الأربعاء، 30 أبريل، 2008

بيروت 75- حصري على فوانيس في الطريق


غادة السمان


بيروت 75




انفجر الرعد كصرخة تهديد غامضة...
وحينما التمع البرق ثانية التفت "طعان" إلى الوراء و كلمح البصر شاهد وجه الرجل الذي ظل ساعات يمشي خلفه.وقرر:(لست واهما.هنالك من يلاحقني) وانفجر الرعد,وانفجر الخوف في قلبه.
ما دام هدا الرجل يلاحقه فلن يجرؤ على الذهاب إلى مخبئه في بيت أخيه "نواف".سيظل يدور في الشوارع محاذرا الخلفية منها أو المظلمة.سيظل مجرجرا جسده من مقهى إلى آخر,محاذرا الانفراد.سيظل مسفوحا على اسفلت المدينة, مشتتا وضائعا ومذعورا كالمياه الراكضة إلى المجارير.
(هنالك من سيقتلني..هناك رصاصة تم إطلاقها حين اتخذوا في "الجرود" قرارا بقتلي أخذا للثأر,ولم يبق إلا أن تستقر الرصاصة التي ستطلق علي حتما في ليلة ما؟ في دماغي؟في صدري؟في القلب تماما؟أم في أحشائي؟وسأنزف ببطء وأتعدب عذابا طويلا قبل أن أموت ,ولكن لمادا أتعذب؟ولمادا أموت هكذا ميتة كلب أجرب وأنا لم أقترف ذنبا غير أني استطعت أن أتابع دراستي وأصير صيدليا, دون أن أدري يوما أني إن تخرجت وحملت شهادتي سأحكم بالإعدام على نفسي ؟ أي منطق هدا منطق العشيرة التي ولدت فيها؟ أي جنون يحكم هدا العالم؟)
يوم تخرج "طعان" مند أشهر صيدليا.كان يتحرق للعودة إلى لبنان ومزاولة العمل.قرر أن يفتح في "بعلبك" صيدلية يسميها "صيدلية الحنان"
أبرق إلى أهله يزف إليهم الخبر,ويحدد موعدا لعودته,ولكنه فوجئ ببرقية منهم تطب منه عدم العودة,وتغفل حتى تهنئته بالشهادة..أذهله سلوكهم فأبرق إليهم بموعد عودته , واستقل أول طائرة إلى "بيروت".في المطار فوجئ بقبضايات العشيرة في استقباله وبينهم من هو مطلوب من العدالة وفار من وجهها,ولا يظهر في الأماكن العامة إلا في حالات الطوارئ.كانوا يضمونه بيد واحدة والأخرى في جيوبهم متوترة. (انهم يقبضون على مسدساتهم.ما هدا الاستقبال وأنا المسالم الذي لم يقتل في عمره نملة؟) لقد اختار أن يكون صيدليا انطلاقا من رقة قلبه المفرطة التي حرمته حتى من أن يكون طبيبا أو جراحا.إنه مند طفولته يكره منظر الدم .فقد فتح عينيه على بركة من الدم,دم عمه القتيل.مادا حدث حتى يجيؤا إليه إلى المطار حاملين رائحة الدم والدمار؟.
في السيارة سأل والده واستمع مذهولا إلى حكم الإعدام عليه بجرم حمل شهادة جامعية..(لقد قتل ابن عمك "مرعب" أحد أفراد عشيرة الخردلية, أخذا بالثأر لعمك.والقتيل كان يحمل شهادة جامعية, ولدا قررت عشيرة الخردلية أخذ الثأر,على أن يكون القتيل من عشيرتنا أول شاب يفوز بشهادة جامعية وتصادف أن كان هدا الشاب هو أنت..إنه التقليد العشائري الجديد في أخذ الثأر.الثأر لقتيل أمي بقتيل أمي , والقتيل المتعلم لا يثأر له إلا بقتل متعلم من العشيرة الأخرى..)
وفكر "طعان" بحزن:(لقد دخلت التكنولوجيا إلى فكر العشيرة, وها هم يقدرون العلم..)
توقف "طعان" قليلا أمام أعمدة سينما "الحمراء" في شارع "الحمراء"متظاهرا بإشعال لفافة, محاولا التأكد مما إذا كان الرجل ما زال يلاحقه. كان المطر لا يزال يتفجر وبقايا دفء الصيف تندحر.وأحس بغصة غامضة في قلبه, لقد اشتاق إلى المرأة.إلى الحب.إلى السباحة. إلى الغناء. إلى التسكع. إلى الجلوس في مقهى والاستماع . إلى ضحكات الفتيات الصغيرات الجميلات اللواتي يتفجر دعوة إلى الحب والجنون. تعب من السير في الشوارع مثل أبطال أفلام "المنايا" متلصصا وخائف.تعب من حمل المسدس الذي لا يجيد حتى استعماله.تعب من الاختباء في بيت شقيقه"نواف" وإغلاق الباب بالمتاريس.تعب من إسدال الستائر وتحاشي الوقوف أمام النوافذ.تعب من البطالة وانتظار الموت الذي يجئ و لا يجئ. تعب....تعب.إنه يرتجف.يشعر بأنه لم يعد يقوى على الوقوف.اللفافة تسقط من يده.الرجل لا زال يلاحقه,(أم تراني واهما؟ كل رجل في الشارع أخاله يلاحقني..أعصابي متعبة. يجب أن أنسحب إلى وكري.يجب...).
أشار إلى أول "تاكسي" أستقله. أدلى بعنوان بيته كمن يفشي سرا خطيرا.في الحقيقة لم يدل بعنوان بيته, بل باسم الشارع فقط.سيمشي المسافة الباقية ويتأكد من أن أحدا لم يلحق به في "التاكسي".التفت إلى الوراء.كان نهر من أضواء السيارات يومض.يتأملها بهلع..يحس بأن كل هده السيارات التي تلاحقه مليئة بالرجال الدين أصابعهم على زناد رشاشاتهم ولحظة يهبط من التاكسي سيثقبه الرصاص في كل موضع من جسده.وسيرتجف وهو يسقط كأنه يرقص.وإذا نجا من الموت في الشارع واستطاع أن يصل إلى فراشه حيا فستحاصره الكوابيس وسيستيقظ على صوت الرصاص وهو يحصده ويحصد شقيقه وأطفاله,سيأتي الرجال لقتل أهل البيت كلهم.وسيسقط شقيقه"نواف" قبل أن يتسنى له الوقت للإطلاق رصاصة واحدة.
توقف "التاكسي".نزل "طعان" ولاحظ وقوف أكثر من سيارة في الشارع نفسه.أكثر من شخص يلاحقه؟ولكن الشوارع للناس جميعا..
(توقف سيارة في الشارع الذي أختبئ فيه لايعني بالضرورة أن سائقها يريد قتلي.لا..بل يريدون قتلي.أعرف دلك.لقد مت يوم حكموا علي بالموت انتقاما لرجل لم أقتله ولم أشارك في قتله ولم أر وجهه من قبل, وها أنا أجرجر أيامي المهدورة.)
بدأ يسير بخطى جهد أن تكون هادئة.فشل. ساقاه تسيران بخطى سريعة وترتجفان.يسمع وقع خطوات خلفه.يسرع الخطى خلفه تسرع, يده تتشنج على مسدسه.إنه واثق من أن شخصا يلاحقه ويسرع خلفه.الشخص يقترب.يضع يده على كتفه. لا مجال للشك الآن. دون أن يدري ما يفعل, يستدير وقد شهر مسدسه ويطلق النار على الرجل.هكذا دون كلمة واحدة..
يسقط الرجل على الأرض.وللمرة الأولى يرى وجهه ويرى نظرة مليئة بالدهشة مرتسمة في عينيه..لقد قتل..لقد قتل رجلا لم يقع عليه بصره من قبل, وكان القتيل يبدو مدهوشا
..

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

نحن مجموعة من المتطوعين وبدء مبادرة جديدة العلامة التجارية في المجتمع. زودت مدونتك الإلكترونية لنا معلومات قيمة للعمل بها. لقد قمتم بعمل رائع!

غير معرف يقول...

هذا هو مثل رائع الموارد المفيدة التي كنت توفير وتعطيه مجانا غائبة مقابل. أحب رؤية المواقع التي فهم قيمة توفير الموارد نوعية مفيدة مجانا. ذلك؟ ق القديم ما يدور حولها ويأتي البرنامج.