الثلاثاء، 1 نونبر، 2011

نهاية أسطورة العقيد...



نهاية أسطورة العقيد ...

بقلم : إبراهيم الرامي- المغرب

هو المعاند العنيد.. هو الكائن البشري المحض الغير قابل للتجديد.. هو السيد، وبقية الناس عبيد.. هو النار، وبقية الناس جليد.. رجل منقرض بطبعه وطبيعته..، فكلما أبحرت في أسراره إلا و طلبت المزيد.. هو الراعي، و بقية الناس قطيع.. هو الحقيقة، وبقية الناس أطباق طائرة.. هو المعرفة، والبقية عقول طائشة.. هو الإنسان، وبقية الناس جرذان.. هو سليط اللسان.. هو رجل و ليس بطائر.. لأن الطيور على أشكالها تقع.. و لأنه لا يطير، ولكن قد يطير له الفرخ.. وقد يسقط طائرة.. هو كاتب ومنظر وشاعر، ومصمم أزياء، و ستبقى كلماته خالدة في كل زنكة زنكة.. دار دار.. فرد فرد..

ثروته بحجم العالم، ويعيش في خيمة.. رجل من نوع خاص.. متفرد في كل شيء.. نظر للعالم من ثقب إبرة، وعرف كل أسرار الكون.. وحده يدور في فلك، و يمتلك مجرة، و عنده سيد النجوم والمنجمين.. هو صاحب الكتاب الأخضر، والعلم الأخضر، والساحة الخضراء، ونظرية الديموكراسي، و اللباس الغريب.. رجل اختصر الوجود في اللون الأخضر.. وبه لون كل شيء في ما أسماه الجمهورية الليبية الاشتراكية الشعبية العظمى.. هو ببساطة : الزعيم، وملك ملوك إفريقيا، و القائد، والعقيد معمر القذافي، فرعون.. هرمه يكبر أهرامات مصر.. وشهرته فاقت مشاهير الموضة وسينما هوليود.. أو هكذا يصورنه..

وأخيرا طويت صفحة العقيد معمر القذافي، بعدما عقد العالم بأفكاره، وحكم ليبيا بقبضة من حديد، لأزيد من أربعة عقود.. فمن قتل العقيد ؟ ولما قتل ؟ وكيف قتل الفقيد ؟ ولما نكل به أيما تنكيل.. هو و ابنه المعتصم ؟ وأين تم دفنهما و لما ؟ أسئلة يطرحها كثيرون، ويجيب عنها قليلون، وبينهما تغيب الحقيقة حتى إشعار آخر..

يمكن الجزم أن العالم بأسره تجاوب بشكل كبير مع ثوار ليبيا، ومع طريقة تدبير المجلس الانتقالي لشؤون البلاد، بل ترصدتهم كل العيون وهم يزحفون بموكب النصر من بنغازي إلى مصراتة.. إلى بني وليد وسبها.. ثم إلى سرت. لكن اعتقال الرؤوس الكبيرة.. وتصفيتها فردا فردا.. بطريقة وحشية وهمجية، والتنكيل بجثثهم بشكل بشع.. مس وبشكل كبير ما بناه ثوار السابع عشر من فبراير.. تحت شعار ليبيا الجديدة، أو ليبيا الموعودة : ليبيا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان..، ما يجعلنا نطرح ألف سؤال عن إعادة إعمار ليبيا ومستقبلها السياسي..، فما رأيناه من سفك للدماء وبلا مبرر، يجعلنا نعيد فتح ملفات كل من تمت تصفيتهم تحت عنوان : المرتزقة..، كما أن تحدي تجميع السلاح، وسعي كل قبيلة لفرض نفسها في الميدان، يجعلنا لا نستكين كثيرا لنشوة تحرير البلاد، والإطاحة برأس الاستبداد.. فهل فتح التحقيق فعلا في مقتل أسيري حرب.. أولهما العقيد بعمر يزيد عن ثمانين سنة، والذي أمسك به جريحا ينزف.. وعبثا ما استعطف الثوار.. أما الثاني فغرر به في زنزانة، و بعدما مكنوه من سيجارته الأخيرة ألحقوه بأبيه جثة هامدة.. وطبعا ما خفي من تعذيب و تنكيل كان أعظم...

أفليست تلك جريمة حرب في كل الديانات والقوانين الدولية، أم باي دين هم يدينون.. و فقط فتح التحقيق في هذه القضية..، وكشف الخبايا ومعاقبة الجناة .. يبقى البوابة والامتحان لليبيا الثورة والثوار..، وغير ذلك كله مسرحية ضحاياها كثيرون و أولها الشعب الليبي.. فالقذافي موسوعة من الأسرار تكبر ويكيليكس.. وقد تغير طلقات لسانه خريطة العالم.. فبأي حق حرمتم العالم من الاستماع لرجل يمتلك كل المفاتيح لأبواب ضلت موصدة.. رجل لم يذكر أحد أفضاله على الغرب.. ولا على الليبين.. ولا على الأفارقة.. ، فمن سينقل الخيمة إلى عواصم العالم بعده.. و هل ستزول الغيمة على عيون الطغاة بعده.. فرغم كل ما قيل ويقال.. فلن ينكر له التاريخ أنه قال في مهازل القمم العربية يوما : أن الدور آت لا محالة على كل الرؤوس المهووسة بالكراسي، والمنشغلة عن شعوبها وقد صدق..

وختاما عجيب أمر هذا الربيع العربي.. فقد نجح كثيرا في شرح دروس التاريخ والجغرافية.. والمدن والأرياف... بل أعاد رسم خرائط العالم، بملامح واضحة المعالم، وجعل الحكام يعرفون حق المعرفة : أن لشعوبهم عيونا تغفوا ولا تنام.. و آذانا تسمع.. وأنيابا تلمع.. وعقولا تفكر.. و قلوبا تنبض بالحياة، وبحب الوطن..

ليست هناك تعليقات: