الأربعاء، 3 نونبر، 2010

السرد اللامتصل والعالم اللااعتيادي في عيون الفجر الزرقاء


السرد اللامتصل والعالم اللااعتيادي
في عيون الفجر الزرقاء* لإدريس الجرماطي

(كمن يمسرح الماء على ركح هو الرمل)، هكذا تجد المبدع ادريس الجرماطي عكس الاتجاه يكتب رواية لا كالروايات، ويحاول أن يرقى بالسرد إلى مدارات غير اعتيادية، فكل شيء في "عيون الفجر الزرقاء" لا اعتيادي، بدءا بالشخوص وأسمائها مرورا باللغة والفضاءات.
وقبل أن نقتحم بوابة الملكوت اللااعتيادي لا بأس أن نذكر أن ادريس الجرماطي كاتب عصامي كون نفسه بنفسه، صدرت له رواية "رحلة في السراب" وله تحت الطبع مجموعة قصصية تحمل عنوان "رقصة الجنازة" أما الرواية التي نحن بصددها "عيون الفجر الزرقاء" فهي الصادرة عن مؤسسة سندباد للنشر والإعلام، تتكون من فصلين ومصدرة بمفتتح يوضح فيه الكاتب طبيعة الرسالة الكونية للرواية: "عيون الفجر الزرقاء رسالة البحث عن الحقيقة التي لأجلها خلق الإنسان" وعلى صفحة الغلاف الخلفية كلمة مقتضبة للكاتب الناقد المصري ابراهيم محمد حمزة يلخص فيها بأسلوب دقيق وبليغ حالة ادريس الجرماطي الروائية فهو صاحب عوالم غير معتادة " لا يترك للقارئ حقه في الشعور بالطمأنينة" لأن لغة الرواية -حسب نفس الناقد دائما-" لا تؤسس لسردية متصلة" وهي تنفت حسا صوفيا عجيبا وتنضح إنسانية.
الحق في الطمأنينة هو ما يصر ادريس الجرماطي على نفيه في ابداعاته، لذلك فهو أكثر إذعانا لسردية-لامتصلة، ولغة لامطمئنة، وشخصيات لا اعتيادية ولسان سرده يقول: اللذة قليلة والحيرة كثيرة.

في المقام الأول من الرواية" مقام البداية أو الولادة اللاتكتمل" نعيش أجواء لامكتملة ولامنتهية ينحث من خلالها الكاتب ادريس الجرماطي شخصيات "الأخوة الثلاثة" والأم وحامل هم المعاش والمولود عبر تيار فكري عميق يطمح إلى " تضمين وعينا طرائق جديدة للوجود"1ا وفي هذا الجزء يؤسس الكاتب لأرضية صلبة حين يحتفي بالموطن الأصل "تازاغت" ويجعل منه بؤرة تعالقات، فأهمية المكان تكمن في كونه " يتعالق بشدة مع بنى النص الأخرى ، تعالق المكان بالزمان، تعالقه بالشخصيات، تعالقه بما هو واقعي وتخييلي 2
ورغم ذلك فالمكان "تازاغت" لا يمكن أن يكون بوصلة تحفظ توازن القارئ في عوالم أراد لها كاتبها أن تكون مقلقة ومستفزة.

في الجزء الثاني "الاستنارة أو الرحلة لاتنتهي" تبدو الأسئلة أكثر إزعاجا بإلحاحها، وغموضها، ولغتها، إنه الالحاح الذي يوازيه الواجب الإنساني الذي يحفز الكاتب، وهو وضوح الوضوح الذي يبدو غموضا، وبساطة اللغة التي تبدو مركبة. هكذا حين نمعن الرؤية تتبدى لنا الأمور: " المولود يحكي قصة لوحة شبه مبعثرة في خياله البسيط والمعقد في الوثيرة نفسها، وكما تبدو له اللوحة يسرد."
هل وصلت الرواية إلى مرحلة التخلص من "إسار السرد الأفقي وصورة الواقع والبطل واللغة والمعمار الفني ورؤى العالم؟" (ص09)
من المبكر القول بذلك رغم أن طريقة الجرماطي السردية فيها الكثير من المغامرة على مستوى السرد الذي يعمد إلى نزع مفاتيحه من القارئ، وعلى مستوى اللغة التي تؤسس لبلاغتها الخاصة على مستوى الرؤية التي تحمل معنى أكبر من الشكل التغييري نفسه ( الرواية): " ضاق المعنى، ولم يجد حتى لنفسه مقرا" (ص73).
في الجزء الثاني من رحلة " عيون الفجر الزرقاء" تظهر شخصيات جديدة: تيوتاهان، ساندرا، الشيخ.. لتزداد إشكالية الإنسان عمقا، وهي الإشكالية التي يقول عنها المولود: " إشكالية أن يعيش الإنسان إشكالية نفسه، في ضوء وضع الإنسان قبالة الآخر الذي يوحي له أصلا بانزلاق الأفكار، وانهيار في الرؤى لمجرد أنه إنسان" (ص78).
الخطاب التخييلي مغلف بنتوءات فكرية في رواية "عيون الفجر الزرقاء"، بمعنى أن السرد يرزح تحت ثقل الخطاب المعرفي رغم محاولات مبدعة في خلق ارتجاجات للمعنى توقظ الجهاز التأويلي، فما بين حث القارئ على صوغ أطروحة وأن يكون فاعلا، وبين فرض أطروحات معرفية تدفع القارئ في اتجاه معين يتموقع هذا السرد منجذبا لسحر وفتنة وحبكة السرد تارة، ومنغمسا في لعنة الفكر والأطروحات الفلسفية تارة ثانية.
جميل أن يكون الغموض خاصية في طبيعة التفكير الروائي، فهو قد مكن إلى حد بعيد من احتواء روح شاعرة ومفكرة، لكم في اعتقادي- الخاص- لا ينبغي لهذا الغموض أن يمتد ليكون خاصية للتعبير اللغوي. والكاتب إذ جازف واختار رؤية ملغمة متشضية متفجرة ومتضمنة في لغة عصية مركبة ومزعجة ومستفزة، يكون كمن صب الزيت على صفيح ساخن وفق استراتيجية روائية مغامرة تتغيى فتح أفق روائي لا اعتيادي.

ما أحوجنا إلى كاتب يؤمن أن ظهر الأفق ينحني حين يمارس طقوس الكتابة. إن عدم الإيمان بالمستحيل في الكتابة هو ما يميز كاتبا من طينة إدريس الجرماطي، يكتب ولسان حاله يقول:
أرأيت
أرأيت أيها الشخص الذي
يتكاثر
في
مكاني
أرأيت كيف تكون الثقة
بما لا يرجى4
إن رؤية الجرماطي أكبر من قارب اللغة الصغير الذي يمخر به عباب بحر الإبداع، لكن مجداف الإرادة يهزم المستحيل، فللقارئ أن يقرأ وللكاتب الإصابة في الرؤى.
شكيب أريج
29/07/2010

هوامش:

* عيون الفجر الزرقاء- ادريس الجرماطي- سندباد للنشر والإعلام- القاهرة –الطبعة الأولى 2009
1- الفيلسوف الأمريكي ريتشارد روتي- عن كتاب " الأدب في خطر" لتيزفيطان طودوروف- ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي- دار توبقال للنشر- الطبعة الأولى- 2007-ص47
2- اليناء الفني في الرواية الكويتية المعاصرة- زينب عيسى الياسي-مجلة البيان- العدد473- ديسمبر2009.-ص20
3- عبد العاطي الزياني "السرد والتأويل: دراسات في الرواية والقصة"- الطبعة الأولى 2009.- ص09
4- محمد بنطلحة- ديوان ليتني أعمى- ص264

ليست هناك تعليقات: