الجمعة، 15 غشت 2008

ما الجدوى من الكتابة؟


ما الجدوى من الكتابة؟

في روايتي"الآن..هنا"
[1] لعبد الرحمن منيف و"كوابيس بيروت"[2] لغادة السمان
بقلم: شكيب أريج
- ها أنت تقفز للنهاية ،- هلا حكيت من البداية . - ولمن أقول ؟ ! - هذى صفوف السنط والصبار تُنصت للحكاية : - ألها عقول ؟- ماذا يضيرك .. أَلْقِ ما فى القلب حتى للحجر
نجيب سرور

"القراءة والكتابة تقلل من إحساسنا بالعزلة" مقولة لآن موت، لكنها لا تجيب عن سؤالنا الجوهري "الجدوى من الكتابة" الذي انتقل مبدعينا من مستوى طرحه في النصوص الموازية وحفلات توقيع مؤلفاتهم إلى طرحه في إبداعاتهم على مستوى ميتناصي أصبح يشكل تيمة للمثن الروائي ونقطة ارتكاز قد تعطي للعمل الأدبي قيمة مضافة، وقد تعصف به في لجة اللاجدوى.
نتساءل بدءا عن ما مدى مشروعية مساءلة الكتابة لذاتها في عمل هو روائي إبداعي بالدرجة الأولى، وليس فلسفيا ونقديا بالأساس؟ ثم هل تدور الرواية حول نفسها بإثارتها لهواجس وهموم الكتابة ودوافعها أم أنها تستبق نفسها في توقع ما يترتب عنها من خراب جميل أو قبيح؟ وكيف يمكن مع ما تعرفه الكتابة من تجدر ورسوخ أن نشكك في قدراتها إلى حد نعتها بالوهم؟
من خلال روايتي "الآن..هنا" أو شرق المتوسط مرة أخرى لعبد الرحمن منيف و"كوابيس بيروت" لغادة السمان سنتلمس إجابات من هنا وهنا علها تجَلي الاشكالية الكبرى" الجدوى منالكتابة أو اللاجدوى منها"

تساءلنا في البدء عن مدى مشروعية هذا الاتجاه، ونجد إجابة أولية لدى الناقد المغربي محمد برادة: "إن إعطاء الأسبقية للصوغ السردي وفقا لهذا التصور-الميتانصي
·- يجعل جميع الموضوعات والتيمات قابلة لأن تشكل المادة الخام للنص الروائي.."[3]
أما القاص الناقد أحمد بوزفور فقد أعطى عدة توصيفات لهذا الاتجاه فرأى أنها كتابة متبرجة " الكتابة التي تتأمل نفسها في المرآة وتسوي شعرها وتبتسم وهي تقول (هناك شيء ينقصني) تقول ذلك وهي تعني (ما أجملني)"
[4] وفي توصيف أكثر دقة وعمقا يقول بوزفور عن ما أسماه تقنية المرآة: "..تضع الكتابة في بهو مرايا.. ليس من منطلق نظري يرى أن الكتابة وجها وقفا، وأن لها لا شعورا، بل فقط من منطلق تقني يلعب بالكتابة وأوهام الناس عنها، لبناء نسق جمالي مستدير يشع بالدلالة في مختلف الاتجاهات.."[5] ومرة أخرى يتساءل بوزفور في حوار أجراه مع القاص عبد الحميد جحفة: أتراها.." الميتاقصية تعال فلسفي، مراوحة بين(الشيء في ذاته) وبين (الشيء لذاته)؟" فيجيب عبد الحميد جحفة:" الميتاقصية تشكل أجزاء من القصة، ولا تتموقع خارج خيط الحكي.. اختيار أحاول من خلاله تأسيس نوع من التلقي.. أكون متحسسا نفسي، هل أنا فعلا في القصة أم خارجه، هل أناواثق من نفسي أم تراني كاذبا"[6]
إن الكتابة الميتناصية حاضرة في تجارب العديد من الكتاب الأجانب والعرب، في القصة كما في الرواية، وهي تفصح في ذاتها عن سماتها وخصائصها وتبين عن تمايز في كل تجربة على حدة، ولذلك اختلفت الاصطلاحات النقدية (تفكير الرواية في نفسها/تشخيص المكتوب/الكتابة المرآوية/الخطاب الميتانصي..) وباختلاف هذه التجارب تختلف مبررات الاقتحام، ويظل سؤال الجدوى من الكتابة أو اللاجدوى أحد أهم الأسئلة التي تسم الخطاب الميتانصي وتحدد هوية هذا الخطاب في الكثير من النصوص.



1- ما جدوى الكتابة: في "الأن..هنا" أو شرق المتوسط مرة أخرى لعبد الرحمن منيف:
يقول عبد الرحمن منيف: " الكتابة تحتاج إلى القوة، قوة الدافع وقوة الجسد، تحتاج إلى الصفاء والظروف المواتية، وتحتاج أيضا إلى الوقت الكافي"
[7] إذن فالكتابة حسب منيف تحتاج مقومات، من أهمها قوة الدافع، فالإنسان لا يكتب إلا عن قناعة راسخة بجدوى الكتابة، ومن هنا مشروعية أن يتساءل منيف عن الجدوى من الكتابة وأن يجعل من هذه الفكرة موضوعا قائما بذاته، لكن الأسبقية للصوغ السردي كما أشار محمد برادة، فلا بد أولا من بناء سردي محكم، يخلق فضاءات وشخصيات قادرة على التلميح من حين إلى آخر إلى جدوى الكتابة أو اللاجدوى منها والخوض في همومها دون حشو أو هدم للبنية السردية، فنطالع في رواية "الآن..هنا" سؤال طالع العريفي:"هل تعتقد أن الكلمة يمكن أن تواجه الرصاصة؟ هل تستطيع الأوراق الهشة أن تحرر سجينا واحدا أو أن تفتح كوة في أصغر سجن من هذه السجون العربية؟" ("الآن..هنا" ص14) هذا السؤال بما يطبعه من تشكيك في الكتابة ينم أولا عن ايمان الكاتب بتعدد الآراء والمواقف اتجاه الكتابة، وعن إيمانه ثانيا بنسبية كل الأشياء ووعيه بالأطروحة ونقيضها.
ويبرز صوت آخر في الرواية هو صوت عادل الخالدي:".. أنا أقول لك ومتأكد مما أقول، أن الكلمة الصادقة قد لا تظهر نتائجها بسرعة، ولكن حين تنفد إلى عقول الناس وقلوبهم وتستقر هناك، فلا بد أن تتحول إلى قوة، وتكون قادرة على فعل الكثير" ("الآن..هنا" ص15)
لذا سنجد الكلمة في عوالم منيف تبدو متسلطنة وقوية خاصة حين يدافع عنها حامد زيدان أحد المساجين السياسيين: "نحن يا سيادة النقيب، لا نملك إلا كم فكرة وكم كلمة، وليس لدينا أسلحة، ولا نهدد حتى عصفور، وأعتقد أنه يجب أن لا نخاف من الكلمة، لأن لا أحد يستطيع أن يسجنها أو يمنعها، وأنتم الآن لا تسجنون الكلمة، تسجنون من يسمعها، من يقولها، وهذا ما يولد الثورة، ويغير كل شيء.." ("الآن..هنا" ص423).
وتنقل لنا الرواية من زاوية أخرى وقع الكتابة وأثر الكلمة على لسان السجان مدحت عثمان "..هذا الكلام خطير، أقوى من الدبابات والمدافع لأنه يخرب بيوتا ويهدم دول" ("الآن..هنا" ص224)
رغم وجود محفزات للكتابة إلا أن المثبطات كثيرة لأن أثر الكتابة لا يتراءى في الحين، ولأن الكتابة في حد ذاتها مؤلمة فهي مرادفة للتذكر وهو ما يصرح به هذا الحوار بين عادل (المحفز) وطالع(الكاتب) : " يقول لي عادل الخالدي:أكتب. أرد عليه بمداعبة: الكلمة الأصح اقرأ.يهز رأسه ويجيب: أكتب لكي يقرؤا؟ ماذا يمكن أن أكتب يا عادل؟ أتريد أن تمزقني أكثر مما أنا ممزق؟ أن تجعلني راية قديمة، حذاء لم يكلف أحد نفسه النظر إليه؟" ("الآن..هنا" ص286).
الإيمان بالكلمة أو عدم الإيمان بها هو الخط الفارق بين عادل وطالع، هذا الأخير الذي يقول عن عادل : " عادل الخالدي هذا الفأر القارض، الذي لا يعرف الراحة والمملوء بأوهام الكلمة يتصور أننا إذا تكلمنا جميعا، إذا كسرنا جو الصمت وعرف الناس ما يجري حاليا وما قد يجري لكل واحد منهم غدا فلابد أن تتغير الأمور.." ("الآن..هنا" ص296).
وهو قول يبرز جدوى الكتابة عند عادل الخالدي الذي لا يعتبر الكتابة شهادة فحسب، بل هي ترقى إلى درجة النبوءة. ("الآن..هنا" ص297).
الرؤيا التي تسيج الرواية "الآن..هنا" هي رؤيا تنتصر لجدوى الكتابة بشكل ضمني، وتنسجم مع تصور عبد الرحمن منيف، إذ يقول في حوار أجراه معه فيصل دراج: " طبيعي لا أفترض أن الكاتب قادر على التغيير، هذا نوع من الوهم، لكن يمكن أن يساعد في خلق الوعي في تعميق الحساسية بالظلم والاضطهاد.."
[8]


2- ما جدوى الكتابة؟: في " كوابيس بيروت" لغادة السمان
سلاح الكاتب هو القلم، وحين لا يؤمن بجدواه فهو ليس بكاتب، وعدم ثقته بسلاحه يعني ضمنا تخليه عن الكتابة، لكن المأساة الكبرى التي يعاني منها كل كاتب هي إقراره بأنه لا يتقن أي استعمال غير القلم رغم ما تتطلبه تحديات العصر الكبيرة. هذا التشويش على مهمة الكاتب اليائس الذي يبحث عن بديل تهجس به خواطر رواية كوابيس بيروت: " بايرون كان شاعراً عظيماً ومقاتلاً فاشلاً. وقد مات في الحرب الأهلية باليونان بعد أن كبد (فريقه) لا الفريق العدو خسائر كثيرة. لو عاش وكتب من اجل المثل التي يؤمن بها لأفاد واستفاد بدلاً من أن يتعفن بعد ساعة من موته وتنطفئ يده التي هي مصباحه" ("كوابيس بيروت" ص43) ومن تم توجه الخاطرة رسالة إلى الفنان: " من واجب الفنان أن يبقى على قيد الحياة كي يستمر في أداء رسالته : الكتابة!" ("كوابيس بيروت" ص43).
تدفعنا الرواية في اتجاه احترام مهمة الكاتب وتقدير رسالته/الكتابة، التي لا يجيد إلاها، وتضرب لنا رواية الكوابيس مثالا آخر: "همنغواي كان مقاتلاً سيئاً أيضا. لقد استفاد أدبه من تجربة المعركة ، أما فريقه فلابد وانه دفع الثمن باهظاً من سوء استخدامه للسلاح ولفنون القتال. ولعل المرة الوحيدة التي أجاد فيها همنغواي استعمال سلاحه كانت لحظة انتحاره !" ("كوابيس بيروت" ص43).
إن المشترك بين رواية "كوابيس بيروت" و"الآن..هنا" هو اعتماد تعدد الأصوات والاستحضار الدائم لصوت مشكك، تيئيسي، مبخس للكتابة. يظهر الخطاب الميتاسردي المقلل من قيمة الكتابة في "كوابيس بيروت" حين تعلن الشخصية البطلة/كاتبة بتواضع عن ما تملكه :" .. أعيش في ساحة حرب ولا املك أي سلاح ولا اتقن استعمال أي شيء غير هذا النحيل الراكض على الورق بين أصابعي تاركاً سطوره المرتجفة كآثار دماء جريح يزحف فوق حقل مزروع بالقطن الأبيض ." ("كوابيس بيروت" ص9) وكثيرا ما ينظر المثقف إلى وجوده اللامادي على اعتبار أنه كائن ذهني – على حد تعبير الرفيق لينين- فيشعر ببعده عن الواقع الملموس فيشعر بأنه حالم وأن الكتابة وهم: " يبدو انني اسكن بيتاً من الشعر (بكسر الشين) . وسادتي محشوة بالأساطير ، وغطائي مجلدات فلسفية ، وكل ثوراتي وقتلاي تحدث في حقول الأبجدية وقذائف اللغة." ("كوابيس بيروت" ص9). ذاك هو حال الكثير من الأدباء/الكتاب حين يودون تقريع الضمير من جراء شعورهم بلاجدوى الكتابة.
لكن منطق السرد الجميل يلهم البطلة/الكاتبة في أتون الحكاية، نظرية متماسكة متمسكة بجدوى الكلمات والحروف: " والكلمات هربت من الصفحات لتصير رجالاً مقاتلين . اتناول كتاباً من تلك التي ترجمتها . افتحه . اجده كما حدست ، صفحات بيضاء . ان الحروف خرجت الى الشوارع لتمارس حياتها الخاصة . صارت مقاتلين يحولون الافكار الى سلوك . ما الذي يخيفني؟" ("كوابيس بيروت" ص41).
إن الحرب المشتعلة خارجا سببها تلك الكتب التي كانت صرخات للتبديل والتغيير، تلك الكتب الباعثة على الثورات، ألم يكن كتاب(عودة الروح) لتوفيق الحكيم أحد دوافع ثورة عبد الناصر كما صرح هذا الأخير بذلك؟
غير أن هناك سؤالا أكثر أهمية: هل يستطيع الكاتب المؤمن بجدوى الكتابة أن يبقى صامدا وفيا لكتاباته أمام أزيز رصاصة؟ ذاك ما تجيبنا عنه بطلة الكوابيس: " .. هذه الرصاصة بالذات، بدت لي للوهلة الأولى معادلة لطول قلمي، ثم كبرت فصارت عمودا من نار في حين ارتجف قلمي أمامها ونحل، فصار ريشة طائر مجروح.. لا حيلة لها، أمام عاصفة النار" ("كوابيس بيروت" ص50) ومن حين إلى حين يبرز ذاك الصوت المشكك المثير للإحباط : " أما زلت تصدقين أن القلم أكبر من الرصاصة؟" ("كوابيس بيروت" ص59)
تقودنا تأملات السرد إلى شيء آخر غير المفاضلة الظلمة بين الرصاصة والحرف..الرصاص هل هو نقيض الحرف؟
إحدى الإجابات التي نجد صداها عميقا بين سطور الرواية تقول: " هذا الرصاص الذي ينهمر هو حرف بصورة أخرى.. هو حرف بأبجدية أخرى" إذن فهي كتابة بأبجدية أخرى تحمل أوامر ونواهي، تحمل أفكارا ومعاني، وتعمق الرواية هذه المقارنة بين كتابة بالحرف وأخرى بالرصاص حين نقرأ:"آلات القتال هي أحيانا كآلات المطابع، وإنما يتم استخدامها حين تفشل لغة المطبعة نهائيا، ولكن هل يمكن الجزم بفشل لغة المطابع نهائيا؟" ("كوابيس بيروت" ص242).
هكذا تقود التأملات والخواطر المبتوتة في الكوابيس من سؤال إلى آخر، وأخيرا نجد إجابة واثقة تمجد الكتاب وتنتصر للكتابة: " للوهلة الأولى يبدو أن الكتب لا تستطيع الدفاع عن نفسها، لا تستطيع إطلاق الرصاص، ورد النار بالمثل.. لكن الرصاصة تموت بعد إطلاقها مباشرة أما الكتاب فيعيش لحظة إطلاقه، ويتناسل ويتكاثر وكل من يقرأه ويؤمن به يصير هو الكتاب ذاته راكضا بين الناس على قدميه" ("كوابيس بيروت" ص242).

الكتابة الروائية بنكهة الميتناصية هي كتابة بقدر ما تجعلنا نحس بالغموض والابهام الذي يلف تجربة الكتابة لدى الكاتب بقدر ما تعضد من ميثاق الثقة بين الكاتب والقارئ، وإذا كان سؤال الجدوى من الكتابة يلح على الكاتب فإن سؤالا رديفا له لا بد أن يتبادر إلى القارئ وهو الجدوى من القراءة أو اللاجدوى منها، وأحسب أنه السؤال الذي سيجلي نصف الحقيقة الآخر عن هذه الإشكالية العويصة.






شكيب أريج









[1] " الآن..هنا"أو شرق المتوسط مرة أخرى – عبد الرحمن منيف- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- الطبعة الرابعة - 1993
[2] " كوابيس بيروت" غادة السمان –منشورات غادة السمان- الطبعة الثالثة أبريل1979
· الزيادة بين عارضتين من عندنا
[3] " أسئلة الرواية..أسئلة النقد" محمد برادة- شركة الرابطة – الطبعة الأولى 1996- ص142
[4] "الزرافة المشتعلة" أحمد بوزفور- المكتبة الأدبية- الطبعة الأولى 2000- ص121
[5] "الزرافة المشتعلة" ص65
[6] نفسه ص 159
[7] "الكاتب والمنفى" عبد الرحمن منيف- دار الفكر الجديد- الطبعة الأولى 1992- ص115
[8] نفسه. ص౨౬౫



رابط الموضوع في ملف الكتابة بدروب









ليست هناك تعليقات: