الخميس، 15 ماي، 2008

بقلم : شكيب أريج
مقررات التسطيح والتلجيم
مقرر السنة الثانية إعدادي (المرجع في اللغة العربية) نموذجا

هو المرجع إلى بطن الخرافة والرجوع ارتدادا إلى سلطة فكي أسنان شيخ القبيلة، هو مقرر ينهل من فناجين القهوة العربية أو هو- الكتاب- حذاء صيني ضيق أريد له أن يكون قالبا للعقول الصغيرة فلا تنتج غير أفكار مكعبة وتمثلات مسطحة.
يقول المفكر عبد الله القصيمي: (الغباء مثل الخبز غداء يومي للجماعات..) هكذا يستجيب مقرر (المرجع في اللغة العربية) –السنة الثانية- إلى ما يطلبه الجميع، في حين أن المثقفين باعتبارهم جماعة صغيرة من ملوك حكماء يتحلون بالموهبة الاستثنائية والحس الأخلاقي العالي هم أولى وأحق ببناء ضمير الإنسانية من جماعة الميكانيكينن الرسميين، هؤلاء الذين كلفتهم الوزارة الوصية بعد أن وضعت في عيني كل واحد ضوءين أحمرين فاقتصرت مهمتهم على التسطيح وتقديم مقرر غريب عن التلميذ، بعيد عن احترام الكيان الإنساني.

1- ملاحظات حول النصوص الشعرية:
مع احترامي الكلي لمهنتي الخباز والعطار، فإن بعض المتطاولين على هذه المهن الشريفة أساؤوا إليها، إذ لم يجدوا بدا من اقحامها في ميدان التعليم، فاشتغلوا بتعليب العقول وتقديم الخبز المحترق المسمم، فهذا مقرر الشعر ينعي حظه، فقد غاب فطاحلة الشعر وأسياده من أمثال المتنبي والمعري وعنترة، واستبدلت الرخاخ بالبيادق، فالأسماء التي أقحمت هي أسماء باهتة ليس لها أثر في حدائق الشعر الغناء.
ثم إن اختيار القصيدة خضع لاعتبارات ضيقة وولاءات ظاهرة، فقد انصبت أولوية واضع المقرر على ربط القصيدة بالمجال وذلك على حساب غايات الشعر المثلى (التهذيب، ترقيق الحس، التربية الموسيقية، التأمل والتساؤل..) هذا التصور المبسط والسطحي للمجالات أدى إلى طرح مبتذل واستهلاكي للقضايا
- البعد الحضاري في القصيدة ، هو أعمق من الوقوف عند المخترعات والزخارف والنقوش والحيطان. وذاك هو الفخ الذي وقعت فيه قصيدتي "غرناطة" لنزار قباني و"مركب العلم" لأحمد البورقادي.
- "وطن الكرام" قصيدة لحسن السوسي تنقل لنا الوطن جسدا بلا روح، تكرس الحس المنعدم بالوطن وتسهم إلى حد بعيد في ترسيخ شعور النقمة على الوطن، فالرصاصة التي لا تصيب هدفها في ميدان الشعر هي رصاصة ترتد على صاحبها.
- "الفن الجميل" و" المسرح" من النصوص الشعرية المندرجة في المجال الفني والثقافي ، والغريب أن القصيدة في حد ذاتها محمول ثقافي وفني فما الداعي لحضورها معرفة بالفن أو إشادة به وتمجيد له. لكن إلزامية المجال الحرفية أملت على واضع المقرر الالتزام بضوابط التصنيف والانتقاء بشكل ببغائي يدعو إلى الحسرة.

2- ملاحظات حول نصوص المجال الحضاري:
لا بد أولا من وقفة متأنية فاحصة للمنهج الذي قسم على أساسه الكتاب، وأقصد نظام الوحدات، وقد آثرت أن أقتصر على هذه الملاحظات حول النصوص النثرية للمجال الحضاري، من باب قياس الجزء على الكل، ومن باب إذا ظهر المعنى فلا فائدة من التكرار، وملاحظاتنا على هذا المجال تغنينا عن الاستفاضة والوقوف عند نصوص كل محور على حدة.
يقول الفيلسوف الألماني هيدغر "إن الأمة التي لا تنتج تصورات لا يمكن أن تسير إلى الأمام" من هذا المنطلق نؤمن بأن تقديم النصوص واختيارها يجب أن ينبثق من رؤية واعية ورحبة، وأن لا يكون الهاجس الأكبر هو التلجيم والتنقيح إلى حد الوسوسة الفكرية.
إن غياب تصورات مؤسسة هو ما يجعل النظرة في غاية التبسيط والتسطيح لمفهوم الحضارة، فاختيار النصوص ينبني على ترسيخ تمثل ذهني عند الطفل يحصر فيه الحضارة في الزخارف والمخترعات.
يبدو أن النص الأول "التفاعل الحضاري" لقدري طوقان قد نجح إلى حد ما في تقديم مادة دسمة لترسيخه لفكرة مفادها أن الحضارة ارتقاء ولبنات. لكن النصوص التي حصرت معنى الحضارة في التقنية تكرس فهما براكماتيا ماديا لا يرقى إلى الغايات المنشودة في مقرر ينشيء الأجيال.
الأدهى والأمر أن الكثير من المعلومات المتقادمة والغير مشوقة قد وجدت مكانا لها في كتاب الغرابة هذا.
طريقة تقديم هذه النصوص -هي الأخرى- يعتريها خلل واضح، فغياب التشويق والأسلوب السلس هو ما يحكم هذه الاختيارات، اللهم إلا إذا استثنينا نص "الطاقة الذرية" للكاتب أحمد زكي، وهو المعروف بأسلوبه المجتذب للقارئ الصغير.
ولنا في نص "الآلة الحاسبة" مثال على البشاعة في العرض، فالأسلوب العلمي المحض، عطل تفاعل هذا النص، وعزاؤنا أن يصنع الأستاذ المعجزة لبعث الحياة في نص لغته أقرب إلى الترجمات الرديئة.
وسيبدو كم هو مفارق للواقع حشر نصوص مثل "ثورة الإعلام" و"المذياع والجرائد"، إذا عرفنا أن التلميذ الموجهة له هذه النصوص هو ابن الثورة المعلوماتية الرقمية، وأي حديث عن المذياع والجريدة هو حديث خرافة بالنسبة له.

" من يجد نفسه في حفرة عميقة، من الأجدر به أن يتوقف عن الحفر" هذه الكتب المدرسية أصحابها والمدرسين بها والتلاميذ يعرفون حجم كارثيتها، لكن الجميع يمعن في التجاهل، وفي المزيد من التسطيح والتلجيم، فلتكن لفلدات أكبادنا عين على الكتاب الذي لا يُفصِّل الرقيب مقاساته الفكرية، فهو موجود في كل مكان، لكنه مهجور.
شكيب أريج
09/05/2008

ليست هناك تعليقات: