الاثنين، 30 يونيو 2008

الحاضر والغائب في مجموعة "شجرة القهر" القصصية لمحمد كروم

شكيب أريج
الحاضر والغائب
في مجموعة "شجرة القهر" القصصية لمحمد كروم

يقال أن الكلمة حين تكتب تخرج من يد المبدع مرة، وحين تنشر تخرج من يده مرتين وإلى الأبد، ورغم ذلك لا أرى أنه مبرر كاف لفصل الإبداع عن صاحبه، والانسياق وراء مقولة "موت الكاتب" البنيوية، لأني أعتبر الإبداع كائنا بيولوجيا موصولا بخيوط سرية بجنون الكتابة، وبذلك الوباء داخل الأصابع، وداخل الخلايا.
ولأن قراءة القصة هي الوجه الآخر لكتابتها أجدني مورطا وشريكا للكاتب في همومه، ولأن الكتابة في أساسها هي عملية اختيار، يختار الكاتب بوعيه وبلا وعيه معا، وإن صح التعبير هذا الموضوع دون غيره، وهذه الشخصية دون غيرها، تجتذبه الفوضى أو النظام، يضع هذه الكلمة أو هذا الشيء في هذا المكان دون أي مكان آخر. وإذا قلنا أن للكاتب فلسفته الفنية، فللقارئ أيضا خلفيته السوسيوثقافية القرائية على حد تعبير الناقد المغربي سعيد يقطين، وله الحق أن يكون موجِّها بدل أن يكون موجََّها.
من هذا المنطلق أتساءل عن الإضافة التي قدمتها الشجرة وعن القيمة التي كنت أنتظر أن تضيفها، عن ما تجاهر به القصة وما تسكت عنه.

1- العنوان:
العنوان في المجموعة- وأقصد عناوين قصص المجموعة- هو ذي وشائج وطيدة بالنص، فهو في الأعم تكثيف لدلالات النصوص.
ولن يخفى على القارئ أن العناوين عند محمد كروم تطمئن إلى بنية زمنية نلحظها بوضوح في: (حدث ذات صباح/ عام الكلاب/ رأس السنة/فجأة/حاطب ليل) ولا تسلم قصص أخرى من إحالات على الزمن مثل: (القانون الجديد/القصة الجديدة/الحذاء المؤجل/ النجاة النجاة)
يميل الأستاذ محمد كروم كثيرا إلى الاعتماد على ما أسميه العنوان الموارب – مثله مثل الباب- يكشف عن الداخل ولكنه لا يفضح أسرار البيت/ القصة.
هكذا هي العناوين في مجموعة شجرة القهر، إذ لا وجود للجمل الطويلة أو الأساليب ، وهي لا تشاغب القارئ كثيرا، ولا تتنكر للنص على غرار (الزرافة المشتعلة لأحمد بوزفور..) ونعدم أن نعثر على العناوين الشبيهة بالواجهات المضيئة اللامعة، المغرية والخادعة مثل ( إلى من يهمه الأمر- قصة تكتب نفسها- الرجل الذي..).
حضور أيضا لشبكة التناص التي لا يكاد ينجو منها كاتب ، هكذا سنجد عناوين متناصة عن قصد أو عن غير قصد: (النجاة..النجاة/ الصعود إلى الهاوية/ أحلام كبش..)

2- بدايات ونهايات:
معروف أن تشيخوف القاص العالمي كان بعد أن ينتهي من كتابة القصة يقطع بدايتها ونهايتها ويحتفظ فقط بالباقي.. أما أنا فسأفعل العكس.
بالأبيض والأسود تبدأ جل قصص محمد كروم مقترحا بوابة جحيمية إلى العالم السردي وبنفس تقنية الرسام الكاريكاتوري الفلسطيني ناجي العلي يستعيض الكاتب عن قوس قزح ليلوذ بالأبيض والأسود:
- "يمتد الليل خيط سهاد فولاذي.." قصة القهر ص18
- "شمس حزيران تسقط على الأرض قارا وسرابا" الدائرة ص33
- " رياح الخريف تعوي كالذئاب، أشجار عجفاء تئن..حمار هزيل غائر العينين"عام الكلاب ص12
أما النهايات فهي أشبه بلوحة زيتية دامعة، تسيل. نهايات قاتمة لا تتغيى الامتاع والإشباع بقدر ما تتغيى الانفتاح على الجرح الانساني وهذه أمثلة دالة على ذلك:
- الدائرة (ص35): "أضع يدي في جيوبي، أحسها فارغة، أتحسسها من جديد فأجدها فارغة، أحس بالساحة تدور ورأسي يدور، وأنا أدور."
- معلمة بالقوة (ص32): " كانت القرية تختفي وراء الدموع والغبار والسراب"
- موزع الخبز(ص30): "ضرب كفا بكف. طاف بعينيه في كل الاتجاهات ولم يدر أي طريق يسلك."
هذه هي البدايات والنهايات التي تفرض سلطتها على منطلقات ومسارات السرد، فما الذي أفتقده في هذه البدايات والنهايات؟ أفتقد تلك البدايات الفردوسية أو ذلك السرد الذي يفتح لك أحضانه في الأسطر الأولى ويكشر عن أنيابه حين تدخل أتون القصة فتطبق كماشة السرد على رأسك.. أفتقد ذلك السرد الأسطوري الذي تستهويك بداياته لتنتهي القصة وأنت منهزم، ممزق، ممسوخ..
أما النهايات فمن الخير أن غيب محمد كروم تلك النهايات المرافئ التي ترضي عقد القارئ وتغديها وترضي فضوله فتسد شهيته للقراءة.

3- الموضوع:
أ- الحياة الفردوسية والفضاءات البرجوازية، والشخصيات المهمة، أو القيادية أو الارستقراطية غائبة في المتن القصصي لمحمد كروم ألأنه ببساطة شديدة لا يعرف هذه العوالم؟ أم لأن التصاقه بالمهمشين والمقهورين واقترابه من المعذبين المفقرين حال دون ذلك؟ زينب فهمي رغم ارتباطها بالطبقات الشعبية في مجموعتها القصصية "تحت القنطرة" إلا أنها تناولت قصص كثيرة من زاوية السيد والقصر الباذخ وكانت من خلالها تدين لا عدالة المجتمع.
ب – الطفولة موضوعة أساسية تكاد تغيب في المجموعة، لكن نفسها ونزقها يسكن الكاتب خاصة في: (أحلام كبش- البحث عن السروال- الدائرة..) وللإشارة إلى أهمية موضوعة الطفولة مضمونا وروحا فقد بلغ الاحتفاء بها أن عرف أحمد بوزفور القصة بالطفلة الخالدة، ولم يتورع القاص المغربي سعيد منتسب من القول أن :" الكاتب الذي لا يسكنه الطفل لا يعول عليه، للطفل زرقة البحر وللكبار بلاهة الرمال".
ج- قصة القصة أو القصة التي تفكر في نفسها: هو منزع تجريبي لم تحتف الشجرة به وليس له حضور لافت في المجموعة باستثناء في قصة (الصعود إلى الهاوية) حيث يلاحق السارد البطلة، وإشارة عابرة في قصة (أحلام كبش) حين يعتذر السارد: "إني أتنفس تحت... معذرة نزار وحافظ على هذه الضرورة غير الشعرية " (شجرة القهر-ص44) هذا الاقتحام البريختي هو أساس العديد من الأعمال الإبداعية (ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي/ يوميات سراب عفان لجبرا ابراهيم جبرا..) وهو إن كان السبب في افلاس العديد من التجارب الإبداعية فهو تحد تجريبي يعد تجاهله تماديا في الكتابة اتي ترأب جدار الايهام المتصدع.

في غياب هذه المواضيع/الاختيارات، نجد أن الفقر المدقع والمجتمع البائس اليائس حاضر بقوة في المجموعة من خلال تسليط الضوء على هموم المواطن الكادح: البطالة، الدعارة، السلطة ، التهميش، البادية، معاناة التعليم..

4- الواقعي والغرائبي: الحاضر والغائب
ربما لأن الواقع أغرب من الخيال يجنح محمد كروم إلى واقعية تكشف العروق العارية وتسمي الأشياء بمسمياتها، فهو يقودك عبر الأزقة والشوارع ويستعيض عن جزيرة الوقواق بساحة جامع الفنا وعن بساط الريح بالحافلة المكتظة، وعن الفارس الشهم والأميرة النائمة بفتاة عادية وشاب هو في أحسن الأحوال موزع خبز.
الواقع المتجدر في المجموعة هو الواقع الرتيب الساخن ووطأته وبروز أنيابه الصفراء تجعلنا نتوق إلى الحلمي والغرائبي، فماذا لو أن الكاتب عمق المفارقات الغرائبية في المحكي ( وكما هو الحال في قصة "أحلام كبش") هل سيكون إيغاله في التجريد قد أبعده عن القضايا المؤطرة للحكي (القهر)؟

5- القرية والمدينة: الحاضر والغائب
علاقة الكاتب ببيئته، بالبيئة الأولى، علاقة خاصة استثنائية، إنها النبع الذي يمتد في أعماقه ويمنحه باستمرار مادة للكتابة والذكرى. لهذا كله تهيمن ملامح البداوة على الحكي عند محمد كروم فتغدو القرية أو البادية مرادفا للفقر والقهر ومرادفا للأصل والمنبع الصافي، فنلمس حكيا عاشقا للفضاء البدوي باعتباره فضاءً دافئا حميميا وقاسيا في نفس الوقت، ومثيرا لمشاعر الحنين والذكريات.
وفي مقابل هيمنة قيم البداوة وفضاءاتها هناك تبخيس للمدينة وتغييب لسحرها ومظاهر الجدة فيها، فهي المدينة وإن حضرت في أكثر من نص فإنها لم تتشابك مع الوجدان كما في نصوص إبداعية شهيرة (سمرقند عند أمين معلوف/ طنجة عند محمد شكري/ بيروت عند غادة السمان..).

6- الوعظ والفضح:
القصة عند محمد كروم بواقعيتها المفرطة هي مرادف للإدانة والفضح، وهي بعدم إغراقها في الرمزي والغرائبي ثؤتر القول جهرا، لذلك خلت القصة من الوعظ والإرشاد ولم يقم السارد بإمساك يد القارئ كطفل صغير إلى حين اقتياده إلى (روض) أو (كُتاب) الحقيقة ، وهذا ما أعطى للقارئ هامشا شاسعا للاختيار شأنه في ذلك شأن الكاتب، وذاك أجمل ما في القصة.

7-صورة المرأة في المجموعة:
المرأة في المجموعة هي "الأم" الحنون، رمز الرضى والقناعة (الصراصير) لا تظهر إلا في المطبخ (القهر).
المرأة في المجموعة هي "الزوجة" الراضية، لا تملك إلا العويل(حدث ذات صباح )أو النوم (القصة الجديدة) وهي في علاقتها بموضوعة القهر عبء ثقيل على الزوج (القانون الجديد).
نجد أيضا في المجموعة المراهقة والمرأة المغرية، الفاتنة والمتاجرة بلحمها (رأس السنة/الصعود إلى الهاوية/سقط القناع/موزع الخبز/الدائرة) إلى هنا تحضر المرأة كأداة إذ لا وجود لصورة الأم المكافحة المناضلة (أنظر صورة الأم في ثلاثية حنا مينة السيرذاتية/ أو في شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف..)
ولا وجود لصورة الفتاة المثقفة العصامية المتمردة على الحياة الذكورية وعلى العادات والأعراف الاجتماعية.
لكن في المقابل تحضر الفتاة العاشقة ذات الأحاسيس الأنثوية المرهفة (القهر/ فجأة) والمعلمة المثابرة التي تواجه مصيرها بقوة (معلمة بالقوة) بل والأكثر يحتفي العنوان بالمرأة في قصة (شاما والباشا) لينقل لنا صورة امرأة بدوية قوية في ارتبطاها بالطبيعة وبعدها عن الرسميات والأضواء.

8- الكتابة على المرآة:
كثيرة هي الكتابات الحديثة التي تنظر إلى اللغة ضمن مفهوم الزخرفة والبراعة التشكيلية، غير أن لغة محمد كروم هي لغة غير متبرجة ، لا تعير كبير اهتمام لأناقتها بقدر ما تركز على الفصاحة والمباشرة، لذلك فهي في معظم السرد تقريرية وصفية. وعن نتف الشعر الموظفة في القصة فقد نجحت في كثير من الأحيان في التعبير بشكل أعمق.
غير أن ما يغيب هنا هو شعرنة لغة القصة، وشعرنة اللغة موقف حداثي تكمن خطورته في أنه قد يزج بالكاتب في منمنمات زخرفية فارغة، لكنه رغم ذلك دخول منتش إلى الذات اللغوية على حد تعبير أحمد بوزفور وقد يجعل اللغة عاصفة ومتوهجة ونابضة، وإن شئنا القول: إن التعبير الشعري قد يجعل الإبداع باللغة إبداعا فيها. ورغم أن شعرنة اللغة وشكلنة المحكي إطار تجريبي غير مأمون العواقب فإن الكتابة باعتبارها مغامرة لا تؤمن بالمستحيل.

على سبيل الختم:
الغائب والحاضر لعبة نقدية تطمح أن تذيب قارات الثلج بين الكاتب والقارئ، ولعل من أهم نعمها أنها تحفز القارئ على قراءة ما خلف السطور، وفي نفس الآن تحث الكاتب على ركوب مغامرة الكتابة من جديد، ولأني أؤمن أن هناك ممرات سرية كثيرة ومهمة فالمطلوب من المبدع طرق واكتشاف هذه الممرات والوصول إليها وأيضا سلوكها من خلال تجارب وأساليب متعددة .
ومن هنا فإن (مبدأ التجريب) في الأدب وخاصة في القصة مشروع إلى أقصى حد ومطلوب أيضا، ويتوقف على مدى صلة المبدع بالفنون الأخرى . أتصور أن أي قاص يواجه مأزق التجريب وبخاصة في مرحلة معينة من الكتابة، قد يتمكن من السيطرة عليه إلى حد يفاجئه هو نفسه.
شكيب أريج


الاثنين، 23 يونيو 2008

موكة بطاطا تكشر عن عينيها

موكة بطاطا تكشر عن عينيها

نشر في جريدة الأفق عدد45

يوليوز-غشت 2008
إرسال فاتورتين في شهر واحد هذا ما طلع علينا به المكتب الوطني للكهرباء بطاطا خلال شهر يونيو كخطوة جريئة للتضامن مع غلاء المعيشة ضد المواطن الطاطاوي المفقر، وهي واحدة من قفشات المكتب الوطني للكهرباء بطاطا تنضاف إلى الارتجالية في التدبير ) الأعطاب- تأخير الفواتير أو عدم توصل المواطنين بها- انقطاع الكهرباء في أوقات حرجة..) وصولا إلى مهزلة الفواتير المسعورة الخيالية التي تجاوزت المليوني سنتيم في منزل واحد بدوار صغير
( وتحتفظ الجريدة بنموذج من هذه الفواتير الخيالية
لقد احتج المواطن الطاطاوي مرات عديدة أمام المكتب الوطني للكهرباء بطاطا وذلك بتنظيم هيئات المجتمع المدني لوقفات أحرجت الجهات المتطاولة على جيوب المواطن الفقير، وهذه المرة أيضا لم يتأخر الرد إذ نظمت لجنة إحياء اليوم العالمي لمناهضة الغلاء وارتفاع الأسعار مؤازرة من طرف مجموعة من هيئات المجتمع المدني وقفة أمام المكتب المذكور تخللتها شعارات غاضبة ومؤثرة توجت بكلمة حماسية وتلاوة بيان استنكاري أكد من خلالهما منظموا الوقفة على تضامنهم مع سيدي ايفني وجميع المفقرين والمهمشين واستنكارهم الشديد للتدبير الفاشل للمكتب الوطني للكهرباء بطاطا.
وقفة يوم 20 يونيو 2008 اختلفت عن مثيلاتها إذ استمر أكثر من عشرين فردا في مبيت ليلي إنذاري دام إلى صبيحة يوم السبت 21 يونيو 2008 قبل أن ينفض، وتميز أيضا بتحد صارخ لفواتير المكتب الوطني للكهرباء بطاطا إذ أعرب المحتجون على أن جميع المتضررين سيمتنعون عن أداء هذه الفواتير اللاقانونية.


الجمعة، 13 يونيو 2008

من لم يعرف سيدي افني فليدفن وجهه في الرمضاء


من لم يعرف سيدي افني فليدفن وجهه في الرمضاء




الرباط (ا ف ب) - قال وزير الداخلية المغربي شكيب بنموسى الاربعاء في الرباط ان 10 مغربيين احيلوا على القضاء في سيدي افني (جنوب) اثر الصدامات العنيفة التي وقعت السبت بين قوات الامن وعشرات الشبان العاطلين عن العمل الذين قطعوا مدخل مرفأ المدينة.



وقال بنموسى الاربعاء امام النواب ان السلطات اعتقلت 182 شخصا افرجت عن معظمهم واحالت على القضاء 10 منهم يشتبه بانهم "حرضوا على هذا التحرك الذي اخل بالنظام العام".







نقلت الجزيرة عن مصادر حقوقية ومن موقع الحدث شهادات تفيد بسقوط قتلى في المظاهرات التي شهدتها المدينة يوم السبت الماضي في حين نفت الحكومة نفيا قاطعا سقوط قتلى



أعربت الحكومة عن غضبها وقالت ان الجزيرة بثت خبر سقوط القتلى "بالرغم من تلقيها تأكيدات الحكومة عن عدم سقوط قتلى."



في زمن اليوتوب.. لا أحد يمكن أن يصدق الدجالين..هم يعشقون زمن البصري..لكنهم نسوا أن الحسابات تغيرت.. الناطق الرسمي للحكومة وقف يغلي لأن الجزيرة بتت كلاما غير الدي أملاه سعادة الوزير..



هؤلاء لا يعرفون سيدي افني..



وهم صبوا الزيت على النار في الوقت الدي كنا ننتظر فيه أن تكون يد الدولة هي يد الأمن أصبحت توفر لنا رجال المخابرات المسعورين والعصا بدل الخبز..



لن أتكلم كثيرا .. سأترك الصور تتكلم:






زوار الليل.. جاؤوا ليحموا الوطن من الوطن






عسكرة المدينة.. نوع من الديمقراطية لا يوجد إلا في المغرب









الهراوة عوض الخبز للجماهير







حين تنتهك الحرمات..








ويخافون من رصاصة اسمها الصورة




والجزيرة تفضح






والقناة الأولى والثانية تبحث عن ورق التين لتغطي عريها










من مسيرة 15 يونيو التضامنية- تصوير الطاطاوي المتضامن






هيئات المجتمع المدني في سيدي ايفني تتضامن- تصوير الطاطاوي المتضامن





سيارات من والى سيدي ايفني

دم المواطن الايفناوي لن يدهب سدى
جانب من المسيرة الغاضبة
























الأربعاء، 11 يونيو 2008

صورة الرجل والمرأة عند زينب فهمي

شكيب أريج
صورة الرجل والمرأة عند زينب فهمي
من خلال مجموعتها القصصية "تحت القنطرة"*


"تحت القنطرة" هو عنوان لمجموعة قصصية متميزة للقاصة الرائدة زينب فهمي الملقبة بـ(رفيقة الطبيعة). هذه المجموعة التي بقيت نسيا منسيا رغم كونها واحدة من الإبداعات الرائدة على مستوى القصة المغربية، هنا نتساءل: لما هذا النسيان؟ ألأنها امرأة؟ ألكون النقد يبخس من قيمة ما هو محلي وما هو مغربي؟
لا أعتقد أن إهمال إبداع زينب فهمي هو إلغاء للإبداع النسوي، لا سيما أن ما حظيت به خناتة بنونة من اهتمام يفوق القيمة الإبداعية لما قدمته أدل دليل على ما نعتقده من أن إهمال مبدعينا الرواد له أسباب أخرى أكثر تعقيدا ومنطقية من كون زينب فهمي امرأة.
أما عن قيمة النقد فهو إن كان يولي بعض الاهتمام للإبداع المغربي، فهو ينساق وراء تلميع بعض الوجوه ويكرر نفسه حتى ليغدو الناقد ظلا لمبدع واحد من أمثال محمد شكري أو عبد الكريم غلاب، وحتى ليستوي الدق بالمدق، وبسبب هذا كله تسكن العناكب صحائف اصفرت قبل أوانها.
أحاول من خلال دراستي لمجموعة (تحت القنطرة):
1- بعث الروح في إبداع أعتبره رائدا في مجال القصة المغربية.
2- تلمس أبعاد القصة التي أرادت من خلالها مؤلفتها أن تنحث صورة الرجل والمرأة.
***
لا يمكن اعتبار (تحت القنطرة) أول مجموعة قصصية مغربية، لكن ما كان لم يبلغ القيمة الإبداعية التي قدمتها زينب فهمي من خلال مجموعتها "تحت القنطرة" التي ظهرت سنة 1976 لتعلن ميلاد حركة قصصية تتبنى اتجاها أكثر حداثة وتميزا.
ضمت المجموعة 12 قصة لم تلتزم الكاتبة فيها شكلا واحدا، فالإبداع الأخير "أحلام الفقراء" هو مسرحية مقتبسة من حكاية شعبية، ثم إن قصص مثل "دروب الحياة" و"زمان في الظل" هي قصص تعتمد على السرد الواقعي الذي يميل إلى رسم الشخصيات المتعددة والأحداث المتوالية.
أما باقي القصص وهي: "البحث عن ضمير المتكلم" و "دعوة إلى التفاهم" و"حيث تنتهي جولة الأبطال" و"السؤال" و"عبث السيد" و"الوجه والمؤخرة" و "ما قبل السقوط" و"مربع مضيء في رأس امرأة" فهي قصص تتبنى اتجاها متفردا في الكتابة.
فأولا هي قصص تركز على تبئير اللحظة وذلك عن طريق الإمعان في التأمل، وعن طريق تضخيم الفكرة المألوفة والهامشية وإخراجها إلى واقع أكثر جدوى وأكبر قيمة.

البحث عن ضمير المتكلم:
أصبحت الفكرة هي الشخصية المركزية في القصة القصيرة، ونواة هذه الفكرة يمكن مطالعتها من خلال العنوان "البحث عن ضمير المتكلم". إنها إشكالية الإنسان الذي يستعير ضمائر الآخرين تسلطا واتكالا، فبدل أن يحاسب نفسه ويقول "أنا" لا ينفك يخاطب الآخرين بتأله. هكذا جاءت صياغة هذه القصة/الفكرة فيها الكثير من روعة اللعب بالضمائر وفيها دعوة إلى التأمل في اللغة المخاتلة التي نستعملها بشكل يومي، وهي في حقيقتها دليل إدانة ضدنا، فلنتأمل المثال التالي: - أنتِ،،أنتِ ترفضين؟؟ أثار غضبي لأول مرة،،، - تكلم عن نفسك. أنت لن تستطيع مهما حاولت أن تتقمص دور وصي علي،، ولا على غيري.
لا شك أن القارئ سيستنتج أن الذي يمثل دور الشخصية المتألهة هو "الرجل" الذي لا يعرف غير استعمال ضمائر المخاطبة لمواجهة "المرأة" التي تصرخ طالبة الحرية.
والحقيقة أن القصة لا يجب النظر إليها من خلال منظار منحسر الرؤية كهذا. إذ أن الحرية قضية إنسانية واللغة المخاتلة هي قضية الإنسان. لما لا تقود الفكرة إلى قصة ذات بعد أشمل لتدين سارق الحرية الذي يريد أن يتكلم من خلالنا.




دعوة إلى التفاهم:
معلمة تدعو أمهات التلاميذ دعوة إلى التفاهم لا أقل ولا أكثر...إنها قصة بسيطة تقود إلى الهاجس الذي يؤرق الكاتبة دائما. والفكرة المنشودة: الأمهات لقلة وعيهن لن يحضرن، ولن يتحقق التفاهم.
ومرة أخرى لا بد أن نشير إلى أن التأمل في عمق القضية يفضي إلى أن المرأة ليس وحدها هي الأقل وعيا لا سيما أن بطلة القصة هي معلمة ، ولكن يمكن بناء مسار احتمالي آخر للقصة حين نتساءل: ماذا لو وجهت المعلمة الدعوة إلى آباء وأمهات التلاميذ إن النتيجة لن تكون أكثر قتامة، وإذن فلا داعي للخيبة التي تختم بها القصة مستفزة بنات جنسها بقولها بعد الانتظار الطويل:
- أجل،، مضى وقت طويل،، وأخشى بالفعل أن يكون الأوان قد فات.

حيث تنتهي جولة الأبطال:
هذه القصة أكثر القصص إغراقا في التأمل وهي تدفع بالقارئ إلى التخييل وتتعدد مستويات تلقيها.موضوع القصة هو الثعلب الخشبي والمحبرة ومن داخل هذه المحبرة تنبعث عوالم تصوغ من خلالها القاصة فكرة أجملها فيما يلي: العالم الأحمر الذي يتسيده (هو) بنظاراته السوداء المخيفة.
مرة أخرى تحافظ زينب فهمي على وحدة القضية ووضوح رؤيتها، فهاهي تطالعنا من خلال القصة بصورة الرجل الدموية والغامضة والمبهمة.

الســؤال:
ما يثير الانتباه في موضوعات قصص زينب فهمي أنها متنوعة ومتعددة، صيغت بقوالب نلمس من خلالها القدرة على المغايرة والتفرد.قصة "السؤال" هي القصة الوحيدة التي تنحاز إلى قضية الوطن دون تخصيص يضع المرأة في عمق القضية، وكما اعتدنا فالقاصة تركز على مواقف محددة وهامشية وعابرة لكنها جوهرية وحاسمة. القصة هنا هي قصة ذلك المواطن الحائر بين مساندة قضيته أو الاستسلام وهو حين يضحي يشترط أن يكون لتضحيته جدوى، وها هو يقول: " هل تعتقدين سيدتي أن هذا من جانبي سيكون له جدواه حقا؟"

عبث السيد:
هذه القصة في اعتقادي يمكن قراءتها في بعدها الضيق، إذا اعتبرنا شخصية السيد في القصة هي صورة الرجل وليست صورة الإنسان بصفة عامة.
تبرز صورة الرجل في القصة بشكل كاريكاتوري فهو سيد مزاجي سئم فكرة أن العالم مسخر لطاعته وخدمته، وحن للمواجهة التي هي من طبعه، واشتاق لمواجهة التمرد والعصيان بدل مشاهد الطاعة والإذعان المقززة.
لكن القراءة الأكثر ملاءمة – وهنا أود أن أستنطق النص وحده، لأن النص بعد أن يكتب لا يصبح في ملكية كاتبه- أقول أن القراءة هي التي تعتَبر النص تنديدا صريحا بالعبودية والإذعان ، وهو ما يرفض حتى من السيد المطاع، إذ يأنف من فعل الرضوخ . وما يؤكد أن فكرة القصة تبتعد عن استهداف الرجل لذاته وتشويه صورته أنه في القصة يتم نعت السيد بصاحب السلطان مما يحيل على أن الجاه والغنى ليس أمرا حكرا على الرجل دون المرأة والتسلط على الأضعف غير مرتهن بالرجل دون المرأة.
وتتجلى مزاجية صاحب السلطان هذا في أبشع صورها حين يطلب من عبده المأمور "مبارك" أن يسبح في النهر ليلا ويتركه يغرق دون أن ننسى أن هذا العبد قد اختار مصيره بنفسه حين تطوع بالسباحة إشباعا لنزوات سيده رغم أنه لا يحسن السباحة.

الوجه والمؤخرة:
نتأمل من خلال هذه القصة صورة كل من الرجل والمرأة ونتساءل من منهما "الوجه" ومن هو "المؤخرة"؟
صورة المرأة تبدو للوهلة الأولى: "..واستدارة مؤخرتها تملأ حيزا كبيرا من السرير العريض،، ثنية ردفيها الثقيلين مثقلة بنتوءات لحمية متزاحمة،،" وللإشارة إلى كسلها ونومها الطويل: "أربع وعشرون ساعة ماتت"
أما الرجل، فمن هو؟ " أظافره بادية،(...) أظافر برية،، زوايا الأصابع ذات مغارس متآكلة، وبقايا وسخ قديم تجمد فوق الجلد أيضا، مثل مخلفات لوح منخور داخل حمام بلدي عتيق"
كيف هي أسنانه؟ " كشف عن أعمدة قصيرة وسخة مهدمة بين شدقيه،،". يصور الرجل أيضا في منظر مقرف: " استدارت كلها نحو جسده العنكبوتي الرخو المسلط على سريرها منذ الفجر.."
إنها صورة صدامية للجنسين لا تؤكد على عمق العلاقة الإنسانية، وهي صورة وإن رامت النقد فهي لم تصل إلا للتبخيس من قيمة العلاقة الجنسية بين الطرفين حين تقول: "يسقطها أرضا،، يعريها،، يفري جلدها، يجرحه يدميه، يمتص ثدييها، يعتليها ويعرق بإرهاقها،، ثم يبصق من تحته فائضه الغريزي عندها مهتاجا،، لاهثا،، لاهثا حتى الموت"
تستجيب القصة لنوازع الشر أو شيطانها الصغير كما يقال حين تقرر الزوجة قتل زوجها " ترتفع بنصفها الأسطواني ذي الردفين الثقيلين لتهوي به -كما يهوي خفاش جريح يصارع- على المخدة التي أحكمت وضعها جيدا فوق الوجه والشخير معا"
لا يسعني إلا أن أقول أن الكاتبة قد أبدعت من خلال هذه القصة حين تركت علامة الاستفهام بارزة وثقيلة منتقدة العلاقة الزوجية في أسوأ حالاتها، وعلى لسان البطلة يأتي المقول التالي:" من هو؟ مجتمع غبي رخص له في لحظة أن يفترشها،، يمتصها، يطفئها.." إذن فالمسؤول الأول عن هذه العلاقة اللامتكافئة واللامتوافقة هو المجتمع.

جريمة هادئة:
ما يميز هذه القصة هو كونها تلتقط اليومي الموارى، اللحظات المارة التي لا نعيرها اهتماما، ما يميزها أيضا هو كونها تحاول أن تترك الانطباع بالرتابة والهدوء وتبكيت الضمير: "المطحنة من يومها لا تفتأ تصيح: غرغر غرغر ررر،،" مشاهد جميلة ومعبرة. في حد البساطة وتنجح في تتبيث اللحظة التي تنشد الكاتبة خلقها " كان صوت ماء الصنبور في البالوعة ينساب في الثقب مغرغرا".
يتم استثمار الزمن أيضا بشكل فني فريد: صاحب المطحنة الذي يمارس عمله الروتيني بهدوء وسكينة في لحظة الحاضر وبين الفينة والأخرى يسترجع ذكرياته مع زوجته في جو هادئ مشابه للحظة الحاضرة: ".. تلك المرأة الشاحبة الواهنة القوى المطروحة أمام ناظريه دائما..صوتها المتقطع الدفين يجوب معه أرجاء المسكن الصغير منذ أعوام.. صوتها أنين غريب..صوت المعصرة الطاحنة هو صوتها..تئن..تئن، يالؤم الأيام: غرغر،،،،" وبذلك تخلق الكاتبة محايثة بين الزمن الحاضر والزمن الماضي. إن الاختلاف هو في التقابل بين ذلك الزمن الماضي الذي كانت تشغله المرأة/الزوجة الطريحة الفراش والحاضر الذي يشغله الزوج/الرجل الذي يشعر بالذنب حيث تبدأ القصة "الجريمة في جوفه يلفها الهدوء،، ومعه مدخنة تتوسط وجهه بفوهتين،، والمعصرة الصارخة أداة قتل بارعة سريعة بين يديه!"
من خلال هذه القصة الرجل يحمل في جوفه بذور الشر/في الماضي والندم/في الحاضر. وهو يشعر بالوحدة بعد أن قتل زوجته عن غير قصد.إنها صورة الرجل الوحيد المذنب أما المرأة فهي الضحية والوهن والضعف، صورتها على الفراش وهي تتناول الأدوية التي تنهك قواها وتقتلها.
هذه هي الصورة التي تنحتها المؤلفة للرجل والمرأة ، ولكن ما دام النص بين أيدينا مستقلا عن مؤلفته فلنقرأ القصة على أنها قضية اجتماعية ولسوف يبدو أنها أكبر من كونها قصة رجل وامرأة، وسيتسنى لنا أن نعيش ذلك اليومي الرتيب الذي تختبئ خلف المفاجآت ولربما تحفزنا للتوقف والتأمل عند اليومي البديهي المتملص منا.

ما قبل السقوط
لقد تم استبدال صوت الغرغرة الدال على صوت الرتابة في قصة "جريمة هادئة" بصوت أزيز الذباب ليخلق في هذه القصة جوا مستفزا وناشزا في فضاء ليلي قمري لا يفسد جماليته إلا هذه الفكرة المستفزة "وككل مرة تفعل ذلك في حركة نصف دائرية: زن زن ن ن ن،،ززز ن ن،،وتنعدم إثر فرارها انعداما فوريا" لا تنتظر أن تكون القصة أكثر من هذ! ! ولكن ماذا لو كانت هذه اللحظة هي واحدة من اللحظات العديدة التي تواجه الإنسان في سكينته.. لا شك أن الأمر يستدعي التوقف والتأمل حتى لأنها لحظة أهم من "لحظة إلقاء القبض على الزعيم" حين تقع الذبابة في القبضة الفولادية وتعتصرها نتوقع أن يشعر المستَفَزُّ بالراحة والطمأنينة ولكنه يشعر بالهزيمة فما فعلته به الذبابة من إزعاج وأرق لم تدفع ثمنه "كشفت عن نواجدي غيضا.. لا بل حملقت: كانت جثة الذبابة اللئيمة اللعينة بيدي وقد علق بوسطها خيط عنكبوتي رفيع!"

مربع مضيء في رأس امرأة:
لحظة للتأمل، هذا ما تطلبه القصة القصيرة عند زينب فهمي، وهي لمحة حداثية إن دلت على شيء فهي تدل على ريادة زينب فهمي إذِ استطاعت أن تنجب من اللحظة الهامشية تأملات عميقة، وإن كان الهاجس الذي يسيطر عليها هو تحديد ملامح المرأة.
من خلال قصة المربع المضيء تسعى الكاتبة إلى بلورة صورة المرأة وفق رؤيتها الفنية والثقافية فكانت في وصفها الدقيق لأثاث البيت اللامع وجدرانه البيضاء تنحث حركة موازية لنسج صورة المرأة المتماهية مع الأثاث النظيف البراق الذي " كان ثمينا وقد اشتاق ولا شك إلى طبقة رحيمة من الغبار"
إننا أمام شجب لتلك الوصاية التي تدعى "عناية" وهو شجب فني يفضح هذه الوصاية ويقول بالعبارة الصريحة:" قليلا من الإهمال يا سادة".
تتبدى صورة المرأة الموازية لحركة المكان ورتابته في مواضع شتى: " بدا خيال المرأة الشمعية باهتا من خلف الزجاج. وكان يعلو بشرتها نوع من الرطوبة الفضية " فهي-المرأة- ترفض أن تكون تحفة ذهبية في صحراء قاحلة، أو منظرا ملائكيا في مقبرة وتشتاق للتغيير: "لا تكاد تلحظ من الغبار(يكسر) ناضر هذا المنظر الملائكي الشبيه بمحتويات مقابر رخامية مزخرفة بالشواهد.."
قدمت لنا زينب فهمي من خلال هذه القصة صورة امرأة سجينة محاطة بالعناية إلى حد الاستلاب، تسمع مرة واحدة صوت السيد الذي يشعر أن تغييرا بدأ يطرأ على البيت فيأتي صوته صارما حازما: "كيف تجرئين؟ كيف تفتحين ما أمرت بإغلاقه إلى الأبد؟ هل نسيت؟ أنا موجود دائما هنا مهما تحركت قدماي خارج البيت! ما الذي حدث الآن؟ ما الذي قد تغير؟ انطقي.."
هذا الصوت وحده المعبر عن الرجل السيد الآمر الناهي الذي يرفض العصيان ويريد أن تبقى الأمور على ما هي عليه من استتباب.
قيمة القصة في اعتقادي تتبدى في الحيثيات المحيطة بها والداعية إلى روح التأمل (التحف اللامعة، الجدران البيضاء...) ترسم معالم المكان وشخصياته السجينة تريد أن تقول شيئا. إنه صوت القصة العميق الذي آن الأوان للإصغاء إليه مليا.

لا بد من القول أن صورة المرأة والرجل في المجتمع المغربي في دينامية مستمرة وفي تغيير يجعلنا ندعو إلى إعادة قراءة المجموعة في مسارها الأدبي الذي يسمح بسبر الأغوار الإنسانية للعلاقة المتجددة والمتقابلة بين الرجل والمرأة ، ولعل الصورة التي نسجتها زينب فهمي لكل من الرجل والمرأة كما تتبعنا من خلال هذه القصص هي ليست صورة مبتسرة واعتباطية بقدر ما يبدو أنها صورة تنضبط لتصور شمولي خلصت إليه المؤلفة وحاولت صياغته في قوالب أدبية متميزة دلَّت على الإبداع في اختيار تيمة المكان والزمان وفي عرض الفكرة وفي استعمال الضمائر.
شكيب أريج
20/01/2007


*زينب فهمي:( تحت القنطرة) الطبعة الأولى1976دار الكتاب –الدار البضاء

الأربعاء، 28 ماي 2008

ندوة تدريس الشعر بالمدرسة

(ندوة تدريس الشعر بالمدرسة المغربية )
يوم 26/03/2008
احتفاءً باليوم العالمي للشعر الذي تخلده "ورشة الشعر" بالمؤسسة تحت شعار
بالشعر نضيء العتمة


إعداد وتنسيق: شكيب أريج- عبد الهادي روضي


تقــــرير مفصل عـــــــن الندوة

إعداد وتنشيط الأستاذ : شكيب أريج

المحور الأول- أرضية للنقاش

الجداول تعذر علي نقلها على المدونة مباشرة فنقلتها على الرابط التالي

http://up.m5zn.com/167760328460/تدريس%20الشعر%20بالمدرسة.doc

من خلال هذه الاحصائيات يمكن أن نستخلص مجموعة من الملاحظات

الشعر يحتل مكانة ثانوية في مقررات مادة اللغة العربية (المفيد/مرشدي/الأساسي) وهو لا يغطي من نسبة النصوص إلا حـوالي %10 في أفضل الأحوال، وبالنظر إلى الحيز الزمني المخصص لمكون النصوص الشعرية نجد أن التلميذ يدرس قصيدة واحدة في ساعة واحدة بمعدل يصل إلى قصيدة في الشهر




ملاحظة دقيقة لأسماء الشعراء تبين أن واضع الكتاب يتمتع بأفق شعري ضيق، فلا وجود لأي نص عالمي أو نص من إبداع أنثوي. لكن الملفت هو مغربة الشعر حيث سنجد


أنه من بين 10 نصوص في السنة الأولى تم اختيار 4 نصوص لشعراء مغاربة، تكرر اسم محمد الحلوي لمرتين وحضر اسم علي الصقلي والحسن البونعماني، وكلها نصوص شعرية كلاسيكية ، أما بقية النصوص فتوزعت بين شعراء من أقطار أخرى (نزار قباني- أحمد شوقي- محمد العربي صمادح- إلياس فرحات- معروف الرصافي- إليا أبو ماضي


مقرر السنة الثانية تحضر فيه ثلاثة أسماء مغربية (ابن المرابط الدلائي- المدني الحمراوي- محمد بن ابراهيم المراكشي) وأربعة أسماء من مصر( أحمد هيكل- أحمد شوقي- أحمد عبد المعطي حجازي- ابراهيم ناجي) ويتضمن

المقرر قصيدة واحدة لنزار قباني





- وبلغة الأرقام فإن نسبة الشعر في المقرر لا تمثل سوى % 17.64 مقابل % 82.36 من النصوص النثرية، ونسجل أن أربع قصائد من أصل عشرة هي قصائد مساعدة في مكون التعبير والإنشاء.
- تضمن مقرر السنة الثالثة ثلاثة أسماء مغربية (علال الفاسي- مصطفى المعداوي- محمد بن ابراهيم المراكشي) واسمين من مصر (محمود سامي البارودي- أحمد عبد المعطي حجازي) وأبو القاسم الشابي من (تونس) بمجموع 7 نصوص شعرية مقابل أزيد من 40 نص نثري.

· ملاحظة أساسية تبرز من خلال تأمل هذه النصوص والإحصائيات وهي ضعف تنويع الأغراض الشعرية والاقتصار على المدح والوصف، ولعل التقيد بالوحدات المضمونية للمقرر يحجب الأغراض الشعرية المتنوعة (رثاء- فخر- غزل..) والموضوعات التي طغت في ساحة الشعر المعاصر (الحب- الموت- الوطن- التأمل- الذات..)
أحيانا توحي قراءة الأسماء أن واضعي المقرر وضعوا على كاهلهم مهمة الكشف عن الأسماء المغمورة (ابن

المرابط الدلائي- شبلي الملاط- المدني الحمراوي- محمد العربي صمادح...) يمكن القول أن الأسماء لا تهم بقدر ما يهم التوفيق في اختيار النصوص ومن تم يحق لواضعي الكتاب اقتناص أسماء من مجلات وجرائد أو حتى زوايا دينية ومدارس عتيقة.

وفي المقابل فإن الأسماء الأعلام (نزار قباني- إليا أبو ماضي-أحمد شوقي- أبو القاسم الشابي- علال الفاسي- سعدي يوسف..) توضع تحتها في الغالب نصوص باهتة لا تدل على الأوج الشعري الذي وصل إليه الشاعر، من جهة أخرى تبدو أهمية حضور أسماء الأعلام في كونها تكسب ثقافة شعرية ما أحوج التلميذ إليها. فلن نستغرب مع هذه المقررات أن يصنف التلميذ محمود درويش في خانة الروائيين أو السياسيين أو أن يعتبر المتنبي قصاصا أو فقيها.

* كما سبق أن أشرنا فإن النصوص الشعرية في كثير من الاختيارات لا تعكس الأوج الشعري الذي وصل إليه الشاعر، ومن تم الإلحاح على أن يتضمن المقرر عيون الشعر العربي القديم والمعاصر ولا يجب تبريرالاختيارات الباهثة بالمستوى الإدراكي للتلميذ فنحن جميعا نعرف أن التلميذ والأستاذ هما من يرقى إلى مستوى الشعر لا العكس.

هذه بعض الملاحظات العامة التي نضعها نصب أعين القارئ كأرضية للحديث عن موضوع شائك ومتشعب يمثل عصب اللغة العربية، وحسبها أنها ملاحظات تنبش عن أسئلة البداية.




المحور الثاني
موانع وعوائق تدريس الشعر في المدرسة المغربية




أولا يجب أن نميز بين الموانع والعوائق، فالمانع هو ما يمنع تحقق تدريس الشعرـ فنكون أمام استحالة تحقق حصة الشعرـ فمثلا إذا غاب النص الشعري فلا قدرة للمدرسة ككل على إحياء الشعر.
أما العائق فهو مشكل عارض يمكن تجاوزه لأن هناك عوامل قد تكون مساعدة، والعائق هو إبطال شرط من بين شروط عديدة لإنجاح حصة تدريس الشعر، ومن المستبعد أن تكون الحصة خالية من العراقيل وهو ما تشير إليه المقولة التربوية الشهيرة " ليس هناك درس أجود من درس بل هناك درس أقل إشكاليات من درس آخر"
للوقوف على هذه الموانع والعوائق لا بد من استحضار أسس حصة الشعر بالمدرسة (1- المدرس-2-النص الشعري-3- التلميذ-4- ديداكتيك تدريس حصة الشعر)
انطلاقا من هذه الأسس سنصوغ إجابات افتراضية لمجموعة من الأسئلة التي كانت محاور لندوة دراسية شارك فيها مجموعة من التلاميذ والأساتذة والفعاليات.




1- لماذا يشعر التلميذ أن درس الشعر مثله مثل جميع الدروس؟
2- ما هي الأمور التي يحبها التلاميذ في دراسة الشعر وما هي الأمور التي يكرهونها وينفرون منها؟
3- ما الذي يمنع من تذوق الشعر العربي ويحول دون اعتباره أحد المتنفسات مثله مثل الموسيقى والمسرح والتلفاز وكرة القدم..؟
4- ما الصعوبات التي يجدها التلميذ أثناء قراءة الشعر؟
قبل مناقشة الموضوع لا بد من الإشادة أولا بآراء التلاميذ الذين قدموا إجابات واقعية تنم عن وعي تلامذي، وعن رغبة تواقة إلى تلقي الشعر ودراسته، وهي إجابات أصابت صميم الموضوع.
بداية أجمع التلاميذ الحاضرين في الندوة على حبهم للشعر وعن رغبتهم في تلقيه ودراسته، في حين عبرت نسبة لا تتجاوز %10 من التلاميذ الحاضرين على عدم تحمسها لقراءة الشعر وتلقيه ودراسته . وعبرت بعض الآراء عن الرغبة المقموعة التي لا تجد من يدعمها ويصقلها ويقف إلى جانبها، كما عبر رأي آخر عن كون لغة الشعر هي لغة صعبة.




رأي كان أكثر جرأة أقر أن التلاميذ لا يمتلكون صورة واضحة عن الشعر وأوعز ذلك إلى كون الاختيارات الشعرية وأسماء الشعراء بالكتاب المدرسي لا ترقى إلى المستوى المطلوب، ومن جهة أخرى فالتلاميذ بحاجة إلى مهارات التلقي التي تمكنهم من تذوق الشعر.رأي كان أكثر صراحة ناقش مسألة صعوبة الشعر، ومن خلال شهادته نعرف أن التلميذ كلما اقترب من الشعر إلا وقيل له أنه صعب وبعيد المنال ولا يُفهم، إلى أن ترسخ الاعتقاد بذلك في نفوس التلاميذ فبات من الصعب إقناعهم بجمالية الشعر وعذوبته وسهولة تذوقه وفهمه.
أعرب بعض التلاميذ في هذا النقاش المتفاعل على نفورهم من الإيقاعات والأوزان وهو رأي حاول الأستاذ محمد



بويكادون توجيهه وتصويبه[1]

***


انطلاقا من استحضار أسس العملية التعليمية التعلمية في تدريس الشعر بمكننا أن نقف على جملة من الموانع والعوائق:
1- المدرس:
بعض التلاميذ أشاروا بشكل مباشر إلى مسؤولية الأستاذ في تحبيب حصة الشعر إلى التلميذ، وفي نفس الصدد يقول المعلم اليوناني سقراط "ماذا يمكن أن أعلمه إذا لم يحبني"، وبعض التلاميذ أشار بشكل غير مباشر إلى حاجاتهم إلى من يدعمهم ويصقل مواهبهم ويسايرها في مهدها.وفي اعتقادي أن المدرس يمكن أن يكون مانعا من موانع تحقق درس الشعر حين يقتل النصوص بالقراءة العابرة (الجورنالية) أو حين يطفيء جدوة الشعر المستعرة في المواهب المنبتقة، وهو يكون معرقلا في حال افتقد للطريقة الأنسب لتنشيط حصة الشعر، وركز على استظهار النص أكثر من تذوقه، وشرحه وتفسيره أكثر من التحسيس بجماليته إبداعيته.
2- النص الشعري:



شار بعض التلاميذ إلى أن النص الشعري لا يرتبط بواقعهم ولا يعبر عنهم، ونقول أن النص يجب أن يلامس واقع التلميذ لكن بلغة المتخيل وحبذا أن يحضر في هذه النصوص الشعرية ( عالم اللعب، مشاعر الأطفال، المراهقة، الفنون..) أيضا النص يجب أن يؤسس لثقافة جمالية تجذب التلميذ إليها، ولن يتأتى ذلك إلا باختيار أحسن النصوص وأحسن الشعراء وأحسن المواضيع.
3- التلميذ:
التلميذ أيضا يمكن أن يكون عائقا مثيرا، فالرغبة لدى التلميذ في الدراسة بصفة عامة وفي حب الشعر بصفة خاصة لا يخلقها المدرس في حصة واحدة أو بنص واحد، بل في سيرورة تعليمية وبأساليب وطرق متعددة.
التلميذ يمكن أن ينفر من أمور شتى في حصة الشعر مما يدفعه إلى عدم الاكتراث والاهتمام وتلك أهم سمة يتطلبها الشعر، لأن الشعر لا يقال في الضجيج، ولا يصل الأسماع الخاملة، من هنا صعوبة جعل التلميذ مريدا للشعر متعلقا به.




4- ديداكتيك تدريس الشعر:
هناك من سيذهب حد القول أن الشعر لا يدرس، وهذا ليس محل نقاشنا، لأن النصوص الشعرية كمكون دراسي محل الدرس، لكن كيف تدرس؟
انطلاقا من هذه الإشكالية يتعين علينا إيجاد طريقة فعالة لترسيخ المقول الشعري في المدرسة المغربية وجعله عصب اللغة العربية، لأننا نؤمن بجدواه في تهذيب سلوك ولغة الناشئة وفعاليته في الرقي بمادة اللغة العربية في مختلف الأسلاك التعليمية.
المدرس ¡ ¡¡¡النص الشعري¢¡ ¡¡¡ التلميذ
هذه الخطاطة التواصلية البيداغوجية تبقى قاصرة عن التعبير عن تدريس الشعر بالمدرسة، فلو افترضنا جدلا عدم ظهور أي مانع أو عائق لدى أي عنصر من هذه العناصر فإن العملية التعليمية لتدريس الشعر لا تتم إلا بوجود طريقة منهجية ديداكتيكية فعالة.
نشير هنا إلى أهمية اللغة فهي مادة بناء الأفق الشعري وكما يقول رولان بارت "اللغة ليست زادا من المواد بقدر ما هي أفق" نستحضر اللغة كأساس لبناء حصة الشعر لأنه كثيرا ما يجد التلاميذ صعوبة في تمثل اللغة، وعادة ما يجد الأستاذ نفسه منساقا إلى درس في اللغة فيغيب تذوق الشعر في حصة مدارها ساعة واحدة.
نستطيع أن نقول أن الحصة الزمنية المخصصة لتدريس الشعر أكبر معيق فلا معنى لحصة مختزلة ومبتسرة لا تفي بالمتوقع منها.
نضيف إلى ذلك غياب دليل يوجه خطوات درس الشعر أو يعطي نموذج للمقارنة والمقاربة، وما التوجيهات الديداكتيكية الموجودة في كتاب الأستاذ إلا عموميات ومتاهات تعدم أن تجد فيها إشارات إلى ديداكتيك مهارات الإلقاء أو الصور الشعرية أو إيقاعات الشعر وكل ما هنالك هي أهداف وكفايات فضفاضة.

[2]
وعلاوة على ما قدمناه في هذا الشأن فإن الكتب والدراسات المتخصصة في ديداكتيك النص الشعري نادرة وعادة ما نجد كتب ودراسات عن ديداكتيك النصوص القرائية بصفة عامة.[3]
إن غياب نموذج تقريبي لتدريس الشعر سيجعل كل مدرس مثل مؤذن مالطة وسينعكس ذلك سلبا على التلميذ ويزداد الشعر ضبابية في عينيه.





المحور الثالث: آفاق تدريس الشعر




الأسئلة التي يمكنها فتح آفاق جديدة للشعر نعتقد أنها أسئلة يجب أن تسائل التلميذ والأستاذ باعتبارهما قطبي الوعي في العملية التعليمية التعلمية،ولقد طرحنا في الندوة أسئلة تروم التأسيس لأفق شعري مدرسي واعد، ومن تم تساءلنا:
1- كيف تكون حصة الشعر حصة متميزة مختلفة تقدم الجديد بالنسبة للتلميذ؟
2- كيف يمكن تنمية الذائقة الشعرية وجعل التلميذ متعلقا بالشعر ومحبا له؟.
3- ما هي الوسائل الكفيلة بالتغلب على الموانع والعراقيل السابقة الذكر؟
4- ما الذي نطمح أن تقدمه لنا المدرسة فيما يخص الشعر والثقافة الإبداعية؟
لقد كانت هذه التساؤلات مثارا لنقاش ظل يراوح بين المتمنيات والإرادات الطموحة التي شاءت أن توثق مداخلات هذه الندوة لتبقى وثيقة وشهادة ولنكون على أقل تقدير قد خرجنا من دائرة الصمت.
آراء وجيهة في الندوة ألحت على ضرورة ارتباط الشعر بواقع التلميذ وتقديمه لما هو جديد (وملمح الجدة أحد الملامح المغيبة في قصيدة الكتاب المدرسي)
مداخلة رزينة أشارت إلى أنه يجب الإيمان أولا بالشعر والشعور بمسؤولية التلقي والوعي بأن جمالية الشعر هي في طريقة القول.
مداخلة باسم النادي الانجليزي نبهت إلى ضرورة الخيال واعتماد المواضيع المتخيلة وأكدت على أننا يجب أن نعود التلميذ على قبول النص ورفضه ونقده، فذلك مهم في الشعر وفي الحياة.
[4]
من جهة أحرى أشار البعض إلى أن قناة الشعر الأساسية هي الإنصات وأن الحلقة المفقودة في تلقي الشعر بالمدرسة هي عدم الإصغاء أثناء قراءة الشعر، لذلك لا بد أن نطمح إلى أن يغير الشعر بعض العادات السلبية في واقعنا.
ربط بعض المتدخلين بين مواجهة ظواهر سلبية مثل الاكتظاظ، وسوء برمجة الشعر في المقررات الدراسية وبين تحسين ظروف تدريس الشعر.
وفي الختام فإن أهم ما ألحت عليه الندوة هو إعادة النظر في نوعية القصائد المنتقاة التي تتضمنها المقررات، وتوسيع الحيز الزمني لتدريس الشعر مع تكثير النصوص الشعرية لتشكل نسبة معقولة ضمن النصوص القرائية




وضعية تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية



أستاذ اللغة العربية بثانوية الوحدة الإعدادية




تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية: أسئلة ومغالطات*
إن كل حديث عن الشعر هو حديث شائك ومعقد وغير ذي جدوى، سيما في ظل الإكراهات أو، لنقل على الأصح الموانع المنصَّبة، موانع تدريس الشعر، وحينما نتطلع اليوم لتدارس وضعية الشعر بالمؤسسات التعليمية، يغدو الحديث أكثر تعقيدا، لأنه حديث عن الشعر وليس غيره، قلت حديثا معقدا باعتبار الشعر الشجرة غير المسلم بخصوبتها وجدواها في وضع ثقافي مغربي شاذ، حديثنا عن الشعر يقتضي منا، بالضرورة، سلك ممرات غير مهادنة، تبتعد ما أمكن عن لغتي " كلوا العام زين" و"التطبيل" ، بل عليها أن تكون حريصة على الفضح، وأكثر حرصا على انتقاد الوضعية، وتبيان وجهها الحقيقي، بغية وضع الأصابع على مكامن الداء، ومن ثم الاهتداء إلى وصفات دواء تحد من استشراء داء هجرة الشعر، وعدم الإيمان به مطلقا.
وأول ما يواجهني في هذه المداخلة بضعة أسئلة تكاد تلازم بنيات هذه الوضعية، وضعية الشعر، وهي: ما ذا نقصد بتدريس الشعر؟ هل نقصد به نمذجة النصوص الشعرية المتبثة بالمقررات المدرسية، وتقديم ملخصاتها جاهزة للتلاميذ؟ ماهي وضعية الشعر راهنا؟ هل نمتلك إيمانا حقيقيا بجدوى الشعر؟ ثم كيف يتحقق الارتقاء بتدريس الشعر؟
لا أملك إجابات شافية لهذه التساؤلات لكنها أسئلة تدفعني إلى تقويض بض المغالطات التي تعتري الشعرعموما، وتدريسه خصوصا بالمؤسسات التعليمية وهي:
1ـ غالبية ساحقة ممن يلتصقون بالشعر لا يمتلكون إيمانا حقيقيا به أولا، وبجدواه ثانيا، ويجسدن هذا المعطى تقلُّصُ هوامش البحث لدى تلك الغالبية (الأساتذة خاصة)، وانعدام مواكبة الساحة الشعرية مغربيا وعربيا وكونيا.
2ـ هذه المعطى يقودني إلى القول إن الكثير من الأساتذة يتعاطون مع الشعر باعتباره معطى ساكنا، من حيث المعطيات التاريخية والدلالية المحيطة بالقصيدة وكتابتها، وهو تعاطٍ يعزى بالأساس للمنزلقات والالتباسات، التي اعترت درس تلقي هؤلاء الأساتذة للشعر في الثانويات والمعاهد العليا، والجامعات، والمُتحصَّل تضاعف الإيمان بلا جدوى القصيدة.
3ـ تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية يجب أن يني على موقف عاشق،وإيمان داخلي بدءاً باختيار النصوص الشعرية، وتكييفها بحسب المراحل العمرية للمتمدرسين، وثانيا، بخلق موازنة بين حصص تدريس النثر والشعر، إذ لا يعقل أن يستأسد النثر وحده بحصة الأسد، بينما يتموقع الشعر كزائر يطل علينا مرة كل شهر.
4 ـ درس الشعر يجب أن يواكبه دعم معنوي سواء بالنسبة للمدرسين، أو المتمدرسين، عبر تقليص المدة الزمنية لأساتذة التعليم الثانوي التأهيلي المنشغلين بالشعر(بدل 24ساعة تتم برمجة 16ساعة مقابل تدريس الشعر)، وتحفيز التمدرسين بإنشاء مسابقات ولقاءات شعرية مستمرة، إرساءً لحضور الشعر في كيانهم.
5ـ يجب تفعيل فكرة الإيمان بالشعر، عبر تأسيس أوراش تتداول مستجدات هذا الجنس الإبداعي، وخلق دورات تكوينية للفاعلين في مجاله.



6ـ بموازاة مع ذلك، يتحتم على الوزارة وشركائها العمل على تفعيل حضور الشعر، وذلك بدعم مبادرات إقامة الملتقيات الشعرية، والندوات التي تتدارسه، وتزويد المؤسسات التعليمية بمستلزمات درس الشعر (دواوين متنوعة قديمة وحديثة، أشرطة صوتية، أقراص مدمجة، شرائط صوتية...إلخ(، وإشراك الشعراء ونقاد الشعر في برمجة النصوص الشعرية في المقرارات التعليمية المدرسية.
أخلص في نهاية هذه المداخلة إلى أن تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية تعتريه جملة موانع، منها ما يرتبط بالإرادة الداخلية الذاتية لأطراف العملية التعليمية التعلميية (الوزارة ـ المتمدرس، والأساتذة )،ومنها ما هو خارجي، ويرتبط بوضع الشعر في منظومة الثقافة في العالم، والاختيارات التي تتباها الجهات الصانعة للقرارات، فالشعر ضد ما هو لا إنساني، ولا يؤمن بالقيد وبالسلطة، لذلك غالبا ما يتم تلجيم هامش الحضور الذي يمتلكه الشعري فينا، مثله في ذلك مثل ما هو ثقافي.





عوائق تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية



مداخلة الأستاذ: محمد بويكادون



أستاذ اللغة العربية بثانوية الوحدة الإعدادية
مما لا شك فيه، أن الحديث عن عوائق تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية ينبثق من وجود قلب مؤمن بالشعر، محاولٍ كشف القناع، وإزالة الغبار عن العقبات الحائلة دون تدريسه في ظروفه الملائمة حفاظا وإبرازا لخصائصه ومقوماته، وترسيخها في نفوس التلاميذ، وهذا الحديث قلما طرح ونوقش، وأغلب من خاض فيه ليس أهلا له، كما لو طلب من حداد إجراء عملية لأحد المرضى، فهل هذا يستقيم؟!
ولعل الناظر إلى هذه العوائق يجدها موزعة إلى نوعين:
- عوائق داخلية: ترنو إلى إيضاح بعض العوائق التي تخص التلميذ ذاته لا تحيد عنه، باعتباره المستهدف في هذه الدراسة، وفي هذا الإطار يمكننا الحديث عن:
· عائق مرتبط بنفسية التلميذ، إذ نجد هوة كبيرة وبونا شاسعا تكاد تضل فيه القطا بين التلميذ والشعر، وهذا ما تؤكده وتجَليه التجربة، فذات مرة استفززت التلاميذ بالسؤال الآتي:هل تحبون الانتقال إلى نص شعري أو مواصلة النصوص الوظيفية؟ فكما لو عكرت صفوهم، وجدت نفسي أمام أجوبة ثنائية متشظية التقطت بعضها: "آش بينا شي شعر..". فهذا كله يمكن إرجاعه إلى الحاجز النفسي، وهو حاجز نتج عن خلفيات وتراكمات متعددة، عملت السنوات الدراسية الأولى فيها العامل الأساس.
عائق مرتبط بمستوى التلاميذ، إذ لا ريب أن الكل يتفق معي أن الشعر بالإضافة إلى ما يميزه من وزن وإيقاع فهو يحمل رؤيا معينة إلى الحياة عبر قنطرة اللغة؛ ونلاحظ أن المستوى اللغوي العام والغالب لتلامذتنا مستوى ضعيف لا يقوى إلى التفاعل مع الشعر، ومن تم يضعف ذائقتهم الشعرية التي تعتبر تنميتها غاية ومرمى تدريس الشعر. فالطريق إلى تحقيق هذا التفاعل ابتداءً هو الرفع والتحسين من المستوى اللغوي للتلاميذ، والتفاعل ينبني على عنصر التخييل، وأول من أشار إليه هو حازم القرطاجني (608هـ/684هـ) في كتابه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) حينما عرف الشعر، إذ يقول:
» الشعر كلام موزون مقفى، من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه لتحمل على طلبه أو الهرب منه..



الأستاذ محمد بويكادون يتابع أطوار الندوة

- عوائق خارجية: في هذا الإطار نروم الحديث عن بعض العوائق التي لا صلة لها بالتلميذ لكن لها صلة بالشعر من حيث واضعو ومختارو النصوص الشعرية في المقررات الدراسية، ومن تم يغدو هذا النوع من العوائق أخطر وأطمَّ من سابقه. لأجل ذلك سنخص الحديث هنا عن:
· قلة النصوص الشعرية المقررة، مقارنة مع النصوص النثرية، فكيف يمكننا تحفيز التلاميذ على قراءة الشعر وتنمية ذائقتهم الشعرية وشحذ هممهم من أجل الإبداع والخلق أمام هذا النزر القليل من القصائد الذي يعادل قصيدة في كل شهر.
· النصوص الشعرية المختارة، الكثير منها ينم ويكشف عن سوء اختيار وضعف تدبير، وذلك من حيث مواضيع هذه النصوص ومضامينها، وكذلك من حيث اختيار القصيدة الواحدة لشاعر معين، إذ نعلم أن هناك العديد من القصائد الغنائيةوالإنشادية، فلماذا يتم تجاهلها لحساب النصوص الأخرى، ولا نجد منكرا أن الإنشاد خاصية من خصائص الشعر لا ينفك عنه؛ وتاريخنا القديم ينبئنا بذلك ويقدم لنا نماذج فيه، فهذا شاعرنا النابغة الذبياني، وهو أحد الشعراء الجاهليين، قد عيب في شعره الإقواء، ولكنه لم يأبه له.. ولم يكترث لمن عاب عليه ذلك، إلا بعد أن استمع إلى شعره منشدا، فذات يوم سافر إلى يثرب مستضافا، فبدأت جارية بإنشاد شعره وخاصة البيتين الآتيين:



أمن آل مية رائح ومغتدي عـجلان ذا زاد وغير مُزَوَّدِ
زعم البوارح أن رحلتنا غدا وبذلك خبرنا الغراب الأسوَدُ
حينئذ انتبه إلى الإقواء في اختلاف حركات الحرف الأخير من كل بيت بعد الإنشاد، فقال قولته المشهورة، » وردت يثرب وفي شعري بعض العاهة، فصدرت عنها وأنا أشعر الناس«
فهذا ذكر بعض العوائق في تدريس الشعر بالمؤسسات التعليمية، وما أسهل الحصول على الدواء، إذا علم الداء وحُدِّدت مواصفاته، إلا أن هذه السهولة تحتاج إلى إرادة قوية وعزيمة جادة في محاولة تجاوز كل العتبات، واختراق كل الحواجز من أجل الوصول وتحقيق الهدف المرغوب.








مداخلة نادي اللغة الإنجليزية:




عبد العزيز المرابط: أستاذ اللغة الإنجليزية

مايك و سيريتا: عن هيئة السلام الأمريكية

تمحورت المداخلة حول مقارنة بين المناهج الأمريكية في تدريس الشعر والمناهج المغربية، حيث أشار مايك إلى أن المقاربة الأمريكية في المقررات المدرسية تعتمد على تدريس الشعر حسب مستويات ففي المرحلة الأولى يتم التركيز على الأبعاد الجمالية والتخييلية، ويسوق مايك مثالا لا يزال يتذكره وهو "العربة الحمراء" (وهو موضوع يناسب المرحلة العمرية ويترسخ في مخيلة مايك الطفل) ثم في المرحلة الثانية يصير الاهتمام بتدريس الشعر فيما يخص الايقاع والمقاطع وفي نفس الوقت يتم انتقاء قصائد متنوعة ومنها ما هو عالمي. وفي مرحلة لاحقة يتم التعمق في الصور الشعرية وتحليل الدلالات الشعرية.

وعقب أستاذ اللغة الانجليزية عبد العزيز المرابط موضحا أن ما ينقص المدرسة المغربية هو ذلك التدرج من الأسهل إلى الأصعب، وأكد على أنه من المحتم على المدرسة المغربية إعطاء الأولوية لمكون الشعر، وأن يتم انتقاء قصائد جميلة.

من جهة أخرى أشارت سيرينا إلى أهمية التخييل، لأن الشعر هو مفتاح الخيال وهو الذي ينمي القدرة على التجريد.
وفي الختام أكد كل المتدخلين من أعضاء نادي اللغة الانجليزية على ضرورة الشعر وأهميته كمحور للعملية التعليمية التعلمية، وأكدوا على أن الرغبة وحب التلميذ للشعر هي المحفز الأكبر لتلقي الشعر.

ملاحظة: تجدر الإشارة والإشادة بالدور الذي قام به أستاذ اللغة الانجليزية عبد العزيز المرابط كجسر للتواصل والترجمة الفورية بين جمهور ومنشطي الندوة ومايك وسيرينا المتحدثان بلغة انجليزية.



مداخلة الأستاذ رشيد صديقي

أستاذ التربية الإسلامية بثانوية الوحدة الإعدادية

لا يخفى على ذي لب العلاقة الوطيدة التي تجمع الإنسان العربي قديما بالشعر، فالشعر بمثابة الهواء الذي يتنفسه أو الماء الذي يبقيه على قيد الحياة، لذلك كان العرب ينظمون الشعر سليقة وفطرة وطبعا دون تكلف لكونهم تشربوا الشعر من ألبان أمهاتهم، كيف لا يملكون زمامه وخطامه؟ وهم أهل الفصاحة وأرباب البلاغة وملوك البيان.
وفي العصر الإسلامي اعتمد المسلمون على تضمين الشعر مصنفاتهم ومؤلفاتهم، واعتبروه مصدرا من مصادر تفسير كلام الله عز وجل، يقول ابن عباس (الشعر ديوان العرب).
لكن في العصر الحالي نلاحظ أن الاهتمام بالشعر أصبح ترفا فكريا مقصورا على نخبة وفئة معينة من الناس.


مداخلة الأستاذ: أحمد خشاف

أستاذ مادة الرياضيات بثانوية الوحدة الإعدادية

بسم الله الرحمن الرحيم، أولا أود أن أشكر أعضاء ورشة الشعر بالنادي الأدبي على الاحتفاء باليوم العالمي للشعر بهذه الطريقة. مداخلتي كالآتي:
كلنا يعلم أن دور أستاذ اللغة هو الحرص على أن يتقن التلميذ التحدث بلغة سليمة. وهذا لن يتأتى إلا بالحفظ والسماع، فعلى سبيل المثال كلما سمع التلميذ جملا كثيرة ترفع الفاعل، كلما ترسخ في ذهنه حتما وجوب رفع الفاعل. نفس الشيء بالنسبة للحفظ فكثرة حفظ القصائد الشعرية تتبث قواعد اللغة العربية. فلا يعقل أن لا يستطيع التلميذ أن يبدع أو يخلق، لذا وجب على الأقل رفع نسبة القصائد الشعرية إلى 50% من مجموع الحصص الدراسية.










ملف الندوة كاملا على الورد:



















http://up.m5zn.com/160130122008/تدريس%20الشعر%20بالمدرسة.doc الشعر بالمدرسة.doc












يتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبع




































الخميس، 22 ماي 2008

القاص المغربي: أحمد بوزفور

تقديم أحمد بوزفور لقصة شجرة القهر


» شجرة القهر« مجموعة قصصية متميزة على عدة مستويات:

- على مستوى الفضاء أولا:

فسواء كانت خلفية المجال القصصي هي البادية (الفلاحة والرعي والحيوانات والحقول) أو المدينة (الأحياء الشعبية)، فإن الفضاء فضاء فقر مدقع مسحوق بائس يائس. فقر ناتئ يكاد يلمس باليد، وحياة صعبة وكأنها تعاش بالقطارة. لكن هذا الفضاء الأسود القاتم فضاء أدبي جميل مع ذلك، لأنه مغلف بسخرية باسمة تشيع في ثناياه كالماء الرقراق. سخرية متعاطفة لا تسخر من الفضاء، بل كأنما تسخر به أو تسخر فيه من الوضع المغربي أو من الشرط الإنساني أو من الأدب المخملي المصقول أو من ذلك كله في وقت واحد.


- وعلى مستوى اللغة الخاصة جدا التي تنسجم مع هذا الفضاء كأنما خلقت معه، له لغة تشرح تفاصيل المشهد حتى تكشف عن عروقه العارية، وتسمي الأشياء بأسمائها المستعملة في الواقع ولا تتحرج من أن تكون نابية أحيانا، وقاسية أحيانا وصادمة أحيانا. كل ذلك بسلاسة وتدفق وفي إطار قواعد اللغة ومعاييرها كأنما تقدم لك الشوك مغلفا بأوراق الورد وليس العكس كما يتوقع قراء القصة الحديثة.


- وعلى مستوى البناء القصصي المتماسك المرصوص الذي يحذف الزائد وينتظم الشتيت ويحرك الخامل، ويضبط بالعناوين ونهايات القصص إيقاع معزوفة الأثر والوقع.» شجرة القهر« إضافة نوعية خاصة إلى المتن القصصي المغربي أتوقع أن تثمر، رغم القهر الذي تصوره- وربما به- أشكالا من الحرية والخصوبة والجمال في نفس القارئ الذي له كتبت المجموعة وله أيضا كتب هذا التقديم .


(» شجرة القهر«- ص5-6)

شجرة القهر مجموعة قصصية للكاتب المغربي محمد كروم




شجرة القهر مجموعة قصصة للكاتب المغربي محمد كروم هي الاصدار الأول له أعتقد أن حكيه حديث ذو شجون


أترككم مع هده القصص المقتطفة من مجموعته القصصية الأولى:


نص قصصي

النجاة....النجاة


سحب من تحت سريره علبة كرتونية، أخرج منها حذاء شبه جديد و بدلة محترمة هي كل ما ورثه عن أيام الدراسة. شكر الله على نجاتها مرة أخرى من مناشير الفئران الكاسحة التي تباغت أشياءه الرخيصة من حين لآخر. لم يعد و سيما كما كان من قبل. صدأ الانتظار عجل بجفاف عوده و استرخاص وجوده. قادته قدماه إلى الطرف الشرقي للقرية حيث سيقابل إنسانا مهما، و حيت تعود أن يدفن وقته في التراب ينبشه بسبابته أو يتأمل بحسرة مروق سيارة أو شخير شاحنة أو قدوم مسافر يحمل خبرا يفرج كربته. فهو وحده في هذه النقطة المنسية يعرف ماذا يمكن أن يصنع به أي خبر جديد. جلس كما لا يجلس عادة على صخرة مستطيلة، يطارد سربا من الذباب، عيناه في الأفق البعيد : تطير به الريح إلى بلاد السند والهند، يصارع آلهة البحار، و يعود بعد طول انتظار، محملا بالهدايا و المحار. يعوض البقرة التي من أجله بيعت، و الأغنام التي نفقت، و يحول بستانهم الذي صارت تتمرغ فيه الحمير إلى جنة، يجن لها أهل القرية حسدا وغما. و ابنة الجيران التي ردته وعيرته بعطالته ستأكل أصابعها ندما، نعم ستأكل... جفل قائما على صوت منبه سيارة رمادية توقفت فجأة. أعاد ترتيب أنفاسه بصعوبة وهو قابع بداخلها يتأمل رزما من الأوراق من كل حجم و صنف. لا يدري كيف ذكرته بالدكان الوحيد في قريته و ما يُروى عن ميزانه من قصص. طمأنه صاحب السيارة على ملفه، و أقسم بشرفه أنه وضعه في يد أمينة و أن كلمته مسموعة عند أصحاب الشركة، و سأله إن كان قد شاهد قبل أيام وزيره ووعوده السخية، و كيف أن مسؤولياته الجسام لم تحرم الناس من حقهم في التملي بصورته البهية. و في اليوم الموالي كان ينهب المسالك من قرية إلى قرية ومن مدشر إلى مدشر ترفعه نجاد وتخفضه وهاد تحت شمس خريفية محرقة. كان بليل الريق قليل الحركات يوزع الأوراق، يشرح البرنامج. يبعث بخطبه جثة التاريخ المنحطة ببعض العطور المستوردة من أهل فاس. و إذا هاجمته في الليل ذكريات الماضي و الرفاق حوله متحلقين يتابعون تمزيقه أوصال التاريخ وتحريضه على السير بهمة إلى الأمام، سبح باسم مبدل الأحوال ثم نام.و مضى أسبوعان ثقيلان يجران خلفهما أيلول، فانجلى الغبار، و تبين راكب الحصان من راكب الحمار. و إذا مدير الشركة قد ذاب كقطعة سكر، بل كقطعة ملح. فأنا أمزح طبعا لأن السكر عندنا لا يذوب بسهولة. وصلته الأخبار. لم يستوعب ما حدث. لم يعد يحدث أحدا، أو يحدثه أحد. حتى خوار بقرة الجيران التي ولدت ليلة أمس صار يستفزه. طاف بالبيت يتأمل كل محتوياته كأنه يراها لأول مرة. و كمن يبحث عن شيء محدد انهمك يقلب ظهرًا لبطن بقايا خشب وحديد. و فجأة وقف يتأمل. لا يدري كيف ولا من أين وصل هذا الميزان البلاستيكي إلى وسط هذه الكومة ؟ بصق عليه وهو ينفخ الغبار عنه. علت شفتيه بسمة شاحبة. تلفت يمنة و يسرة ثم وضع الميزان في قفص لم يؤمن يوما بجدواه، فعلقه منذ زمان على الجدران.تسارعت حركاته وهو يبحث عن أشياء أخرى يود وضعها بجانب الميزان. علت وجهه مرة أخرى تلك البسمة الشاحبة. وضع القفص في سطل القمامة، فبال عليه، ثم خرج و لم يعد.

كروم محمد-



حدث ذات صباح


وأخيرًا غادر مدينة البيضاء، مخلفاً وراءه شلوًا من سنوات المذلة و الانكسار، و غرفة يسميها أهل المدينة بيتاً. غرفة تصلح لأي شيء إلا أن تكون بيتا، و مع ذالك كانت بيتا. فيه يصبحون و إليه يروحون. كأنه دبر دجاجة.عاد تطير به أحلام الصبا إلى جنوب مراكش حيث قرة العين وسويداء الفؤاد. قرية آبائه وأجداده، وحيت لا يملك إلا بقايا دار رغم أن أجداده أقدم من سكن القرية، كما تحكي المسنات أيام كن يتقملن تحت دفء الشمس و ينقلننا إلى عوالم لم يعد من يحكي عنها أو يسمعها. عاد إلى قرية الشويرج بإصرار من زوجته راضية التي تورمت قدماها ولم تعد تقوى على القيام بكل ما تقوم به النساء.و مضت الأيام و بوعزة كالنملة يقضي سحابة يومه في ترميم بقايا البيت المتهالك أو يدبر الطعام لنفسه و لزوجه. فتراه يتهادى مع نسيم الصباح . يجلب الماء من المسجد و الحجارة من الوادي.وفي الهاجرة لا تدور الراحة بخلده أبدا، بل تراه منهمكا على البئر يحفرها. أما و قد صارت الشمس مائلة كعين الأحول فلا بد أن يروم الشعاب يحتطب بقايا سدر يابس أو يقضي حاجة يسر لها الذباب و يتهالك عليها. حتى إذا تعب من كل ذلك أشعل الشمعة و سرح " السبسي" ثم جلس يقص "الكيف" على إيقاع شخير راضية الذي لا يكسر رتابته إلا نباح كلب ضال أو نهاق حمار يتهيأ بين الفينة والأخرى.كانت الأيام تمضي و بقايا الدار تستوي دارا، و دالية غضة تتربع كعروس مكتسحة فناء الدار شيئا فشيئا. وبوعزة هذا كان أعور. يقول البناؤون الذين اشتغلوا معه في البيضاء انه سقط من فوق بناية ولو لم يكن له عمر كلب لمات ساعتها. لكن بعض متفكهي القرية يروون عن حسن الراعي أن الذي ذهب بنور عينه هو روائح الضرط التي يفجرها الغلمان في وجهه ساعة الطعان. غير أن الذي حير الكبير والصغير وظل الكل يلوكه في صمت هو كيف استطاعت راضية أن تظل راضية على بلاويه هذه السنين كلها؟ راضية هذه كانت حين تمشي تبدو كبطة. وكانت المسكينة تحب القرية، وتحب الكرام من أهلها. غير أن ما تحبه أكثر هو الذهاب عند عويشة التي لم تحتر كما احتارت نساء القرية في تفسير سر البشر الذي صار يطفح على وجه راضية. فقد أسرت لجارتها زهيرو، ورجتها ألا تخبر أحدا أن ورم رجلي راضية كاد يزول بفضل جو القرية الجاف وأن ذلك لن يعوقها بعد اليوم عن ولوج كل بيوت القرية لابتلاع ما لذ وطاب من هندية وكسكس وباذنجان و لبن. ...و... .ولم تعقها قدماها.صارت تحج إلى كل البيوت.وصار بوعزة يطوف بهمة لا تفتر يبحث عن غلام أو يحارب خصما منافسا.غير أن خوفه الكبير كان من أخيه المختار الذي تجاوز خريفه الستين وما زال مصرا على الإضراب عن الزواج لاغناء تجاربه.ودارت الحرب سجالا بين الرجلين.وأقسم كل واحد بشرفه و بشيبه ألا يتوقف أو يتراجع أبدا.وفي عز الحرب كان بوعزة يطير إلى البيضاء لصرف معاشه فيبتاع زجاجة ويسكي و"طرفا"من"الكيف" ثم يعود إلى قواعده ليعدهما كمائن مغرية.وسارت الأمور كما يشتهي بوعزة ويكره المختار مدة من الزمان.و كاليدأدماها سوارها استيقظت القرية ذات صباح ملتهب على مقتل بوعزة.اكتسح القرية هدير الصمت.وعلا الوجوم وجوه الناس.لحظات عصيبة لم تدر بخلد أحد قط. حضر رجال الدرك . لم تتراجع امرأة واحدة. تقرفص الأطفال الحفاة بجانب الجدران يطردون الذباب عن زبد أنوفهم و عيونهم. كانوا يتابعون ما يجري ذاهلين و يسترقون السمع للكبار يتمتمون بالأدعية و يقرأون اللطيف وأعناقهم مشرئبة للجثة المطعونة. )كبيزة قتلو...سمعتو كالها... ( ولم ينكر"كبيزة" ابن السابعة عشر ربيعا. كان يضحك وهو يشخص المشهد. حتى خاله الأعور الذي حج إلى السجن أكثر من مرة تعجب من جرأته وسب الزمان الذي صار فيه الإنسان يقتل الآخر بسبب سنبلة "كيف" واحدة. نعم سنبلة"كيف" واحدة. وحين انطلقت سيارة الجيب تحمل خلفها" كبيزة" ، كان ما يزال يضحك وهو يتأمل و يسمع عويل راضية يشق سماء القرية.

كروم محمد-

الأحد، 18 ماي 2008

رواية هوامش سجين للسعيد الخيز


الكاتب المبدع: السعيد الخيز





من أحدث الإصدارات رواية للروائي الشاب سعيد الخيز تحت عنوان سجين الهوامش، هي الرواية الأولى له والخطوة الأولى في عالم النشر صدرت في الأسابيع القليلة الماضية.


الرواية في نسختها الأولى حازت على جائزة وزارة الشبيبة والرياضة للذين يذكرون أيام مبادرة زمن الكتاب.


ثم استطاع الكاتب أن يتأهل بها للأطوار الأخيرة من مسابقة القناة الثانية المغربية


حول الابداع الأدبي


وشهدنا جميعا مبارك ربيع وهو يتلو تلاوين الشعودة الروائية عليها؟


لا أعرف إلى حد الآن هل الرواية التي كتبت بنفس حداثي ستصفع القارئ صفعة فنية أم صفعة رديئة يندم بعدها على قراءة الجنس الروائي


نقلت إليكم أعزائي رابط الرواية بشكل حصري لمن يجرؤ على تلمس القراءة والكتابة معا بين سطور المبدع السعيد
الخيز:




الرابط من هنا

http://up.m5zn.com/171430006336/&#15...78;ى.doc

الخميس، 15 ماي 2008

بقلم : شكيب أريج
مقررات التسطيح والتلجيم
مقرر السنة الثانية إعدادي (المرجع في اللغة العربية) نموذجا

هو المرجع إلى بطن الخرافة والرجوع ارتدادا إلى سلطة فكي أسنان شيخ القبيلة، هو مقرر ينهل من فناجين القهوة العربية أو هو- الكتاب- حذاء صيني ضيق أريد له أن يكون قالبا للعقول الصغيرة فلا تنتج غير أفكار مكعبة وتمثلات مسطحة.
يقول المفكر عبد الله القصيمي: (الغباء مثل الخبز غداء يومي للجماعات..) هكذا يستجيب مقرر (المرجع في اللغة العربية) –السنة الثانية- إلى ما يطلبه الجميع، في حين أن المثقفين باعتبارهم جماعة صغيرة من ملوك حكماء يتحلون بالموهبة الاستثنائية والحس الأخلاقي العالي هم أولى وأحق ببناء ضمير الإنسانية من جماعة الميكانيكينن الرسميين، هؤلاء الذين كلفتهم الوزارة الوصية بعد أن وضعت في عيني كل واحد ضوءين أحمرين فاقتصرت مهمتهم على التسطيح وتقديم مقرر غريب عن التلميذ، بعيد عن احترام الكيان الإنساني.

1- ملاحظات حول النصوص الشعرية:
مع احترامي الكلي لمهنتي الخباز والعطار، فإن بعض المتطاولين على هذه المهن الشريفة أساؤوا إليها، إذ لم يجدوا بدا من اقحامها في ميدان التعليم، فاشتغلوا بتعليب العقول وتقديم الخبز المحترق المسمم، فهذا مقرر الشعر ينعي حظه، فقد غاب فطاحلة الشعر وأسياده من أمثال المتنبي والمعري وعنترة، واستبدلت الرخاخ بالبيادق، فالأسماء التي أقحمت هي أسماء باهتة ليس لها أثر في حدائق الشعر الغناء.
ثم إن اختيار القصيدة خضع لاعتبارات ضيقة وولاءات ظاهرة، فقد انصبت أولوية واضع المقرر على ربط القصيدة بالمجال وذلك على حساب غايات الشعر المثلى (التهذيب، ترقيق الحس، التربية الموسيقية، التأمل والتساؤل..) هذا التصور المبسط والسطحي للمجالات أدى إلى طرح مبتذل واستهلاكي للقضايا
- البعد الحضاري في القصيدة ، هو أعمق من الوقوف عند المخترعات والزخارف والنقوش والحيطان. وذاك هو الفخ الذي وقعت فيه قصيدتي "غرناطة" لنزار قباني و"مركب العلم" لأحمد البورقادي.
- "وطن الكرام" قصيدة لحسن السوسي تنقل لنا الوطن جسدا بلا روح، تكرس الحس المنعدم بالوطن وتسهم إلى حد بعيد في ترسيخ شعور النقمة على الوطن، فالرصاصة التي لا تصيب هدفها في ميدان الشعر هي رصاصة ترتد على صاحبها.
- "الفن الجميل" و" المسرح" من النصوص الشعرية المندرجة في المجال الفني والثقافي ، والغريب أن القصيدة في حد ذاتها محمول ثقافي وفني فما الداعي لحضورها معرفة بالفن أو إشادة به وتمجيد له. لكن إلزامية المجال الحرفية أملت على واضع المقرر الالتزام بضوابط التصنيف والانتقاء بشكل ببغائي يدعو إلى الحسرة.

2- ملاحظات حول نصوص المجال الحضاري:
لا بد أولا من وقفة متأنية فاحصة للمنهج الذي قسم على أساسه الكتاب، وأقصد نظام الوحدات، وقد آثرت أن أقتصر على هذه الملاحظات حول النصوص النثرية للمجال الحضاري، من باب قياس الجزء على الكل، ومن باب إذا ظهر المعنى فلا فائدة من التكرار، وملاحظاتنا على هذا المجال تغنينا عن الاستفاضة والوقوف عند نصوص كل محور على حدة.
يقول الفيلسوف الألماني هيدغر "إن الأمة التي لا تنتج تصورات لا يمكن أن تسير إلى الأمام" من هذا المنطلق نؤمن بأن تقديم النصوص واختيارها يجب أن ينبثق من رؤية واعية ورحبة، وأن لا يكون الهاجس الأكبر هو التلجيم والتنقيح إلى حد الوسوسة الفكرية.
إن غياب تصورات مؤسسة هو ما يجعل النظرة في غاية التبسيط والتسطيح لمفهوم الحضارة، فاختيار النصوص ينبني على ترسيخ تمثل ذهني عند الطفل يحصر فيه الحضارة في الزخارف والمخترعات.
يبدو أن النص الأول "التفاعل الحضاري" لقدري طوقان قد نجح إلى حد ما في تقديم مادة دسمة لترسيخه لفكرة مفادها أن الحضارة ارتقاء ولبنات. لكن النصوص التي حصرت معنى الحضارة في التقنية تكرس فهما براكماتيا ماديا لا يرقى إلى الغايات المنشودة في مقرر ينشيء الأجيال.
الأدهى والأمر أن الكثير من المعلومات المتقادمة والغير مشوقة قد وجدت مكانا لها في كتاب الغرابة هذا.
طريقة تقديم هذه النصوص -هي الأخرى- يعتريها خلل واضح، فغياب التشويق والأسلوب السلس هو ما يحكم هذه الاختيارات، اللهم إلا إذا استثنينا نص "الطاقة الذرية" للكاتب أحمد زكي، وهو المعروف بأسلوبه المجتذب للقارئ الصغير.
ولنا في نص "الآلة الحاسبة" مثال على البشاعة في العرض، فالأسلوب العلمي المحض، عطل تفاعل هذا النص، وعزاؤنا أن يصنع الأستاذ المعجزة لبعث الحياة في نص لغته أقرب إلى الترجمات الرديئة.
وسيبدو كم هو مفارق للواقع حشر نصوص مثل "ثورة الإعلام" و"المذياع والجرائد"، إذا عرفنا أن التلميذ الموجهة له هذه النصوص هو ابن الثورة المعلوماتية الرقمية، وأي حديث عن المذياع والجريدة هو حديث خرافة بالنسبة له.

" من يجد نفسه في حفرة عميقة، من الأجدر به أن يتوقف عن الحفر" هذه الكتب المدرسية أصحابها والمدرسين بها والتلاميذ يعرفون حجم كارثيتها، لكن الجميع يمعن في التجاهل، وفي المزيد من التسطيح والتلجيم، فلتكن لفلدات أكبادنا عين على الكتاب الذي لا يُفصِّل الرقيب مقاساته الفكرية، فهو موجود في كل مكان، لكنه مهجور.
شكيب أريج
09/05/2008

الأحد، 11 ماي 2008

رواية القران المقدس[1]
أداة المعرفة الجميلة

يقول الكاتب المبدع المغربي أحمد بوزفور "الجمال في النهاية فكرة" ويقول شاعر هندي أيضا "الجمال دين الحكماء" من هنا العلاقة الإشكالية بين الجمال والحكمة، بين الفن والفكر، وقد نقر إلى حد بعيد أن الإبداع لا يخلو من إقناع.
من هذا المنطلق تجد فكرة الفن من أجل الفن أو الجمال الذي لا رب له ولا مقصدية معارضة كبيرة، والشيء نفسه ينطبق على الفكر الحافي فنصفه بالأجوف ونعترف أنه مصدر تعاسة وصداع للعقل الإنساني.
هذه الإشكالية التي ما زال الفلاسفة وكبار المفكرين يتخبطون فيها، إذ هم مطالبون بتقديم فكر لا يخلو من تمثيلات وتشبيهات ولغة بقدر ما هي حكيمة يجب أن تكون ممتعة. وعلى الضفة الأخرى فالأدباء والشعراء مطلوب منهم إضفاء الحكمة والتميز بثقل معرفي وموسوعي، دون أن يؤثر ذلك في الجمالية الشكلية للألفاظ والايقاعات.
إن الوعي بهذه الإشكالية هو ما قدم للإنسانية مبدعين مفكرين أو مفكرين مبدعين استطاعوا أن يتموقعوا في أفق متسام فأوجدوا للإنسانية فكرا راقيا يتشكل في أجناس أدبية متنوعة. وهو فكر سواء كان يتزيى بالشعر أو الرواية أو القصة أو المقالة وسواء كان يمر عبر أثير الموسيقى أو المسرح أو السينما فهو يؤدي رسالة فنية جمالية وفكرية فلسفية على مستوى راق.
(القران المقدس) قطرة ماء تثقب الحجر، لا بالعنف لكن بتواصل السقوط، فعبر تيار فكري ممتد بشكل تدريجي من بداية الرواية مرورا بشواهد الفصول انتهاء إلى أغوار هذا المتن السحيقة، تجترئ الرواية على تمزيق ركام هائل من الأفكار عبر غربلة دقيقة لما هو ماضوي وتبوثي وجمودي ورجعي ومحافظ، هذا العزف الفني الفكري المتواصل يندرج ضمن الحكي السردي الفني الذي يسعى لأن يكون في حدود المقنع الممتع.
الرواية تضع المجتمع السعودي تحت المجهر فمن خلال سلوكات وقناعات لشخصيات سائدة تظهر شخصية طيفية هي "عشتار" لتخاطب الشخصية الرئيسية "ليلى" وهي فتاة سعودية شيعية مضطهدة توجد في حالة مأساوية. بين الحياة والموت تجري فصول الرواية، في غرفة بيضاء على شفة القبر، وأهم من المكان، الزمان المشحون في لحظات عبرها تئن الروح فتناغيها "عشتار". تسرح الذاكرة فتلتقط شذرات من حياة هي أشبه بالموت. الصخب الفكري الذي تهيج به الرواية من خلال تحليل مجموعة من المواقف والمعتقدات، وهو صخب يشعر بالتوثر لا سيما أننا نستشعره من خلال روح معلقة بين الحياة والموت، وهي كثيرا ما تتماهى مع شخصية القارئ لتعلن عن ضجرها من الأسئلة المتعبة، ومرة أخرى نجدها تستنفذ طاقاتها توقا إلى المعرفة، كل هذا وطيف عشتار بين الحضور والغياب يجيب عن السؤال بالسؤال ويضع النقط تاركا مهمة البحث عن الحروف للآخرين.
إن تلخيص رواية بهذا الترف الفني والفكري لأمر أعده من المستحيلات، لكن بالإمكان الاستشهاد بمجموعة من الابراقات الفكرية التي جاءت في سياقات فنية لم تدع للقارئ ولن تدع له فرصة للتضجر أو التأفف، وحسبنا أنها إبراقات فكرية تمثل عقل الرواية.


حول المرأة

(.. هي إما زوجة فلان أو أم فلان، لأنهم يعتقدون أن المرأة واسمها عورة، فالأنثى في عقيدتهم سببا للفتنة، والمعني بالفتنة هي إثارة غريزة الجنس لدى الذكور. لذا حتى اسمها يوارى بألقاب ذكورية.
كون الأنثى عورة وفتنة، سمتان تلتصقان بها من المهد إلى اللحد. بهما ومنهما نسجت كل أغلال المرأة وقيودها التي حجبتها عن ممارسة الحياة كإنسان طبيعي..) ص175- القران المقدس- طيف الحلاج)

(..يقال..أن ذكور القرود في الجزيرة العربية يرافقهن في حياتهم أربع إناث.. هو الحد الأقصى لهم) ص226
(.. ومع أن العلم تطور وصار بالإمكان أن تعرف المرأة أنها حامل منذ الأسبوع الأول، لكن ذاك القانون ظل مسلطا على رقاب النساء دون أن يمسسه أحد.) ص250

(.. في القبائل البدائية في أستراليا قتل رجل زوجته حين تمددت على فراشه وهي حائض أما في قبائل الأمريكيين الأصليين حين تحيض الفتاة للمرة الأولى تعزل في كوخ ويمنع على الذكور زيارتها إلى أن "تطهر" من رجسها. في اليهودية تعد الحائض كائن قدر لا تقبل منها طقوسها الدينية. أما في الإسلام حين تحيض الأنثى لا تقبل منها أي نوع من العبادات، ويحرم عليها مس القرآن، ويهجرها زوجها في المنام.) ص221

الحرية
(- هل جربت يا عشتار ضجر الحرية؟
أجابتها عشتار بتعجب: لا.. ما هو؟
- هو بكل بساطة حين تكوني حرة طليقة ليل نهار، مجردة من جميع أصناف الوصايا والرقابة، حرة مائة في المائة دون أن تدفعك تلك الأحاسيس إلى الانتفاع بالحرية، لا داعي للاستعجال مثل أهل هذا البلد، يعيشون حالة هيسترية ويسابقون عقارب الساعة كلما سافروا إلى الخارج، يخوضون كل تجربة محرمة عليهم في بلدهم بنهم وجنون عجيب، لأن حريتهم محسوبة عليهم تنتهي حالما تحط أقدامهم على أرض بلدهم "الحرية حين تكون موجودة بك معك ومن أجلك فكل شيء يصبح تحصيل حاصل من إنتاج و إبداع وتطور.. عندما تصبح الحرية جزءا منك وكأنهاإحدى أعضائك التي لا ينازعك عليها أحد، تستخدمينها متى شئت لتلبية رغبة ما، أو في الحصول على غرض خاص.. هذا ما أسميه بضجر الحرية اللذيذ الذي لا تتحكم فيه إيقاعات الزمن.. ولا أمزجة البشر، حين تعيش على أرض حرة برأس طليق ويدين حرتين) ص72-73
الغربة
(.. الغربة الذاتية تتفاقم بفقد التحاور مع النفس ومساءلتها.. أضاع الناس مرآتهم وبعضهم حطمها، لأسباب مختلفة، بعدها لم يعد أحد منهم سقف وينظر إلى نفسه ولو لوهلة كي يحاورها.. لذلك ماتت روح التأمل في الذات ومحاسبتها، وكتمت أذهانها في الأذهان.. فخيم الجهل وعشش شبح الشك والريبة في النفوس.. فجمدت المشاعر من زمهرير ألم بها..
وماذا عن غربة الأمكنة؟
- أنظري حولك يا ليلى وحدقي بتمعن في كل الموجود في الأمكنة ستجدين عالما متناقضا مع كينونتك وكيانك، عالم تحكمه المستقيمات والأشكال الهندسية والزوايا الحادة.. تسيره النمطية، كل تلك تشوهات ونتوءات سببت تصدعا للنفس وعجزا في الأحاسيس الإنسانية، فذاك الزخم الهندسي المنتظم يتنافى بقسوة معك كجسد ويتضارب بعنف مع الطبيعة ويختلف بشدة مع الكون بأسره.. لأن الوجود تسوده المنحنيات والاستدارة اللولبية. بينما ما تلمسه حواسك الخمسة وربما الستة كل يوم لا يمت لك بأي صلة..) ص253

الدين:
( ليس من شيمته الفعل ولكنه لا يترك أمرا بحاجة إلى إتمام..تصدر الكائنات عنه ولا يدعي سلطانا، يعطيهم الحياة، ولا يدعي امتلاكا، يعينهم ولا يقتضي عرفانا، يكمل عمله ولا يدعي فضلا.) ص92
( من السهل جدا أن يتلمس البشر الأدلة والأسباب التي تثبت معتقداتهم وتوثقها بحجج مختلفة، ولكن من الصعب عليهم محاولة عبور النهر، والانتقال إلى الضفة الأخرى منه، ببساطة لأنهم سخشون على أنفسهم من المغامرة، والخوف من أن ما ينتظرهم في الجهة المعاكسة قد يشتتهم ويحرجهم مع أنفسهم، الناس تربوا على أن العوم ضد التيار يوشوشهم ويفقدهم تمييز الألوان والاتجاهات، ويبعدهم عن قطعانهم فيصبحون كالشاه الشاردة، لا راع ولا مرشد للطريق الصحيح، وذلك يؤدي بهم إلى الضياع والغرق في متاهات الفكر لذلك يتجنبوه، ويزداد تمسكهم بمرافئهم الآمنة..) ص86
( أساس كل أسطورة يا ليلى معتقدا دينيا فهي الامتداد الطبيعي له. الأسطورة بمثابة أداة إثراء وتوضيح للمعتقد، لكن ترسخه في النفوس وتساعد على بقائه عبر العصور. فالأسطورة ما هي سوى سيرة ذاتية للإله.. تبهر البشر بفصولها الخرافية وتذكرهم دائما بضعفهم وحقارة شأنهم) ص88




قضايا أخرى:
الوجود:(" أكون أولا أكون تلك هي المسألة"
.. تكون أو لا تكون ما هو سوى جزءا هامشيا من المسألة) ص161
القدر والآلة: ( إحدى أهم اختراعات الإنسان في العصر الحديث هي الآلة، بينما في العصور القديمة هو القدر، الإثنان يعدان حتى اللحظة من أفضل مقومات الحياة المريحة.) ص147

على هذه الشاكلة تقدم الرواية أطباقا فكرية لا تزيد القارئ إلا نهما، لكن أهم ما يؤطر هذه القضايا الفكرية هي المواقف والأحداث، وإن شئنا الدقة اللحظات:

- لحظة الموت: في بداية الرواية (ليلى) الشخصية الرئيسية تتعرض لحادثة سير تغيب عن الوعي وهي تحتضر تشعر بانسلال روحها وبحجم الحقيقة والرعب، ومن داخلها تنبعث إشارات تجد القدرة حينها في لحظة الصفاء تلك على تحليلها وفهمها ورغم الصراع المتأجج داخلها على المستوى الفكري الذي يوازيه صراع الجسد من أجل الحياة فإن ليلى تعيش موتها المجمد في اللحظة الأبدية، وتعيش حياة برزخية تحس بالعالم الخارجي كأشباح وبالعالم الداخلي كسكينة وبالعالم القادم كانعتاق. ولأن الموقف والحدث أجدر بالتعبير عن هذه الفكرة فلا أجد من موقف أكثر تعبيرا من ذلك الذي يواجه فيه جتمان ليلى المدمر تحرشا جنسيا فعامل النظافة الوقح، يغافل الرقابة المجتمعية ويحاول ممارسة شدوده على الجسد الذي هو أشبه بالجثة، لكن عقلها المستنير يحبس الانفاس عن الجسد المحنط فترتفع صافرة الانذار منذرة بحالة الطوارئ ليلملم عامل النظافة ملابسه ويتراجع.

- لحظة العذاب: في الرواية يكاد القارئ يتخيل أن هذه اللحظة الحاظرة على طول الرواية هي لحزة خلود . يصور لنا السارد جسد ليلى على أنه كثلة مجزأة محطمة لم تعد صاحبته تشعر به من كثرة الآلام وكأنها تحس روحها عارية ممددة بلا جسد، المأساة الحقيقية التي لن تغيب عن القارئ هي كون هذه الروح مقيدة إلى الفراش ملزمة بجسد عليل فلا هي خارجه ولا هي داخله، والرواية لا تصور لنا جروح الجسد بقدر ما تصور آلام الروح التي تروم الانعتاق.


- لحظة الانعتاق: كلمة "الانعتاق" هي الوجه الآخر لكلمة "القران" التي عنون بها الكتاب ، تجد فكرة الانعتاق صداها في الرواية حين يورد السارد شاهدا في بداية فصل تحت عنوان "سمات" إذ يقول: "التجرد من الذات عتق مبهم الأبعاد يهابه السواد الأعظم من الناس الذين هم عبدة الموروث وإماؤه" (القران المقدس-ص223) إذن فالخروج من الدائرة "الانعتاق" يقتضي أن لا تكون داخلها، لأنك لن تعرف شكل الدائرة ما دمت بداخلها.
الانعتاق فكرة جوهرية تؤطر المحكي ولا شك أنها مقتبسة من فلسفة الدين ومن التبحر الشاسع في الأديان البشرية وخاصة الهندوسية إذ نجد في الهندوسية مفهوما مطابقا للانعتاق وهو مفهوم المايا، فأمام تعدد الموضوعات الطبيعية وتنوع النفوس البشرية لا مناص من الانعتاق، إذ به تتخلص الروح من الوهم الكبير فينجلي ويبدو لها الكون متوحدا في المطلق العظيم.. إن ما يحقق للنفس هذا الانعتاق النهائي هو كدحها في سبيل معرفة الحق وانكشاف البصيرة الداخلية على حقيقة أن العالم المتكثر هو واحد في جوهره
[2].
وامعانا في تبيين مدى أهمية هذه اللحظة فإن الرواية تخلص في فصلها الأخير المعنون بالانعتاق إلى تخليص البطلة وعتقها مبينة أن الانسان وحده من بين جميع المخلوقات الأقدر على تخليص الروح، وبعد الانعتاق يمكن للروح أن تقترن بضوء الحقيقة، لكن لا مفر من تجريمها وتكفيرها أنذاك لأنها نفس اللحظة التي يشطح فيها الحلاج صارخا أنا الحق،وأبو زيد البسطامي يقول سبحاني ما أعظم شاني.

- لحظة الحياة: حين تسترجع "ليلى" ذكرياتها تنقل إلينا تفاصيل حياة مليئة بالتطلعات والأماني، يستشعر القارئ وكأن ليلى تطل لأول مرة على حياتها من مكان عال فتحس بتلك الفراغات الفكرية التي كانت تؤطر حياتها، وتحس باللامعنى واللاجدوى في سياقات عديدة فتحتمي بتمنياتها وأحلامها التي كانت العزاء الوحيد لها في لحظة الحياة الجحيمية. الرغبة التواقة في الحياة لدى "ليلى" والجنس اللطيف عامة يمكن تلخيصها في مقول لغادة السمان حيث تقول: ( حين سقطت سهوا على هذا الكوكب، اكتشفت أن حقوقي لا تتعدى الأكل والشرب والإنجاب والموت فقررت أن أضيف إليها حقي في الطيران)
[3]

- لحظة الحياة البرزخية: تعيش "ليلى" في أوج لحظة الاحتضار (الموت) ولحظة العذاب لحظة رهيبة فيها تصبح مخلوقا طيفيا لا حدود لامتداده وهي أقرب لحظة للانعتاق.


يقول الروائي الكبير عبد الرحمن منيف: (الرواية أداة معرفة، ولكنها المعرفة الجميلة إذا صح التعبير)
[4] ونقول أنها-الرواية- قد تغدو (تهريبا للكلام) إذا استعرنا تعريف أدونيس للكتابة، إن الفن والفكر متلازمتين لا تنفك عراهما، ومن تم تكون رواية القران المقدس قد قرنت بين الفن والفكر وقدمت لنا نموذجا للرواية ذات القلب العاشق والعقل المفكر.

شكيب أريج
08/05/2008
القران المقدس- طيف الحلاج- ليلى للنشر والتوزيع[1]
[2] أنظر (دين الإنسان) فراس السواح –ص256منشورات دار علاء الدين- الطبعة الرابعة2002
[3] الأبدية لحظة حب- غادة السمان- ص 34 منشورات غادة السمان
[4] الكاتب والمنفى –عبد الرحمن منيف –ص41 –سلسلة الكتاب الجديد –دار الفكر الجديد – الطبعة الأولى 1992

الأربعاء، 30 أبريل 2008

بيروت 75- حصري على فوانيس في الطريق


غادة السمان


بيروت 75




انفجر الرعد كصرخة تهديد غامضة...
وحينما التمع البرق ثانية التفت "طعان" إلى الوراء و كلمح البصر شاهد وجه الرجل الذي ظل ساعات يمشي خلفه.وقرر:(لست واهما.هنالك من يلاحقني) وانفجر الرعد,وانفجر الخوف في قلبه.
ما دام هدا الرجل يلاحقه فلن يجرؤ على الذهاب إلى مخبئه في بيت أخيه "نواف".سيظل يدور في الشوارع محاذرا الخلفية منها أو المظلمة.سيظل مجرجرا جسده من مقهى إلى آخر,محاذرا الانفراد.سيظل مسفوحا على اسفلت المدينة, مشتتا وضائعا ومذعورا كالمياه الراكضة إلى المجارير.
(هنالك من سيقتلني..هناك رصاصة تم إطلاقها حين اتخذوا في "الجرود" قرارا بقتلي أخذا للثأر,ولم يبق إلا أن تستقر الرصاصة التي ستطلق علي حتما في ليلة ما؟ في دماغي؟في صدري؟في القلب تماما؟أم في أحشائي؟وسأنزف ببطء وأتعدب عذابا طويلا قبل أن أموت ,ولكن لمادا أتعذب؟ولمادا أموت هكذا ميتة كلب أجرب وأنا لم أقترف ذنبا غير أني استطعت أن أتابع دراستي وأصير صيدليا, دون أن أدري يوما أني إن تخرجت وحملت شهادتي سأحكم بالإعدام على نفسي ؟ أي منطق هدا منطق العشيرة التي ولدت فيها؟ أي جنون يحكم هدا العالم؟)
يوم تخرج "طعان" مند أشهر صيدليا.كان يتحرق للعودة إلى لبنان ومزاولة العمل.قرر أن يفتح في "بعلبك" صيدلية يسميها "صيدلية الحنان"
أبرق إلى أهله يزف إليهم الخبر,ويحدد موعدا لعودته,ولكنه فوجئ ببرقية منهم تطب منه عدم العودة,وتغفل حتى تهنئته بالشهادة..أذهله سلوكهم فأبرق إليهم بموعد عودته , واستقل أول طائرة إلى "بيروت".في المطار فوجئ بقبضايات العشيرة في استقباله وبينهم من هو مطلوب من العدالة وفار من وجهها,ولا يظهر في الأماكن العامة إلا في حالات الطوارئ.كانوا يضمونه بيد واحدة والأخرى في جيوبهم متوترة. (انهم يقبضون على مسدساتهم.ما هدا الاستقبال وأنا المسالم الذي لم يقتل في عمره نملة؟) لقد اختار أن يكون صيدليا انطلاقا من رقة قلبه المفرطة التي حرمته حتى من أن يكون طبيبا أو جراحا.إنه مند طفولته يكره منظر الدم .فقد فتح عينيه على بركة من الدم,دم عمه القتيل.مادا حدث حتى يجيؤا إليه إلى المطار حاملين رائحة الدم والدمار؟.
في السيارة سأل والده واستمع مذهولا إلى حكم الإعدام عليه بجرم حمل شهادة جامعية..(لقد قتل ابن عمك "مرعب" أحد أفراد عشيرة الخردلية, أخذا بالثأر لعمك.والقتيل كان يحمل شهادة جامعية, ولدا قررت عشيرة الخردلية أخذ الثأر,على أن يكون القتيل من عشيرتنا أول شاب يفوز بشهادة جامعية وتصادف أن كان هدا الشاب هو أنت..إنه التقليد العشائري الجديد في أخذ الثأر.الثأر لقتيل أمي بقتيل أمي , والقتيل المتعلم لا يثأر له إلا بقتل متعلم من العشيرة الأخرى..)
وفكر "طعان" بحزن:(لقد دخلت التكنولوجيا إلى فكر العشيرة, وها هم يقدرون العلم..)
توقف "طعان" قليلا أمام أعمدة سينما "الحمراء" في شارع "الحمراء"متظاهرا بإشعال لفافة, محاولا التأكد مما إذا كان الرجل ما زال يلاحقه. كان المطر لا يزال يتفجر وبقايا دفء الصيف تندحر.وأحس بغصة غامضة في قلبه, لقد اشتاق إلى المرأة.إلى الحب.إلى السباحة. إلى الغناء. إلى التسكع. إلى الجلوس في مقهى والاستماع . إلى ضحكات الفتيات الصغيرات الجميلات اللواتي يتفجر دعوة إلى الحب والجنون. تعب من السير في الشوارع مثل أبطال أفلام "المنايا" متلصصا وخائف.تعب من حمل المسدس الذي لا يجيد حتى استعماله.تعب من الاختباء في بيت شقيقه"نواف" وإغلاق الباب بالمتاريس.تعب من إسدال الستائر وتحاشي الوقوف أمام النوافذ.تعب من البطالة وانتظار الموت الذي يجئ و لا يجئ. تعب....تعب.إنه يرتجف.يشعر بأنه لم يعد يقوى على الوقوف.اللفافة تسقط من يده.الرجل لا زال يلاحقه,(أم تراني واهما؟ كل رجل في الشارع أخاله يلاحقني..أعصابي متعبة. يجب أن أنسحب إلى وكري.يجب...).
أشار إلى أول "تاكسي" أستقله. أدلى بعنوان بيته كمن يفشي سرا خطيرا.في الحقيقة لم يدل بعنوان بيته, بل باسم الشارع فقط.سيمشي المسافة الباقية ويتأكد من أن أحدا لم يلحق به في "التاكسي".التفت إلى الوراء.كان نهر من أضواء السيارات يومض.يتأملها بهلع..يحس بأن كل هده السيارات التي تلاحقه مليئة بالرجال الدين أصابعهم على زناد رشاشاتهم ولحظة يهبط من التاكسي سيثقبه الرصاص في كل موضع من جسده.وسيرتجف وهو يسقط كأنه يرقص.وإذا نجا من الموت في الشارع واستطاع أن يصل إلى فراشه حيا فستحاصره الكوابيس وسيستيقظ على صوت الرصاص وهو يحصده ويحصد شقيقه وأطفاله,سيأتي الرجال لقتل أهل البيت كلهم.وسيسقط شقيقه"نواف" قبل أن يتسنى له الوقت للإطلاق رصاصة واحدة.
توقف "التاكسي".نزل "طعان" ولاحظ وقوف أكثر من سيارة في الشارع نفسه.أكثر من شخص يلاحقه؟ولكن الشوارع للناس جميعا..
(توقف سيارة في الشارع الذي أختبئ فيه لايعني بالضرورة أن سائقها يريد قتلي.لا..بل يريدون قتلي.أعرف دلك.لقد مت يوم حكموا علي بالموت انتقاما لرجل لم أقتله ولم أشارك في قتله ولم أر وجهه من قبل, وها أنا أجرجر أيامي المهدورة.)
بدأ يسير بخطى جهد أن تكون هادئة.فشل. ساقاه تسيران بخطى سريعة وترتجفان.يسمع وقع خطوات خلفه.يسرع الخطى خلفه تسرع, يده تتشنج على مسدسه.إنه واثق من أن شخصا يلاحقه ويسرع خلفه.الشخص يقترب.يضع يده على كتفه. لا مجال للشك الآن. دون أن يدري ما يفعل, يستدير وقد شهر مسدسه ويطلق النار على الرجل.هكذا دون كلمة واحدة..
يسقط الرجل على الأرض.وللمرة الأولى يرى وجهه ويرى نظرة مليئة بالدهشة مرتسمة في عينيه..لقد قتل..لقد قتل رجلا لم يقع عليه بصره من قبل, وكان القتيل يبدو مدهوشا
..

الجمعة، 4 أبريل 2008

خواطر العشق

خواطر العشق

لا تنتظر أن يرمي البحر حورية جف البحر، وخرجت أنت من بين أصابعي..
يدك في يدي
عينك في عيني
ولا شيء ينعش البحر سوى قرابين العشاق، لو نرمي وردة هل ستضحك يا بحر؟
يدك في يدي
عينك في عيني
أحاول أن أغرف من خيالات وجهك فتتموج الصورة.. لو نغرق في الزحمة هل سينمحي وجه أحبه؟ هل سيضيع..؟
**
أمسد على ظهر الشوق بيد خشبية.. أحس أن صوتك منجرح هذا الصباح..(البعد يقتل الحب) لذا فقدر العشاق أن يقتلوا البعد قبل أن يقتلهم. قلتِ بصوت يدل على أنك لملمت الحزن والعتاب فيه:
- أنا قادمة.. سأعود حالا.
قال صوته الهارب منه:
- لا.. ابقي مكانك.. لا تغيري موقعك قد يتغير الحب (لعبة تغيير المواقع إحدى مآسي الحب) إبـ...... انتهت المكالمة.... الأسلاك الجشعة لا تحس. قاطعة كشفرة سكينة حادة..
(أذكر يا حبيبي أنك قلت الكلام المدفوع الثمن لا يشفي الغليل.. أود احتضان رأسك والحديث عبر سماعة أذنك، أريدك أن تشعر بهمس شفاهي بدل صوتي المتكسر عبر الأسلاك الجشعة)
- ها أنا أمامك لا كما تخيلتني بل كما أحببتني.. جئت لأصحح أخطاء البعد.. ألقيت عباءة الأشواق الشائكة واحتضنت قميص العشق الهارب.
- أمسك يدي لا تفلتها ثانية.. كنت هنا وحيدة، ألقي عليك اللوم.. تراني كنت أصدق وسوسة البعد؟! كلما رفعت السماعة أجابتني العلبة السوداء، تراك كنت تصدق وسوسة البعد ؟! وتشحذ سكينة اللوم.
- ها نحن أولاء نلتقي في مدينة الحب.. مدينة المليون ألف عاشق وعاشقة هل نتخيل أن هناك فائض من الحب في هذه المدينة العابثة؟!
إجابتها: كل الذين تظاهروا بالحب أخطأوا الطريق، كل الذين توهموا أنهم عاشوا ليلة حب يحتاجون مائة عام من الكراهية لكي يؤمنوا بنعمة الحب..
على أهبة العشق نجلس على البساط الأخضر..لا أحتاج شيئا في هذا العالم الأحمر..اكتفيت.. هل تحتاجين شيئا حبيبتي؟ أقول ومع آخر حروفي تفر آخر الخفافيش التي كانت تصنع الظلام بيننا وتبقى حقيقة واحدة ألمع من شمسين لو اجتمعتا، حقيقة واحدة تسمينها أنت "هوس" وأسميها أنا "عينيك".
نتبادل اللوم:
- لا تلوميني قبل أن تذبل جراح البعد
- إذا ما بدت من صاحب لك زلة
فكن أنت محتالا لزلته عذرا
(استعد لنقضي أجمل أمسية) لكنها لم تقل: استعد لتكتب أجمل قصيدة! استعد لتكتب أجمل قصيدة!
استعد لتفرح لأن الفرح وكما الكتابة حالة فجائية..
ولكن هل نكتب في حالة الانشراح؟ أم أن حبر الكاتب هو دموعه؟
الكاتب الحزين في يقول: لا تصالح، وفاءً لما تجرعته من آلام لما تكبدته من أحزان هي العلقم.
الكاتب الفرح في يقول: خليلي لو أن هم النفوس دام عليها ثلاثا قتل
ولكن شيئا يسمى السرور سمعنا به مـا فعل
ما أكبر مساحة ما كتب من أحزان: مدامع قيس ومأساة المهلهل وضياع امريء القيس وبكاء الخنساء وسيرة الحلاج ونهاية بشار بن برد وتشاؤم المعري وأبو فراس الأسير! ! !
وما أقل ما كتب عن الفرح..ألأن الكاتب شخص مولع بإظهار جراحاته وإخفاء أفراحه.. ينتصر الكاتب لأحزانه.
(استعد لنفرح) تقول بنبرة تودع الحزن، من المتشائم الذي قال في لحظة كهذه (لا تؤجل أفراحك) على غرار (لا تؤجل فرح اليوم إلى الغد) أحسبه في غاية التشاؤم لأنه لا يؤمن بأن تدخر الفرح الأبيض لليوم الأسود.
نحن لا نسرق الفرح يا حبيبتي.. فقط لأننا لا نكدس الغصص ولا نصعد إلى المكان الشاهق من تعاستنا لنرمي بأنفسنا..
تذكرين حين طأطأ (الفرح) رأسه، وشمخ (الحزن)، حين صعدنا غصص البكاء، من ذلك المكان الشاهق، الذي يقرر المنتحرون مصيرهم فيه، قررنا أن نلقي بأحزاننا، وأن نبقى، كنا نؤمن بالقول المأثور:
"إذا كانت لديك مشاكل كثيرة فأفضل طريقة للتخلص منها هي وضعها في جيبك المتقوب
"