الأحد، 4 يوليوز، 2010

المبدعون والمؤسسات الثقافية، أي علاقة؟

استطلاع:


المبدعون والمؤسسات الثقافية أي علاقة؟


تحقيق: عبد الهادي روضي


سرعان ما تتحول الكتابة من مجرد انفعال، ورغبة في توريط الذات في فعل الانكتاب، إلى انصهار كلي يتغيا كسب بطاقات عضوية الانتماء إلى المؤسسات الثقافيةالرسمية(اتحادات الكتاب، النقابات الفنية، بيوت الشعر، الصالونات الأدبية...إلخ)، بحثاً عن تكريس وتزكية رسميين في التواجد الثقافي والإبداعي.
هل انتماؤك إلى المؤسسات الثقافية ضرورة وجودية؟ أم مجرد اختيار طوعي يروم تحقيق تواصل إبداعي وإنساني؟ ثم ما هو المُراهنُ عليه من
خلال هذا الانتماء؟


1 - عبد السلام العطاري شاعر وكاتب فلسطيني

الانتماء الفعل الجميل إذا كان يعني طهارة ما سيكون، وطهارة من يُكوّن ما سيكون، حال كان ذلك ضد ظاهرة الديكور الاجتماعي الذي يستغله البعض ليمنحهم تلميعاً ما، وكينونة ما.
والفعل الذي أذهب إليه كمنتمٍ للعديد من المؤسسات الثقافية؛ هو أن يجيّر من سيكون لصالح الهم الجمعي وليس لمصلحة الذاتي التي يشاغلها البعض في سياق فلسفة المنتمي إلى (المنتمى) إليه، إذا كان الهم الجمعي هو نتاج للمكوّن الذاتي فإن ضرورة الانتماء هنا حتمية وفريضة على ما يجد أن الثقافة تُسلب وتُنهب وتُغرّب وتُدجّن وتساق إلى فلسفة النفي وتعزيز مذهب النقيض الذي لن يكون هو (الآخر) وإنما هو الإحلالي الذي يحتاج أن يواجه ويرفض.
وإذا كان الانتماء ذاتياً ولمجرد (البريستيج) الثقافي بعد أن ينقضي فعل (البريستيج) الاجتماعي فإن ذلك لن يصبح ضرورة وجودية، وإنما يكون كارثة تحيق بثقافتنا التي يطاح بها بفعل أصحاب مدرسة (الأنا ولا غير بعدي) وهذا ما نجده أيضاً يستفحل ويستشري في مجتمعنا الثقافي العربي وخاصة بعد انتشار ظاهرة الـ ( NGOs) الثقافي والأموال التي تُضخ على مروّجي ثقافة السلب والتغريب وليس لثقافة التبادلية والمعرفة والتطور، وهناك من الشواهد التي أعلل بها هذا الرأي حين نجد بعض المؤسسات تنشغل بالتمويل على حساب النص والتاريخ والتراث وحين تجد أن المانح (يحرّضك) على أن تنشغل بثقافتك ويقول إن عمرها 150 إلى 200 عام وينسى أن ثقافتنا عمرها فجر التاريخ منذ أن كان كنعان العربي قد هبط أرضه وأسس أبجديته وحاك روايته، فهنا الخوف والكارثة التي تنطلي على البعض.
لذلك لا بد من ضرورة الانتماء على قاعدة أن الثقافة العربية والإسلامية لها من التاريخ ما يجعلنا نتجه نحو تشكيل جبهة عربية ثقافية قوامها رفض التدجين ورفض أن تساق إلى دروب مزروعة بياسمين وريحان تنتهي بنا إلى جحيم واندثار.

2 - ميلود بنباقي: قاص من المغرب

لا أعتقد أن الانتماء للمؤسسات الثقافية رسمية كانت أم غير رسمية، يمنح تكريساً ما أو تزكية للكاتب. فهذه المؤسسات والجمعيات لا تخلق كاتباً، وعدم الانتماء إليها لا يحول دون الانتماء لفعل الكتابة والإبداع الذي هو الانتماء الحقيقي لأي كاتب أو مبدع جدير بهذا الاسم.
الضرورة الوجودية الوحيدة التي أستشعرها هي ضرورة أن أحيا هذه الحياة بمباهجها ومتاعبها ومعها بهجة الكتابة وتعبها.. أما انتمائي لهذه الجمعية أو المؤسسة فمجرد اختيار طوعي يروم المساهمة الجماعية في إرساء مشروع ثقافي أو رغبة في الاحتكاك وتبادل التجارب والرؤى والأحلام أو الكوابيس حتى.
من خلال انتماء كهذا أراهن على الفعل بدل القول، والتقارب بدل التجافي والصراحة بدل النميمة والنصيحة بدل الحسد. أراهن على الانتصار لفعل الكتابة أولاً وأخيراً، وعلى تغليب الإبداع على المصالح الشخصية والمآرب الضيقة، وأحذر دائماً من أن تتحول الكتابة من انفعال ووعي وألم موقف وإدانة إلى مجرد سعي للحصول على بطاقات عضوية في مؤسسات ثقافية.

3 - لميس سعيدي شاعرة جزائرية

شخصياً لا أنتمي إلى أي مؤسسة ثقافية أو تجمع ثقافي من أي نوع، ولم أفكر يوماً في أن أكون منتمية إلى أي جهة أياً كانت أهدافها ومبادئها، لسبب بسيط، هو أن المثقف والشاعر بالذات، يعي تفرده وخصوصيته كإنسان قبل أن يكون شاعراً، هذا التفرد الموجود في كل إنسان والذي يغفل عنه معظم البشر بسبب ثقافة القطيع المتبعة في كل المجتمعات والتجمعات الإنسانية، على اختلاف أجناسها ومللها وسياساتها.
كما أنه يعي ضرورة الاحتفاظ بهذا التفرد وعدم طمسه, لأنه الدليل الوحيد على حريته وإنسانيته، هذا الصوت الداخلي الفريد هو المقام الذي به ينسجم مع سيمفونية الوجود والكون دون نشاز.
الشعر هو بالدرجة الأولى مراهنة على الفردية، وبالتالي الحرية وسط المجتمع الإنساني، هذه المراهنة لا تكون لصالح هوية محددة أو رؤية واضحة ومعروفة أو أي تصنيف من أي نوع، ولكنها رحلة بحث طويلة وتجريب واستكشاف.
وإلى حد الآن لا أفهم كيف يتنازل«المثقف» عندنا في العالم العربي، عن كل هذا ليكون مجرد مغن في جوقة، وغالباً كل ما يقوم به هو تحريك شفاهه خلف شريط مسجل.
المثقف هو من يلهم الآخرين الإنصات إلى أصواتهم الداخلية، المتفردة انطلاقاً من صوته الداخلي المتفرد، وتكريسه يأتي باتساع فضاء الأصوات المختلفة والأصيلة، وليس بطمس صوت جديد بصراخ التجمعات والتكتلات، التي إلى حد الآن لا تتوفر على الوعي المطلوب بالهم الثقافي كفكر حر، والحصن الأول والأخير لحرية الإنسان.

4 - محمد اللغافي شاعر من المغرب

ليس الانتماء إلى المؤسسات الثقافية ضرورة وجودية بالنسبة للمبدع الحقيقي، لأن البطاقة الوطنية أهم من حيث فلسفة الانتماء، فالمبدع ينتمي إلى وطنه، ثم إلى الإنسان عامة، قبل أن يكون منتمياً إلى جوقة صغيرة تمنحه بطاقة العضوية، حبذا لو يمنحوه بطاقة الانتماء إلى الحياة.

5 - دخيل الخليف شاعر من الكويت

لا أظن أن ثقافة حقيقية تنتجها أية مؤسسة رسمية في الواقع الراهن.. شخصياً لا أنتمي إلى أية مؤسسة تقع تحت هذا العنوان لأسباب عدة أبرزها أنها تنتج «ثقافة موظفين».. لن تخرج عن السائد ولن تتحرر من قيود وزارات الثقافة التي تخضع لمزاج السلطة.. صحيح أننا في الكويت على سبيل المثال لدينا هامش من الديمقراطية يسمح لنا بحرية التعبير التي كفلها الدستور.. لكن هذه الحرية لها اشتراطاتها أيضاً. في الواقع إن المؤسسات الرسمية العربية تحديدا تحولت إلى أوكار لأشباه المثقفين.. وهذه الأوكار تجد رعاية مطلقة من الحكومات.. لكون الثقافة من عوامل تعرية السلطة، وبالتالي تريد هذه السلطات في بلداننا العربية الابتعاد عن وجع الرأس.. فكل روابط الأدباء واتحادات الكتاب في دولنا العربية ليست مكاناً لحرية الرأي والتعبير، لأن وجود أعضائها مرتبط بشروط حكومية من جهة وهيمنة شخصية خارجة عن قيم الأخلاق والثقافة من جهة أخرى.
رابطة الأدباء عندنا في الكويت مثلاً.. يسيطر عليها الكهول منذ العام 1964 ( أي منذ تاريخ ولادتي ).. وهؤلاء ضمنوا الجلوس على مقاعدهم الوثيرة نتيجة منحهم عضوية الرابطة لأناس من الشارع.. أي من غير المشتغلين في الثقافة.. لا يراهم المثقفون إلا وقت التصويت على اختيار مجلس إدارة جديد كل عامين!! إذن أي ثقافة يقدم هؤلاء؟ وهل الانتماء إلى هكذا مكان موبوء أمر مشرف؟
الأمر يبدو مشابهاً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.. فهو على الرغم من ميزانيته الضخمة التي تصل إلى 12 مليون دينار سنوياً.. إلا أنه خاضع لسلطة الموظفين.. ولن تجد بين موظفيه الذين يتجاوزون 600 موظف أكثر من ثلاثة يعملون تحت سقف الثقافة !
لكن الأغرب في المشتغلين بهذه المؤسسات.. أنهم يبادرون إلى الغضب والشكوى إلى رؤساء التحرير إن انتقدتهم.. ولن يبادروا بالرد.. لأنهم لا يملكون الحجة.
..بعد ذلك.. هل نراهن على منتج إبداعي من هؤلاء؟

6 - سامي دقاقي كاتب مغربي

المثقفون والمبدعون صنفان، فهناك من يبدي حساسيّة - تختلف درجة حدّتها- إزاء «المؤسّسة»كيفما كان الشكل الذي تمثله، اعتقاداً منهم أنّها تتحدث باسم السلطة قليلاً أو كثيراً، وعلى الطرف النقيض هناك مثقفون ومبدعون آخرون «يسيلون» في حضن المؤسسة، وهم قبل ذلك ينصبون حيلهم ويَبْرُدُون وسائلهم من أجل الظفر بموضع رأس في كنفها. والحالتان في اعتقادي تمثلان تطرّفاً في الفكر والرؤية لا يخدم معنى الثقافة ولا يبرز فاعليّة الانتماء الحقيقي للمجتمع والعالم على حدّ سواء.
إنّ الانتماء إلى المؤسسات الثقافيّة ما هو إلاّ شكل من أشكال تفعيل الوجود وإثبات الهويّة، وليس الشكل الوحيد بطبيعة الحال. وعليه، فإنّ الانتماء إلى هذه المؤسسات ليس ضرورة وجوديّة وشرطاً هوياتيّاً، بل إنّ الانتماء إلى الثقافة والفعل الثقافي عموماً هو الضرورة التي يقوم عليها مبدأ الوجود الإنساني وشرطه، وتظلّ المؤسسة الثقافيّة (في معناها الحقيقي) نواة تواصل وإشعاع وتلاقح إبداعي ومعرفي وإنساني، ومولّداً للحراك الثقافي الخادم لجوهر الإنسان، أي أنّ المؤسسات الثقافيّة تبقى وسيلة في نهاية المطاف وليست غاية يقتتل من أجلها الأصدقاء والخلاّن كما يحدث في عصرنا.
السؤال الذي يتصادى داخلي الآن(وأعتقد أنه يفعل كذلك لدى الكثير من الكتاب والمبدعين والمثقفين): هل لازالت مؤسساتنا الثقافيّة في العالم العربي تضطلع بنفس الدور كما من قبل(وأستحضر هنا سوق عكاظ- بيت الحكمة-الصالونات الأدبيّة وغيرها، باعتبارها مؤسسات ثقافيّة بشكل أو بآخر)؟ وهو سؤال الأدوار والفاعليّة، وليس سؤال الوجود المجاني والتأسيس التراكمي الفجّ(تفريخ المؤسسات /الأرقام).
فحين يقتصر دور المؤسسة الثقافيّة مثلاً على مجرّد الظهور في مناسبة معيّنة، أو مجانبة الأسئلة الحقيقيّة والعمقيّة للوجود الإنساني، والتغاضي عن الحاجات الأساسيّة والملحّة والراهنة للمثقف والمبدع، أو تسعى إلى تنميط المثقفين وقولبتهم، وقتل إبداعاتهم، ومصادرة حقهم وحريتهم في النقد الجادّ، والمكاشفة البناءة، فإنّها في اعتقادي تصبح أشدّ خطراً من أيّ سلاح، لأنّ إبادتها الرمزيّة تنتقل عبر الأجيال، فتنتج إنساناً سالباً لا يشدّه إلى الإنسان الحقيقي غير التسمية، أي إنساناً ميّتاً منذ البداية، ولعلّ تمظهرات هذا الدمار الشامل هي ما نعيشه في عصرنا الحالي جرّاء مغادرة الكثير من المؤسسات الثقافيّة لدورها العضوي منذ عقود.
تأسيساً على ما سبق، هل مازال لدينا الوقت كي نراهن على أمر ما من خلال الانتماء إلى مؤسسة ثقافيّة؟ طبعاً لايزال لدينا الحق والوقت، لكن قبل ذلك يجب أن نهمس في آذان المسؤولين داخل هذه المؤسسات: الأفكار الجميلة وحدها لا تكفي، بل يجب أن يعضّدها العمل الميداني الجادّ والمسؤول، وترفدها أخلاقيّات الإنسان الحرّ والناقد، وقبل ذلك يجب أن يقودها الانتماء الحقيقي المؤسس على الشعور العميق بقيمة الثقافة والعمل الثقافي والمسؤوليّة الثقافيّة والالتزام من داخل الإطار الثقافي، كما أنّ حضور المؤسسة وفاعليّتها في تكوين الفرد وتنويره والإنصات إليه، والإنصات به إلى الآخر، وفتح المجال أمام طاقاته وقدراته بغضّ النظر عن أيّ مؤثرات «خارج- ثقافيّة»، هي من بين الأولويّات التي نراهن عليها من أجل استنبات وعي أصيل بالوجود، ومن ثمَّ امتلاك القدرة على تغييره كلما دعت الضرورة.
إنّ فاعليّة المؤسسة الثقافيّة في بلداننا العربيّة لا يمكن أن تتحقق إلاّ في ظلّ شرط أساسي يتجلى في وضوح الأجندة الثقافيّة لهذه المؤسسة، ومحافظتها على الثوابت المبدئيّة للهويّة العربيّة، وإثرائها بالانفتاح الإيجابي على الآخر، وقبل ذلك تخليق آليّات العمل داخل أجهزتها، وتجسير العلاقة أفقيّاً وعمقيّاً مع الثقافات المجاورة أو المتعايشة معها في إطار فسيفسائي.

7 - سعيد هادف شاعر جزائري مقيم في المغرب

الانتماء إلى مؤسسة من المؤسسات الثقافية مسألة تمليها الضرورة، إنها بشكل من الأشكال تجسير للعلاقات وتدبير للطاقات على نحو أكثر مردودية واتساعاً. غير أن المسألة تبقى مشروطة بجودة الروح الجماعية التي تقود هذه المؤسسة، فالعمل المؤسساتي هو عمل جماعي بامتياز، وكلما خضع لضوء الديمقراطية استطاع أن يحافظ على جوهره. فالشفافية وتكافؤ الفرص وحسن التدبير هو جوهر العمل المؤسساتي، وإذا تنكر لهذه المبادئ انقلب إلى ضده وبالتالي سيكرس ثقافة الاحتكار والاستبداد وإفساد المشاعر والعلاقات.

8 - أسمهان الزعيم شاعرة وروائية من المغرب

مما لا شك فيه أن كل مبدع يطمح إلى تحقيق ذاته في الحقل الثقافي بمنجزه الإبداعي أولاً، وانخراطه في المؤسسات الثقافية بشتى أشكالها ثانياً، وهو بذلك يبحث عن موطئ قدم في ساحة الإبداع وعن اسم شرعي تزكيه رسمياً هذه المؤسسات الثقافية، وهو مطلب وطموح مشروعان. لكني شخصياً لا أنظر إلى المؤسسات الثقافية إلا من زاوية نشاطاتها، ومصداقيتها، وجدواها. فالمؤسسة الثقافية الحقة هي التي تحتفي بالإبداع أيّاً كان صاحبه، وتشجع المبدعين على السير قدماً لتحقيق الذات، مشركة إياهم في جل نشاطاتها، وقراراتها، ومحفزة إياهم بجوائز الاستحقاق. هذه المؤسسة بالذات هي التي أرى ضرورة الانتماء إليها لما تتسم به من بعد إنساني شمولي وتواصل إبداعي خلاق.

9 - المهدي لعرج شاعر وناقد من المغرب

بالنسبة إليَّ الانتماء إلى المؤسسات الثقافية لا يعد ضرورة وجودية، ولا ينبغي له أن يكون كذلك.
والذي يعد ضرورة وجودية بالفعل هو فعل الكتابة نفسه. فالكتابة تسعى إلى التجاوز المستمر، والكاتبُ حتى في كتابته الإبداعية ناقدٌ من الطراز الرفيع. وهو يمكنه أن يفعل ذلك عن قناعة وباستقلالية وحرية، إذا أراد. أما المؤسسات فبحكم طبيعة تكونها: بحكم طبيعة بنيتها وطريقة اشتغالها ووظيفتها الاجتماعية والسياسية والثقافية تنزع دوماً نحو المحافظة والاستقرار. ولا توجد هناك مؤسسات ثقافية يمكن أن تقوم بفعل النقد والهدم والتحريض، كما يمكن أن يقوم بذلك الكاتب نفسه. لأن المؤسسة الثقافية تشتغل من داخل نسق أكبر منها هو الدولة أو الحكومة أو القبيلة أو الحزب أو المجتمع برمته. لذلك لا يمكن أن تشتغل في حياد، وهي في نفس الوقت تطلب الدعم من تلك الجهات لتحافظ على وجودها. إن أي مؤسسة ثقافية مهما ادعت الاستقلالية، ومهما اشتغلت بدينامية نشيطة ومهما توفرت على نسق داخلي خاص فهي جزء من بنية أكبر ونسق أشمل. والمؤسسة الثقافية التي سوف لن تنضبط لقوانين اللعب، بحيث تعيد إنتاج خطاب ذلك النسق الأكبر، وتضمن انسجامه سوف تُحاصر بكل بساطة إلى أن تموت.
وفي خضم هذا الإشكال كثيراً ما ينتسبُ الكُتاب إلى بعض المؤسسات الثقافية تحت ضغط الحاجة إليها، لظروفهم الخاصة طبعاً. لا أنكر أن الاختيار الطوعي حاضرٌ في هذا الانتماء، سواء تم ذلك من أجل تحقيق التواصل الإبداعي والإنساني، أو من أجل تحقيق شيءٍ آخر. لكنني أعتقد أن الاختيار الطوعي الأهم، الذي يجب أن يرعاه الكاتب هو الانتماء الحقيقي لأفق الكتابة، والصبر على السير في دربها الطويل، الدرب المليء بالأشواك والتحديات. أما إذا كان قصارى جهد كاتبٍ أن يحصل على بطاقة عضوية في جمعية أو مؤسسة ما. فذلك يدعو للحزن والشفقة، ويؤشر إلى درجة ضحالته ومبلغ فشله. المؤسسة في الحقيقة هي التي تعمل على استقطاب المثقف واحتواء الكاتب. والكاتب الحقيقي يفعل ما في وسعه من أجل الممانعة في سبيل الحفاظ على حريته واستقلاله.
غير أن كل ما سبق لا يمنع قيام بعض الصداقات، أو نشوء حساسيات فكرية وأدبية يجتمع أفرادها على مشروع واحد، أو حلم ما. ومثل هذه الأشياء هي التي تساهم في تطوير الكتابة وأشكالها.

10 - سعدية مفرح شاعرة من الكويت

الحديث عن المؤسسات الثقافية الرسمية في البلاد العربية حديث يطول، ورغم خصوصيته المستمدة من نشأته ضمن سياق تاريخي واجتماعي وثقافي معين، إلا أننا لا يمكننا الحديث عنه بمعزل عن سياقه العام، وبالعودة سريعاً إلى الوراء نجد أننا في الوطن العربي بدأنا نشهد منذ الخمسينيات الميلادية، أي بعد ثورة يوليو 1952 المصرية تحديداً،? قيام وزارات للثقافة أو مجالس وطنية وقومية للثقافة لها نفس المهمات تقريباً، ويبدو أن هذا «النموذج» قد انتقل إلينا من البلدان الاشتراكية، حيث اقتبسته منها بلدان الأنظمة العسكرية قبل أن يجري تعميمه في معظم البلدان العربية الأخرى.
ومع أن هذه الوزارات والمجالس والمؤسسات الثقافية في البلاد العربية قد لعبت وما زالت تلعب دوراً لا يجوز إنكاره في تعميم الثقافة في الأوساط الاجتماعية المتوسطة والفقيرة، على أكثر من صعيد وعبر أكثر من وسيلة، إلا أنها وفي نفس الوقت خلقت كثيراً من الإشكاليات لا بد من التوقف عندها جميعاً لوضع الأمور في نصابها: من هذه الإشكاليات مثلاً خلط «السياسي» بـ «الثقافي» مع ما يعنيه ذلك من إخضاع الثقافة للقرار السياسي للدولة المعنية، وبالتالي تحويلها، أي الثقافة،? إلى أداة صراع سياسي، داخلي وخارجي، وصولاً إلى الحديث عن «الأمن الثقافي» بكل ما يعنيه مصطلح «أمن» من انغلاق وحذر تجاه الآخر وتجاه الخارج،? والإشكالية الثانية التي أود أن أشير إليها باعتبارها نتيجة طبيعية لظهور هذه المؤسسات الثقافية الرسمية هي خلط «الثقافي» بـ «الإعلامي» وصولاً إلى إخضاع الثقافة لضرورات المعركة الإعلامية التي تتلاءم مع خصوصية الثقافة وضرورة الحفاظ على استقلاليتها.
أما الإشكالية الثالثة فهي احتكار الحركة الثقافية وتحويلها إلى حركة رسمية لتهميش كل ما هو خارج أسوارها من حياة ثقافية خصوصاً عندما تشمل سلطة هذه المؤسسات? مجالات الثقافة كلها من أدب ومسرح وسينما ونشر...إلخ..
وأنا بشكل خاص لست عضوة في أي مؤسسة ثقافية لا على الصعيد الرسمي ولا على الصعيد الأهلي أو المدني، لأسباب خاصة وعامة، دعني الآن أتكلم عن الأسباب الخاصة التي? تتعلق بنفور شخصي لديّ من كل ما هو مؤسساتي في عالم الإبداع، وقد ارتحت كثيراً لقراري بالابتعاد عن كل ما هو مؤسسة إبداعية على صعيد الانتماء اليومي أو الفعلي، ولا أتعاطى مع هذه المؤسسات إلا عبر تلقي ما تنتجه فقط.

11 - منير الإدريسي شاعر مغربي

أؤمن جيداً بأن الفن عموماً، والكتابة على وجه الخصوص، هي الفعل الإنساني الأكثر تعبيراً عن تميز هذا الكائن عن باقي الموجودات الأخرى. هي موقف ونظرة في الذات والعالم. الكاتب يملك عيناً ومخيلة وموقفاً، وهو يحاول باستمرار أن يطور لغته ويوسع إمكانات نصه، ليقترب أكثر من ترجمة شعوره. إنه خياره الفردي، مسألته الوجودية، ولا علاقة لهذا كله بالمؤسسات. إنها مجرد إطار لا غير، لن يضيف إلى الكاتب أي امتياز في نظري، اللهم، إلا إذا كان الأمر متعلقاً بسعي الكاتب نحو بناء جسر من التواصل داخل إطار يمثله ويدافع عنه. البعض يسعى لأن يكون عضواً لأن العضوية شرف بالنسبة إليه. ويتخدها كوسيلة لتكريس نصه الرديء.. وللأسف يجد الكثير لينصت إليه لأننا لسنا قراء ذوي خبرة، وأكثر كسلاً. وهذا ينطبق بشكل أكبر على الناشرين. فالمشرفون على النشر في المواقع الإلكترونية أو الورقية يكفيهم الختم الذي يوجد أسفل النص. بل أصبح يتقدمه أحياناً كثيرة. إنه جواز مرور إلى القارئ. وتلك هي المعضلة الشائكة. على القراء أن يتحرروا من سلطة التكريس وأن يتواصلوا مع النص فحسب.
في نظري ليس للانتماء أية قيمة تزيد من قيمة النص وقيمة كاتبه، لأن الذين يتكئون على العضوية فقط باطلون، ومارون بخفة لا تحتمل.
بالتأكيد، لا يشكل لي الانتماء مسألة وجودية سواء أكنت منتمياً أم لا، فليس للأمر أهمية كبرى. إن الأهمية هي أن أستمر، وأطور تجربتي لا غير. ما أراهن عليه من خلال الانتماء هو أن يتم دعم الكاتب سواء من خلال نشر أعماله، أو تحسين وضعه الاجتماعي والصحي، ودعمه معنوياً، والدفاع عن حقوقه. كما يشكل الانتماء قوة ضغط في عالم لا يؤمن إلا بالتكتلات. التفكير في سبل الرفع من الشأن الثقافي في المجتمع.

12 - قيصر عفيف شاعر لبناني مقيم في المكسيك

ليس الانتماء، يا عزيزي، إلى جمعيات ونقابات ورابطات ضرورة وجودية، إنه اختيار. لا يضيف شيئاً.. تكمن الضرورة في خروج الإنسان من عزلته الكيانية. لهذا يلجأ إلى الالتقاء بالآخر في نقابة، أو بيت أدبي، أو غيرها من الوسائل. إنه مجرد لقاء في مكان، أما على مستوى اللقاء الكياني، فيتم عندما تتمتع بالعمل الفني، رسماً، رقصاً، غناء، وتشارك صاحبه المتعة التي شعرها عند كتابته.
ربما نشأت النقابات للدفاع عن أصحاب المهنة، ومصالحهم، ولكن الحقيقة أنها ما إن تتأسس حتى تنزلق إلى أوحال السياسة والسيطرة على الآخر. من هنا تجد الصراع على الرئاسة في معظم ما نعرف من رابطات وجمعيات. مع المواقع الإلكترونية انكسرت حدة هذه الشهوة، ليس هنا من يسيطر على الآخر، بل الحرية أن تفتتح الموقع الذذي يروق لك.
أنا شخصياً لم أعرف ولن أعرف الانتماء إلى جمعية، لأن همي أن أعمل مع الآخر.

13 - شكيب أريج كاتب وقاص من المغرب

يتبادر إلى الذهن مباشرة عند قراءة العنوان «المبدعون والمؤسسات الثقافية..» مسيرة التضاد واللاتوافق، والسبب يرجع بالأساس إلى الذاكرة الثقافية التي ترزح تحت ضغط تاريخي خلافي تناقضي، بين العديد من المؤسسات الثقافية الرسمية واللارسمية وبين المثقف/المبدع.
لذلك لا غرابة أن يحذرنا المرحوم إدوارد سعيد في كتابه «صور المثقف» 1996 ممن اصطلح عليهم «المثقفون اللقطاء» أو «مثقفو المقاسات» الذين ينتشرون على حد تعبيره دائماً كفطر ذري سام. وهو ما يبرر أن يطلق علي حرب رصاصة الرحمة على المثقف/ المبدع في الطبعة الثانية من كتاب «أوهام النخبة» 1998 هذا كله لا يمنع من أن ينخرط المثقف المبدع في المؤسسات الثقافية الرسمية أو اللارسمية ولا يقلل من القيمة الإبداعية والثقافية لأسماء أسست للفعل الثقافي والإبداعي من داخل وخارج مؤسسات رسمية (علي عبد الرازق من داخل هيئة كبار علماء الأزهر/طه حسين وقد تقلد عدة مناصب ثقافية رسمية/ الطاهر وطار مديراً سابقاً لإحدى إذاعات الجزائر ومديرا لجمعية الجاحظية/ محمد برادة رئيساً لاتحاد كتاب المغرب سابقاً..) وحتى إن لم ينخرط المثقف/المبدع في هذه المؤسسات فبالإمكان أن يواكب حراكها الإيجابي ويصوب وينتقد مساراتها المنحرفة، فتلك مسؤوليته التاريخية.
بالعودة إلى أن الكتابة قد تتحول كما جاء في ديباجة السؤال إلى انصهار كلي يتغيّا كسب بطاقات عضوية للانتماء إلى هذه المؤسسات لابد من أن أفتح أقواساً للتأكيد على أن الكتابة هي حاء الحياة(أحمد بوزفور)، وإثبات الوجود(محمد شكري)، وتعبير وتواصل (إدريس الشرايبي)، ولعنة وسجن مؤبد (عبدالله العروي)، وإدارة النرجسية(عبد القادر الشاوي)، وامتحان عسير(المهدي المنجرة)، وألم ضروري (محمد برادة)، ومعنى للوجود (خناثة بنونة)، وإن كان لا بد للتذكير بأن المثقف/ المبدع هو من يصنع المؤسسة لا العكس، فإن أدونيس محق جداً حين يقول: «في نظام، كثيراً ما كان الإنسان فيه كرسيّاً للإنسان».
إن مطب السؤال يفتح أمامنا الخيارات نفسها التي طرحها أمامنا المفكر الفرنسي «ريجيس» حين قال إن المثقف اليوم إما أن يصبح ممثلاً فاشلاً أو مفوهاً وواعظاً (الارتماء في أحضان المؤسسات)، وإما أن يتخلى عن الالتزام وممارسة التأثير ويصبح أسير صفاء عزلته (خيار البقاء في الأبراج العاجية دون الاقتراب من المؤسسات).
في اعتقادي أن الانتماء إلى المؤسسات ليس خياراً بل أمراً حتمياً يقطع الطريق على كل كُويتِب أو كَتْبوب لأن المثقف/المبدع الحقيقي يغدو مسلحاً بسلاح الإعلام وفوقه سلاح الكتابة الحقة، أما الكويتب بدون امتلاك مخاض الكتابة وابداعيتها فيغدو جعجعة ولا أرى طحناً. ولنا خير مثال في عمر أوكان الكاتب المغربي الذي فرض اسمه في تاريخ اتحاد كتاب المغرب رغم أنف كل كويتب أو كتبوب.ثم إن المثقف/المبدع المنعزل هو كالمسرح بمقعد واحد.
ألم يحن الأوان أن يجلس المثقف/المبدع فوق الكرسي الذي يستحقه لا خلفه أو تحته وأن يعوض المثقف الموظف بالمثقف الإنسان، والنساخ بالكاتب؟

14 - وفاء شهاب الدين قاصة وروائية مصرية

فعل الكتابة متمرد يأبى الظلام، يعشق الظهور وإلا لاكتفى كل كاتب بإخراج تلك الدفقات الشعورية على الورق، وألقى بها إلى أقرب درج ولم يهتم بنشرها وعرضها على القراء لتتحقق له متعة إضافية وهي الإعجاب بما يخطه، أما عن اتحادات الكتاب وغيرها من المؤسسات فهي ضرورة لتنظيم الوسط الثقافي، وقوانينه هي التي تفرق الكاتب الموهوب وغيره، كما أن وجودها ضرورية كنقابة يلجأ إليها الكاتب في حال الاحتياج وفوق ذلك فهي تمنح الكتاب القدرة على التواصل والثراء الفكري والمساندة المعنوية التي يحتاجها بعض الكتاب أحياناً عندما يتعرضون لأزمة. كما أنها تدفع الكتاب لتقديم أفضل ما لديهم من خلال التنافس الشريف، ومن هنا فهذه المؤسسات تلعب دوراً هاماً في انصهار الكاتب داخل المجتمع والتعبير عن قضاياه وهمومه.

مجلة الرافد, العدد:١٥٣ مايو٢٠١٠

ليست هناك تعليقات: