الأحد، 17 يوليوز، 2011

قصة بصمة الكف المحترقة







بصمة الكف المحترقة





إلى روح هشام العلايمي أول شهداء انتفاضة الحوض المنجمي بتونس



بصمة الكف المحترقة على الحديد ورائحة الظلم تعبق..
بصمة الكف المحترقة تشهد على ذلك اليوم.. وقبة السماء ترى صمودهم.


"المستعد للشيء يكفيه أضعف أسبابه"

تكفيهم جرعة ماء تحت شمس ماي القائضة، وقد اعتصموا بمحطة الكهرباء.. كانوا يشعرون أنهم أقوى من هذا الحيوان الحديدي الكهربائي الراكن. وما دام كل واحد منهم يختزن كل هذه القوة فلم هو عاطل عن العمل؟؟

شعر بعضم باليأس. مرت ايام وأيام وهم في اعتصام مفتوح بانتظار ما لا ينتظر.. عجلات القطار الحديدية بدات تصدأ..

كان هشام مقنعا جدا وهو يقول لهم: أن ننتظر أولا ننتظر، الأمران سيان.. لقد اعتادوا أن تأتيهم القاطرات محملات بثروات بلادنا. لن يستطيعوا التفريط في البقرة الحلوب التي يشفطون خيراتها..انتظروهم..

وصدقت نبوءة هشام. كانت سياراتهم المصفحة تتوافد على محطة الكهرباء..هناك حيث لا نهر ولا شجر.

مدير الحرس ومعتمد منطقة الرديف لم يعترضا على اعتصامهم في ذلك المكان المقفر، لكن الشرر تتطاير من أعين مدير الحرس وهو يصدر أوامره لأزلامه بإعادة تشغيل التيار الكهربائي متحديا كل من تسول له نفسه الوقوف
في وجه السلطة.

افترش بعضهم سكة القطار. أمسك آخرون بخيوط الكهرباء. ارتفعت الشعارات الحماسية. توثرت الأجواء. توافد أهالي قرية "تامديت". شكل المعتصمون حائطا بشريا..

أحس مدير الحرس أن الفراشات على كتفيه مسالمة ومهادنة.نظرات المعتمد كانت تحرضه أكثر. فوران الموقف وتدافع رجال السلطة والجلبة أمامه، كلها اشياء لم تجعله ينتبه غلى أن الفراشات كشرت عن أنيابها، وانها غدت خفافيشا وغربانا في غمرة صرخاته وتشنجات قسماته. كان يؤمن انه وعصابته الأقوى.

بعد السب والشتم..بعد الدفع والركل.. بعد الضرب والتفريق أمر بإعادة تشغيل المحطة.

ست قبضات حديدية كانت تقبض على حبل الحديد الكهربائي.
ثلاثة شباب كانوا يتحدون الأوامر العليا للمعتمد وغير معنيين بما كرره مدير الحرس مرات عديدة أمام رجاله الذين ترددوا وترددوا.. وتوقفوا .. وتوقفوا.. ثم تراجعوا..
تراخت القبضات الحديدة وتنفس أصحابها الصعداء.. لكن محطة كهرباء أخرى وأخرى اشتعلت في رأس المعتمد وانفجرت في رأس مدير الحرس وهو يلوح بغضب شديد.
داهم رجال الحرس الشباب وحاولوا تنيهم عن اعتراض السلطة بالجر واللطم والضرب. وحده هشام كانت ضرباتهم تزيده استماتة وهو يعانق حبل الموت.. كان يضحك في وجه الموت كما يضحك في وجه "نكتة".
المعتمد الغاضب أعاد الأمر بتشغيل المحطة، مدير الحرس لم يكف عن صرخاته الهيستيرية. أزلام السلطة ابتعدوا عن جسد هشام المندور للموت. علت هتافات الأهالي. انطلق سيل من الحجارة. تسارعت خطواتهم باتجاه خطوط النار.


وانطلق التيار الكهربائي..


دفعة واحدة.. لحظة واحدة.. لحظة ثابتة. قبضة هشام الحديدة تحترق، رائحة شواء وحديد وحرية تضوع في المكان.
فرقعة كبيرة وعيون جاحظة...


جثة هشام المتفحمة تسقط لا كما تسقط الأجساد..
تسقط ولا تحدث دويا على الأرض بل دويا في القلوب.
المعتمد نفسه شعر أنه يسقط دون أن يجد قرارا لسقطته اللانهائية..

مدير الحرس لم يكن يفكر في تأمين محطة الكهرباء بل في الفرار..

وكان صراخ الأم الملتاع قادما مع نبضات قلبها

- ولدي قتلوه المعتمد والحرس


بصمة الكف المحترقة على الحديد ورائحة الظلم تعبق..
بصمة الكف المحترقة تشهد على ذلك اليوم.. وقبة السماء ترى صمودهم.







شكيب أريج









هناك تعليق واحد:

شكيب أريج يقول...

إليكم هذا الشريط الصادم، وهو أبلغ من القصة
http://www.facebook.com/video/video.php?v=174785952576851&comments