تختلج في جميع النصوص وتبرز في نصوص بعينها وتختبئ حتى لا تكاد تبين إلا لخابر في نصوص أخرى. كما ألمح أحمد بوزفور إلى هيمنة السوداوية على النصوص متسائلا عن الفرح والحب والموسيقى والرقص والمرح والسخرية وعن الصبر والصمود والإصرار بدل النبرة اليائسة البائسة المخيمة على قصص الشباب الواعد.

مبدعات ومبدعون يعيشون في الامتداد والصفاء قبل العبور إلى عالم الفراشات وهو عالم القصص المائزة بخصوصياتها، الماتعة بحبكاتها، يتصدر الكتاب تقديم ثان للقاص المبدع عبد العزيز الراشدي معنون بـ"اصطياد الفراشة" ويعني الراشدي- فراشة اللغة- التي جد المبدعين في اصطيادها ولا زالت تفلت من عيون الشباك الضيقة. وقد تساءل الراشدي عن المشترك بين النصوص، وما يجعلها متفردة. هل هو فقط انتماؤها لروح الجنوب، أم هو إصرار أصحابها على إسماع أصواتهم إلى قارئ آخر مفترض ظل ينظر بترفع إلى نصوص هذه البقعة من الأرض جاعلا من مدن المركز أفقا لكل قراءة وفضاء لكل تجربة؟. وبعد تحليل سريع لهذه القصص خلص عبد العزيز الراشدي إلى كونها نصوص تتعامل باقتصاد شديد مع اللغة، وتنكتب بنفس جنوبي وبأنامل مبدعات ومبدعين يعيشون في الامتداد والصفاء ولم تلوث المدن الخاوية مسارهم. وحسب الراشدي دائما فشاغل هذه النصوص هي قضايا لا تمت بصلة للقضايا الكبرى للجيل الأول، وإنما لكل جيل قضيته الكبرى."إنها نصوص تنتمي تماما لعصرها وقضائها وتقترح مواضيعها المطلوبة الضرورية".

الإبداع الأنثوي يهيمن على أصوات الفراشات "أصوات الفراشات" هي إذن ثمرة عمل جاد ودؤوب لنادي الإبداع الأدبي والمسرحي بثانوية ابن سليمان الروداني الغاية منها هي إبراز المواهب الجميلة التي يمتلكها الشباب المبدع والتعريف بها وتوريط أصحابها أكثر في حب القصة القصيرة. إضافة إلى صيانة (ذاكرة النادي والثانوية) هذا الهدف الأخير نعتقد أن المجموعة تعدته لتكون ذاكرة للوجدان الإبداعي في المدينة التي لم تعرف من قبل إصدارا قصصيا جماعيا رغم أنها- مما لا شك فيه- تحبل بأقلام كتبت القصة على أعمدة الجرائد والمجلات ووئدت نسيانا. تضمنت المجموعة عشرين نصا لعشرين قاصة وقاص، وقد لفت الانتباه هيمنة الصوت الأنثوي، فقد بلغ عدد الكاتبات في المجموعة 15 مقابل 5 كتاب ذكور، فهل يعني هذا أن " الكاتبات يكتبن أحسن؟".

ارتباط الإبداع بما هو عاطفي وذاتي واجتماعي يتصدر المجموعة نص رومانسي شاعري بعنوان لك في قلبي حكاية، وقد تميز النص بصفعاته الشعرية المتتالية وبلغته المنحوتة بإزميل (الآه). وعلى وتر شجون الشباب العاطفية نسجت منية العرفاوي ونسرين محريم، الأولى في قصة "قدرنا أن لا نلتقي" وقد احتفت بهمس الخروف وبأسلوب الخاطرة سعت إلى كهربة السطور والثانية في قصة "ذكرى مقطوعة" بأسلوب المفاجأة والتشويق سعت إلى الرفع من قوة الحبكة. من جهة أخرى تناولت الأقلام الفتية أهم القضايا الاجتماعية بين الرجل والمرأة، فمع سميرة الورديغي نقرأ في قصة "الليلة الأولى بعد الألف" نسخة معاصرة لقصة ألف ليلة وليلة ترصد تمفصلات العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا وتعيد فاطم الزهراء العشرات في قصة "عائد" رصد هذه العلاقة بتفصيلات اجتماعية وواقعية. ومن خلال قصة "أعماق دامية" تقدم بشرى زهراوي رؤيتها لهذه العلاقة لافتة الانتباه إلى قتامة الوضع الاجتماعي وسطوة الفقر والتهميش والحرمان التي تدفع الرجل لأن يتقمص دور شهريار المتسلط. وترسم فاطم الزهراء أيت بهي أخيرا شعاع أمل في قصتها "أمل"، شعاع أمل للمرآة ضحية الرجل وضحية المجتمع. لقد كان الوضع الاجتماعي أكثر المواضيع إلهاما للشباب المبدع، فرغم تركزه في بعض القصص على العلاقة بين الرجل والمرأة غلا أنه ظل رحى للعديد من القصص التي أبدعت في تصوير الواقع الاجتماعي. تكتب مريم المشماشي في قصة "لحظات ذكرى" لحظات سقوط صبية قاصر فقيرة في بؤرة العهر ومستنقع الضياع وتقدم جميلة اليعقوبي أفقا مسدودا لشاب يبحث عن نفسه في قصة " لحظة تفكير". أما زكرياء فريفري الذي بدأ من حيث انتهى الأديب محمد ابراهيم بوعلو فيكتب قصة "بعد السباق" المستلهمة من قصة "السباق" ليعري وجها آخر من وجوه المجتمع القاسي. وقد أضفت السحرية على هذه القصة جمالية افتقدناها في قصة "دمعة وفراق" التي كانت صادمة بإغراقها في السوداوية، فعبد اللطيف أوبرحيم حين كتب عن معاناة شاب يهاجر أمه وطد العزم أن يكون لسان حال حقيقة وواقع مرير. ورغم أن عبد الرخيم أوبرشبح احتفى بالسخرية في قصة "قدر قدر" لوصف المعيش اليومي لكادح جائع إلا أنها كانت سخرية مرة تتقاطع في شيء من الاتفاق غير المقصود مع قصص أخرى أبرزها "العمر الضائع" لسكينة نعم التي ترصد مخالب الواقع الاجتماعي وضراوته من خلال حياة شاب في مفترق الطرق يختار بين الخير والشر. هكذا تبرع الأقلام الفتية في اقتناص لحظات الحزن والمرارة والاحباط، فها هي آسية الخليل الحدري في قصة "وجوه" تقتنص لحظة الإعلان عن مرض السرطان ووقعها على الوجوه المنتظرة. من بين هاته العتمات التي استقفلت واستغلقت وضاقت تبرز صور تحفر في أعماق الذات: حزينة هي نعم، لكنها متفائلة. من بين هذه الأصوات يصادفنا صوت آسية الوافي التي اختارت عنوانا جميلا وآسرا هو " أسرار الظل" لتبوح بما يصدح في الذات الجوانية، ومن بين هذه الأصوات أيضا يبرز صوت حسن الرامي في قصة "من أنا...؟" فهي قصة فلسفية ورمزية تغازل متاهات النفس ومتاهات الحياة. وتطالعنا قصة لوردة جودي رغم كونها تحمل عنوان "بسمة..واختفت" إلا أنها قصة يغمرها الحب والنبل في المشاعر الصادقة التي وإن انتهت غلى الاختفاء فغنها بذرة إخصاب للامل والحب. كذلك تنتهي قصة "وصال الآمال" غلى الدلالة النبيلة التي يحملها العنوان. إن اختيارات الشباب متعددة من حيث القوالب والمضامين، وهي إن كانت مرتبطة أكثر بما هو عاطفي واجتماعي وذاتي فإن ذلك لم يمنع أومالك أسماء من طرق موضوع سياسي إيديولوجي في قصة "ارهابي". ورغم أن أغلب الكتابات راهنت على الكائنات البشرية، فإن مريم المعتصم جعلت من العصفور سوار في قصة "عودة سوار" موضوعا طريفا وموحيا يحبل بالإشارات اللماحة غلى روح المغامرة، والروابط الحميمية والفرح الممتزج حزنا ومرحا.

المايسترو محمد كروم هكذا تكون مجموعة أصوات الفراشات سمفونية متعددة تصدح في حديقة إبداعية يقودها مايسترو محترف اسمه محمد كروم، وغليه يعود الفضل في إعداد وتنسيق الكتاب، وقد كان هو الرابطة الأكثر تجدرا على مدى أكثر من عقد للحفاظ على ماضي النادي العتيد واستمراريته وهو ما مكنه من أن يلعب دور الوسيط بين الأجيال المتقاربة التي أتت فضاء النادي منذ سنة 1998 غلى سنة 2010. البعد الجمالي في أصوات الفراشات ذيل الكتاب بملحق عميم الفائدة، وهو دراسة للأستاذ رشيد هيبا تحمل عنوان "البعد الجمالي في أصوات الفراشات" وفي تحليله العميق للمجموعة يشير الأستاذ الدارس إلى أن "مجموعة من هذه الكتابات تحتمي بأعشاب دافئة وقواقع يخلقها التلاميذ المبدعون للاحتماء من وحشية التهميش واللامبالاة والقلق النفسي والتوجس من المستقبل" ويؤطر الباحث رشيد هيبا النصوص الإبداعية حسب مضامينها في مدارين كبيرين، المدار الأول وهو البعد الاجتماعي، ثم مدار البعد النفسي الذي احتل الخير الأكبر حسب- رشيد هيبا- ولمزيد من الدراسة والإجرائية يقسم هذا البعد غلى محورين: - المحور الوجداني: ويرى الأستاذ رشيد هيبا انه الأكثر انتشارا ضمن هذه القصص القصيرة. - المحور التربوي: وهو مرتبط أساسا بالاختلالات التربوية التي تسود المناخ الأسري والعلاقة بين الرجل والمرأة وقد تطرقت العديد من القصص لهكذا مواقف. هذا وتميزت دراسة الأستاذ رشيد هيبا بتناولها للأبعاد الجمالية على المستوى الشكلي والبنائي (النسق الدرامي- الخيال- اللغة الشعرية- السخرية) إن ميزة هذه الدراسة التي خص بها الأستاذ رشيد هيبا مجموعة أصوات الفراشات تكمن أولا في ندرة الأقلام التي تستطيع مواكبة ومتابعة إبداعات التلميذات والتلاميذ، وتكمن ثانيا في التفاف الدراسة وتطويقها لهذا القول الإبداعي من مختلف النواحي، التربوية والنفسية والجمالية والفنية وهو ما يحسب للأستاذ الباحث.

الأربعاء، 3 نونبر 2010

السرد اللامتصل والعالم اللااعتيادي في عيون الفجر الزرقاء


السرد اللامتصل والعالم اللااعتيادي
في عيون الفجر الزرقاء* لإدريس الجرماطي

(كمن يمسرح الماء على ركح هو الرمل)، هكذا تجد المبدع ادريس الجرماطي عكس الاتجاه يكتب رواية لا كالروايات، ويحاول أن يرقى بالسرد إلى مدارات غير اعتيادية، فكل شيء في "عيون الفجر الزرقاء" لا اعتيادي، بدءا بالشخوص وأسمائها مرورا باللغة والفضاءات.
وقبل أن نقتحم بوابة الملكوت اللااعتيادي لا بأس أن نذكر أن ادريس الجرماطي كاتب عصامي كون نفسه بنفسه، صدرت له رواية "رحلة في السراب" وله تحت الطبع مجموعة قصصية تحمل عنوان "رقصة الجنازة" أما الرواية التي نحن بصددها "عيون الفجر الزرقاء" فهي الصادرة عن مؤسسة سندباد للنشر والإعلام، تتكون من فصلين ومصدرة بمفتتح يوضح فيه الكاتب طبيعة الرسالة الكونية للرواية: "عيون الفجر الزرقاء رسالة البحث عن الحقيقة التي لأجلها خلق الإنسان" وعلى صفحة الغلاف الخلفية كلمة مقتضبة للكاتب الناقد المصري ابراهيم محمد حمزة يلخص فيها بأسلوب دقيق وبليغ حالة ادريس الجرماطي الروائية فهو صاحب عوالم غير معتادة " لا يترك للقارئ حقه في الشعور بالطمأنينة" لأن لغة الرواية -حسب نفس الناقد دائما-" لا تؤسس لسردية متصلة" وهي تنفت حسا صوفيا عجيبا وتنضح إنسانية.
الحق في الطمأنينة هو ما يصر ادريس الجرماطي على نفيه في ابداعاته، لذلك فهو أكثر إذعانا لسردية-لامتصلة، ولغة لامطمئنة، وشخصيات لا اعتيادية ولسان سرده يقول: اللذة قليلة والحيرة كثيرة.

في المقام الأول من الرواية" مقام البداية أو الولادة اللاتكتمل" نعيش أجواء لامكتملة ولامنتهية ينحث من خلالها الكاتب ادريس الجرماطي شخصيات "الأخوة الثلاثة" والأم وحامل هم المعاش والمولود عبر تيار فكري عميق يطمح إلى " تضمين وعينا طرائق جديدة للوجود"1ا وفي هذا الجزء يؤسس الكاتب لأرضية صلبة حين يحتفي بالموطن الأصل "تازاغت" ويجعل منه بؤرة تعالقات، فأهمية المكان تكمن في كونه " يتعالق بشدة مع بنى النص الأخرى ، تعالق المكان بالزمان، تعالقه بالشخصيات، تعالقه بما هو واقعي وتخييلي 2
ورغم ذلك فالمكان "تازاغت" لا يمكن أن يكون بوصلة تحفظ توازن القارئ في عوالم أراد لها كاتبها أن تكون مقلقة ومستفزة.

في الجزء الثاني "الاستنارة أو الرحلة لاتنتهي" تبدو الأسئلة أكثر إزعاجا بإلحاحها، وغموضها، ولغتها، إنه الالحاح الذي يوازيه الواجب الإنساني الذي يحفز الكاتب، وهو وضوح الوضوح الذي يبدو غموضا، وبساطة اللغة التي تبدو مركبة. هكذا حين نمعن الرؤية تتبدى لنا الأمور: " المولود يحكي قصة لوحة شبه مبعثرة في خياله البسيط والمعقد في الوثيرة نفسها، وكما تبدو له اللوحة يسرد."
هل وصلت الرواية إلى مرحلة التخلص من "إسار السرد الأفقي وصورة الواقع والبطل واللغة والمعمار الفني ورؤى العالم؟" (ص09)
من المبكر القول بذلك رغم أن طريقة الجرماطي السردية فيها الكثير من المغامرة على مستوى السرد الذي يعمد إلى نزع مفاتيحه من القارئ، وعلى مستوى اللغة التي تؤسس لبلاغتها الخاصة على مستوى الرؤية التي تحمل معنى أكبر من الشكل التغييري نفسه ( الرواية): " ضاق المعنى، ولم يجد حتى لنفسه مقرا" (ص73).
في الجزء الثاني من رحلة " عيون الفجر الزرقاء" تظهر شخصيات جديدة: تيوتاهان، ساندرا، الشيخ.. لتزداد إشكالية الإنسان عمقا، وهي الإشكالية التي يقول عنها المولود: " إشكالية أن يعيش الإنسان إشكالية نفسه، في ضوء وضع الإنسان قبالة الآخر الذي يوحي له أصلا بانزلاق الأفكار، وانهيار في الرؤى لمجرد أنه إنسان" (ص78).
الخطاب التخييلي مغلف بنتوءات فكرية في رواية "عيون الفجر الزرقاء"، بمعنى أن السرد يرزح تحت ثقل الخطاب المعرفي رغم محاولات مبدعة في خلق ارتجاجات للمعنى توقظ الجهاز التأويلي، فما بين حث القارئ على صوغ أطروحة وأن يكون فاعلا، وبين فرض أطروحات معرفية تدفع القارئ في اتجاه معين يتموقع هذا السرد منجذبا لسحر وفتنة وحبكة السرد تارة، ومنغمسا في لعنة الفكر والأطروحات الفلسفية تارة ثانية.
جميل أن يكون الغموض خاصية في طبيعة التفكير الروائي، فهو قد مكن إلى حد بعيد من احتواء روح شاعرة ومفكرة، لكم في اعتقادي- الخاص- لا ينبغي لهذا الغموض أن يمتد ليكون خاصية للتعبير اللغوي. والكاتب إذ جازف واختار رؤية ملغمة متشضية متفجرة ومتضمنة في لغة عصية مركبة ومزعجة ومستفزة، يكون كمن صب الزيت على صفيح ساخن وفق استراتيجية روائية مغامرة تتغيى فتح أفق روائي لا اعتيادي.

ما أحوجنا إلى كاتب يؤمن أن ظهر الأفق ينحني حين يمارس طقوس الكتابة. إن عدم الإيمان بالمستحيل في الكتابة هو ما يميز كاتبا من طينة إدريس الجرماطي، يكتب ولسان حاله يقول:
أرأيت
أرأيت أيها الشخص الذي
يتكاثر
في
مكاني
أرأيت كيف تكون الثقة
بما لا يرجى4
إن رؤية الجرماطي أكبر من قارب اللغة الصغير الذي يمخر به عباب بحر الإبداع، لكن مجداف الإرادة يهزم المستحيل، فللقارئ أن يقرأ وللكاتب الإصابة في الرؤى.
شكيب أريج
29/07/2010

هوامش:

* عيون الفجر الزرقاء- ادريس الجرماطي- سندباد للنشر والإعلام- القاهرة –الطبعة الأولى 2009
1- الفيلسوف الأمريكي ريتشارد روتي- عن كتاب " الأدب في خطر" لتيزفيطان طودوروف- ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي- دار توبقال للنشر- الطبعة الأولى- 2007-ص47
2- اليناء الفني في الرواية الكويتية المعاصرة- زينب عيسى الياسي-مجلة البيان- العدد473- ديسمبر2009.-ص20
3- عبد العاطي الزياني "السرد والتأويل: دراسات في الرواية والقصة"- الطبعة الأولى 2009.- ص09
4- محمد بنطلحة- ديوان ليتني أعمى- ص264

الجمعة، 23 أبريل 2010

شذرات من يوميات بودلير


شذرات من يوميات شارل بودلير


الأفـــق الإنساني الأعمق


هذه الأيام قرأت يوميات شارل بودلير، والحقيقة أنها عبارة عن كتابة شذرية لم يكن بودلير يطمح لإصدارها، وإنما أتيحت الفرصة لطبعها ونشرها بل وترجمتها بعد موته.

هي كتابة شذرية، كتابة غير مشذبة، إنه شارل بودلير على سجيته، بدون رتوشات. وإذا كان بودلير قد عبر في حياته عن فلسفة التناقض أو الحق في التناقض، فإن التناقض يبدو أوضح ما يكون في كتابته الشذرية أو يومياته، لقد أعجبتني الكثير من نظراته وأحب أن أوثق كل ما هو عميق وبليغ.
بخصوص التناقض، سنجد أن بودلير من أول الذين دافعوا عن الحق في التناقض فتجده يقول:


" ثمة حق منسي، قد يهم الجميع أن يعاد إليه الاعتبار، إنه الحق في التناقض"


" أن تعرف يعني أن تتناقض، ثمة درجة من عدم التناقض لا يرقى إليها شيء سوى الكذب"


قيل عن بودلير أنه ملحد وأنه متدين. ألا يعبر هذا عن التناقض.؟ والحقيقة أني وجدت بودلير كثير الدعاء لله، مؤمنا كأشد ما يكون، غير أنه ليس على شاكلة المؤمنين الذين يبدون كالقطيع،فإيمان بودلير أكثر فهما ومعرفة بالعالم، يقول:


"لو فقد الدين في هذا العالم، لوجد في قلب ملحد"


" يظل الدين مقدسا وإلهيا، ولو كان الله غير موجود"


وهو لا ينظر إلى طقوس العبادة نظرة سطحية، لذا سنجده في إحدى غضباته يقول:


" ما الذي ليس صلاة؟ البراز صلاة- طبقا لقول الديمقراطيين حين يتبرزون"

الدين أسمى وأرفع عند بودلير:


" ثمة دين كوني صنعه خميائيو الفكر، دين يتصاعد من الإنسان باعتباره تذكرة إليهة"


بودلير المهووس بالعظمة، لا يريد أن يكون واحدا من القطيع، يتنطع، يتكبر، يتأمل، يعتد بنفسه، لكن له موقف من كل شيء. لا يداهن ولا ينافق، وقد صدق فيه قول تولستوي: " الصدفة تخلق الموقف، والعبقري يستغله".


أما فيما يتعلق بالحب والنساء فبودلير واضح في يومياته كالشمس:
" نحب النساء بقدر ما يزيد اختلافهن عنا، إن حب النساء الذكيات متعة لوطيين، وهكذا فإن الحيوانية تلغي اللواط"
وقد يصل بودلير إلى حد التناقض ليبدو فجا وواقعيا وضد النساء:
" ..مكانان فحسب، فيهما تدفع كي يصبح لك الحق في أن تصرف: المراحيض العمومية والنساء"
" هل تمة فرق بين الرجل الذي يعانق مغفلته في الشارع، وذاك الذي يطعن فريسته في غابات مجهولة؟"
لقد تعرفت على تعريفات كثيرة للحب لكني لم أجد مثل تعريف بودلير المشاكس:
" الحب هو الميل إلى البغاء. بل لا وجود لمتعة مهما كانت سياسية لا يمكن إرجاعها إلى البغاء"
" اللذة الوحيدة والقصوى للحب تكمن في اليقين بإثيان الشر"
" ما الحب؟ الرغبة في مغادرة الذات. الإنسان حيوان عاشق، أن تعشق يعني أن تضحي بنفسك وأن تتعهر، لذلك كان كل حب بغاء"

وعكس ما نتصور، ليس البغاء في نظر بودلير قيمة دنيا، إنه ضرورة وحتمية وليتضح رأيه أسوق المثال التالي من شذراته:
" في عرض مسرحي أو حفلة راقصة، كل يلتذ بالكل. ما الفن؟ إنه بغاء"

ولأن بودلير عاصر زمن الانتشاء بالجمال والاحتفاء به هدفا للفن وقيمة اعتبارية، فإن آراءه في الجمال تبرز في اليوميات كأبهى ما تكون:

"يبدو الشيء جامدا ما لم يشبه قليل من التشويه، لذلك فإن عدم الانتظام، أي اللامتوقع والمفاجيء والمدهش هو جزء من عناصر الجمال الجوهرية وعلامته المميزة"

الجمال عند بودلير يقوم على كل شيء متأجج وحزين، غير محدد، على الغموض والندم والتعاسة:" وأنا لا أزعم أن الفرح لا يجتمع مع الجمال لكني أعتقد أن الفرح حلية من أكثر حلي الجمال سوقية"
أيمكن أن يدعو بودلير إلى الجمال في القبح؟ ألم نقل أنه يعلي من قيمة التناقض؟
يقول: "لا شيء أجمل من الأفكار المبتذلة".

إن شاعرا يصدح بمثل هذه الآراء هو شاعر ثوري بالأساس، لكن ما موقف الشاعر الثائر من الثورة؟
" الثورة تكرس الخرافة عن طريق التضحية"


ورغم ذلك سنجد أن الكثير من شذراته ثورة تهز الظالمين:
" لو طلب شاعر من الدولة الحق في أن يضع بعض البرجوازيين في اسطبله لأثار الاستغراب. لكن لو طلب بورجوازي قليلا من لحم الشعراء مشويا لبدا ذلك أمرا طبيعيا جدا"

جانب آخر من يوميات بودلير أثار إعجاب الجميع، هو جانب التنبؤ. فقد كتب يومية جميلة مليئة بحدوساته التي صدق بعضها وأكيد أنها ما زالت تتحقق لتثير إعجابا عاما عبر العصور:

" ستأمركنا الميكانيكا، وسيضمر التقدم بكل ملامحنا الروحية، إلى الحد الذي تصبح معه أقصى طموحات الطوباويين الدموية والدنيئة والمضادة للطبيعة عاجزة عن مضاهاة نتائجه الفادحة"

" ثمة في الإنسان أشياء تزهر وتزداد قوة فيما أشياء أخرى تضمر وتتقلص وبفضل تقدم هذه الأزمنة لن يبقى في باطنك سوى الأمعاء"

ويذهب بودلير بعيدا في التنبيء بمآل العائلة بعد بروز المجتمع الفرداني، فالشاب الذي كان يهجر عائلته في سن الثانة عشر لن نستغرب ان هجر بيته في سن الثانية عشر.

عميق جدا هو بودلير في فهم العالم والإنسان، وينبهنا إلى البداهات التي تحاصرنا دون أن نكنهها:

" نحن مسحوقون في كل دقيقة بفكرة الزمن والاحساس به، لا توجد إلا وسيلتان للنجاة من هذا الكابوس لنسيانه: المتعة والعمل. المتعة تستهلكما. العمل يقوينا. لنختر. كلما استعملنا إحدى هاتين الوسيلتين، ازداد قرفنا من الأخرى."
في يومياته كثيرا ما ردد بودلير تمجيده للشاعر والراهب والمحارب:
" لا يوجد إلا ثلاثة أشخاص جديرين بالاحترام: الراهب والمحارب والشاعر. أن نعرف،وان نقتل، وان نبدع"


وبالمقابل هناك سخط واحتقار لا يواريه بودلير - خاصة في يومياته-
" موظف نكرة، وزير، مدير مسرح أو جريدة، كل هؤلاء قد يكونون أحيانا جديرين بالاحترام، لكنهم لن يكونوا في يوم رائعين، غنهم أشخاص بلا شخصية، كائنات بلا خصوصية، مولودون للوظيفة، أي للخدمة العامة."
إنها أفكار من يبحث عن المجد، لكنه لا يتوان عن الاقرار بأن المجد:
" ليس سوى حصيلة توافق عقل مع غباوة امة"
يبقى الكتاب وثيقة مهمة لأنه لا يؤرخ لحياة بودلير الذهنية فحسب، بل لحياة عصر بودلير، وقد حفل الكتاب بالكثير من الأسماء التي أبان صاحب اليوميات عن حماسه لها أو أبدى بصدق جارح عن احتقاره لها. يقول عن واحدة من الكاتبات اللواتي قوبلن بالحفاوة والترحاب من طرف المجتمع الأدبي:
"..أن يكون بعض الرجال قد أغرموا بهذا المرحاض: دليل واضح على انحطاط رجال هذا القرن"
وفي مواجهة سان مارك جيراردن يتصيد له هفوة ليشهر به:
" سان مارك جيراردن أطلق كلمة لن تنسى: لنكن تافهين"

الأديب يجب أن يكون لسان حال عصره، هذا القول يجد تجسيدا له عند بودلير الذي كانت يومياته يوميات عصر بأكمله:
" كل شيء في هذا العالم ينضح بالجريمة: الجريدة والجدار ووجه الإنسان"

نقلت إليكم هنا بعض الشذرات من يوميات قرأتها فعرفت أكثر من هو شارل بودلير، فهو يظهر أكثر في اليوميات ، في حين يصعب الامساك به في ديوانه الشهير أزهار الشر، قد يعود الأمر إلى الترجمة، فهي الكبسولة السحرية التي تنقلنا من زمن إلى آخر ومن لغة إلى أخرى، وهنا أود أن أشيد بترجمة آدم فتحي لليوميات، فقد نجح في توصيل صوت بودلير إلى اللغة العربية.

اليوميات- شارل بودلير- منشورات الجمل- ترجمة آدم 1999