الأربعاء، 30 أبريل 2008

بيروت 75- حصري على فوانيس في الطريق


غادة السمان


بيروت 75




انفجر الرعد كصرخة تهديد غامضة...
وحينما التمع البرق ثانية التفت "طعان" إلى الوراء و كلمح البصر شاهد وجه الرجل الذي ظل ساعات يمشي خلفه.وقرر:(لست واهما.هنالك من يلاحقني) وانفجر الرعد,وانفجر الخوف في قلبه.
ما دام هدا الرجل يلاحقه فلن يجرؤ على الذهاب إلى مخبئه في بيت أخيه "نواف".سيظل يدور في الشوارع محاذرا الخلفية منها أو المظلمة.سيظل مجرجرا جسده من مقهى إلى آخر,محاذرا الانفراد.سيظل مسفوحا على اسفلت المدينة, مشتتا وضائعا ومذعورا كالمياه الراكضة إلى المجارير.
(هنالك من سيقتلني..هناك رصاصة تم إطلاقها حين اتخذوا في "الجرود" قرارا بقتلي أخذا للثأر,ولم يبق إلا أن تستقر الرصاصة التي ستطلق علي حتما في ليلة ما؟ في دماغي؟في صدري؟في القلب تماما؟أم في أحشائي؟وسأنزف ببطء وأتعدب عذابا طويلا قبل أن أموت ,ولكن لمادا أتعذب؟ولمادا أموت هكذا ميتة كلب أجرب وأنا لم أقترف ذنبا غير أني استطعت أن أتابع دراستي وأصير صيدليا, دون أن أدري يوما أني إن تخرجت وحملت شهادتي سأحكم بالإعدام على نفسي ؟ أي منطق هدا منطق العشيرة التي ولدت فيها؟ أي جنون يحكم هدا العالم؟)
يوم تخرج "طعان" مند أشهر صيدليا.كان يتحرق للعودة إلى لبنان ومزاولة العمل.قرر أن يفتح في "بعلبك" صيدلية يسميها "صيدلية الحنان"
أبرق إلى أهله يزف إليهم الخبر,ويحدد موعدا لعودته,ولكنه فوجئ ببرقية منهم تطب منه عدم العودة,وتغفل حتى تهنئته بالشهادة..أذهله سلوكهم فأبرق إليهم بموعد عودته , واستقل أول طائرة إلى "بيروت".في المطار فوجئ بقبضايات العشيرة في استقباله وبينهم من هو مطلوب من العدالة وفار من وجهها,ولا يظهر في الأماكن العامة إلا في حالات الطوارئ.كانوا يضمونه بيد واحدة والأخرى في جيوبهم متوترة. (انهم يقبضون على مسدساتهم.ما هدا الاستقبال وأنا المسالم الذي لم يقتل في عمره نملة؟) لقد اختار أن يكون صيدليا انطلاقا من رقة قلبه المفرطة التي حرمته حتى من أن يكون طبيبا أو جراحا.إنه مند طفولته يكره منظر الدم .فقد فتح عينيه على بركة من الدم,دم عمه القتيل.مادا حدث حتى يجيؤا إليه إلى المطار حاملين رائحة الدم والدمار؟.
في السيارة سأل والده واستمع مذهولا إلى حكم الإعدام عليه بجرم حمل شهادة جامعية..(لقد قتل ابن عمك "مرعب" أحد أفراد عشيرة الخردلية, أخذا بالثأر لعمك.والقتيل كان يحمل شهادة جامعية, ولدا قررت عشيرة الخردلية أخذ الثأر,على أن يكون القتيل من عشيرتنا أول شاب يفوز بشهادة جامعية وتصادف أن كان هدا الشاب هو أنت..إنه التقليد العشائري الجديد في أخذ الثأر.الثأر لقتيل أمي بقتيل أمي , والقتيل المتعلم لا يثأر له إلا بقتل متعلم من العشيرة الأخرى..)
وفكر "طعان" بحزن:(لقد دخلت التكنولوجيا إلى فكر العشيرة, وها هم يقدرون العلم..)
توقف "طعان" قليلا أمام أعمدة سينما "الحمراء" في شارع "الحمراء"متظاهرا بإشعال لفافة, محاولا التأكد مما إذا كان الرجل ما زال يلاحقه. كان المطر لا يزال يتفجر وبقايا دفء الصيف تندحر.وأحس بغصة غامضة في قلبه, لقد اشتاق إلى المرأة.إلى الحب.إلى السباحة. إلى الغناء. إلى التسكع. إلى الجلوس في مقهى والاستماع . إلى ضحكات الفتيات الصغيرات الجميلات اللواتي يتفجر دعوة إلى الحب والجنون. تعب من السير في الشوارع مثل أبطال أفلام "المنايا" متلصصا وخائف.تعب من حمل المسدس الذي لا يجيد حتى استعماله.تعب من الاختباء في بيت شقيقه"نواف" وإغلاق الباب بالمتاريس.تعب من إسدال الستائر وتحاشي الوقوف أمام النوافذ.تعب من البطالة وانتظار الموت الذي يجئ و لا يجئ. تعب....تعب.إنه يرتجف.يشعر بأنه لم يعد يقوى على الوقوف.اللفافة تسقط من يده.الرجل لا زال يلاحقه,(أم تراني واهما؟ كل رجل في الشارع أخاله يلاحقني..أعصابي متعبة. يجب أن أنسحب إلى وكري.يجب...).
أشار إلى أول "تاكسي" أستقله. أدلى بعنوان بيته كمن يفشي سرا خطيرا.في الحقيقة لم يدل بعنوان بيته, بل باسم الشارع فقط.سيمشي المسافة الباقية ويتأكد من أن أحدا لم يلحق به في "التاكسي".التفت إلى الوراء.كان نهر من أضواء السيارات يومض.يتأملها بهلع..يحس بأن كل هده السيارات التي تلاحقه مليئة بالرجال الدين أصابعهم على زناد رشاشاتهم ولحظة يهبط من التاكسي سيثقبه الرصاص في كل موضع من جسده.وسيرتجف وهو يسقط كأنه يرقص.وإذا نجا من الموت في الشارع واستطاع أن يصل إلى فراشه حيا فستحاصره الكوابيس وسيستيقظ على صوت الرصاص وهو يحصده ويحصد شقيقه وأطفاله,سيأتي الرجال لقتل أهل البيت كلهم.وسيسقط شقيقه"نواف" قبل أن يتسنى له الوقت للإطلاق رصاصة واحدة.
توقف "التاكسي".نزل "طعان" ولاحظ وقوف أكثر من سيارة في الشارع نفسه.أكثر من شخص يلاحقه؟ولكن الشوارع للناس جميعا..
(توقف سيارة في الشارع الذي أختبئ فيه لايعني بالضرورة أن سائقها يريد قتلي.لا..بل يريدون قتلي.أعرف دلك.لقد مت يوم حكموا علي بالموت انتقاما لرجل لم أقتله ولم أشارك في قتله ولم أر وجهه من قبل, وها أنا أجرجر أيامي المهدورة.)
بدأ يسير بخطى جهد أن تكون هادئة.فشل. ساقاه تسيران بخطى سريعة وترتجفان.يسمع وقع خطوات خلفه.يسرع الخطى خلفه تسرع, يده تتشنج على مسدسه.إنه واثق من أن شخصا يلاحقه ويسرع خلفه.الشخص يقترب.يضع يده على كتفه. لا مجال للشك الآن. دون أن يدري ما يفعل, يستدير وقد شهر مسدسه ويطلق النار على الرجل.هكذا دون كلمة واحدة..
يسقط الرجل على الأرض.وللمرة الأولى يرى وجهه ويرى نظرة مليئة بالدهشة مرتسمة في عينيه..لقد قتل..لقد قتل رجلا لم يقع عليه بصره من قبل, وكان القتيل يبدو مدهوشا
..

الجمعة، 4 أبريل 2008

خواطر العشق

خواطر العشق

لا تنتظر أن يرمي البحر حورية جف البحر، وخرجت أنت من بين أصابعي..
يدك في يدي
عينك في عيني
ولا شيء ينعش البحر سوى قرابين العشاق، لو نرمي وردة هل ستضحك يا بحر؟
يدك في يدي
عينك في عيني
أحاول أن أغرف من خيالات وجهك فتتموج الصورة.. لو نغرق في الزحمة هل سينمحي وجه أحبه؟ هل سيضيع..؟
**
أمسد على ظهر الشوق بيد خشبية.. أحس أن صوتك منجرح هذا الصباح..(البعد يقتل الحب) لذا فقدر العشاق أن يقتلوا البعد قبل أن يقتلهم. قلتِ بصوت يدل على أنك لملمت الحزن والعتاب فيه:
- أنا قادمة.. سأعود حالا.
قال صوته الهارب منه:
- لا.. ابقي مكانك.. لا تغيري موقعك قد يتغير الحب (لعبة تغيير المواقع إحدى مآسي الحب) إبـ...... انتهت المكالمة.... الأسلاك الجشعة لا تحس. قاطعة كشفرة سكينة حادة..
(أذكر يا حبيبي أنك قلت الكلام المدفوع الثمن لا يشفي الغليل.. أود احتضان رأسك والحديث عبر سماعة أذنك، أريدك أن تشعر بهمس شفاهي بدل صوتي المتكسر عبر الأسلاك الجشعة)
- ها أنا أمامك لا كما تخيلتني بل كما أحببتني.. جئت لأصحح أخطاء البعد.. ألقيت عباءة الأشواق الشائكة واحتضنت قميص العشق الهارب.
- أمسك يدي لا تفلتها ثانية.. كنت هنا وحيدة، ألقي عليك اللوم.. تراني كنت أصدق وسوسة البعد؟! كلما رفعت السماعة أجابتني العلبة السوداء، تراك كنت تصدق وسوسة البعد ؟! وتشحذ سكينة اللوم.
- ها نحن أولاء نلتقي في مدينة الحب.. مدينة المليون ألف عاشق وعاشقة هل نتخيل أن هناك فائض من الحب في هذه المدينة العابثة؟!
إجابتها: كل الذين تظاهروا بالحب أخطأوا الطريق، كل الذين توهموا أنهم عاشوا ليلة حب يحتاجون مائة عام من الكراهية لكي يؤمنوا بنعمة الحب..
على أهبة العشق نجلس على البساط الأخضر..لا أحتاج شيئا في هذا العالم الأحمر..اكتفيت.. هل تحتاجين شيئا حبيبتي؟ أقول ومع آخر حروفي تفر آخر الخفافيش التي كانت تصنع الظلام بيننا وتبقى حقيقة واحدة ألمع من شمسين لو اجتمعتا، حقيقة واحدة تسمينها أنت "هوس" وأسميها أنا "عينيك".
نتبادل اللوم:
- لا تلوميني قبل أن تذبل جراح البعد
- إذا ما بدت من صاحب لك زلة
فكن أنت محتالا لزلته عذرا
(استعد لنقضي أجمل أمسية) لكنها لم تقل: استعد لتكتب أجمل قصيدة! استعد لتكتب أجمل قصيدة!
استعد لتفرح لأن الفرح وكما الكتابة حالة فجائية..
ولكن هل نكتب في حالة الانشراح؟ أم أن حبر الكاتب هو دموعه؟
الكاتب الحزين في يقول: لا تصالح، وفاءً لما تجرعته من آلام لما تكبدته من أحزان هي العلقم.
الكاتب الفرح في يقول: خليلي لو أن هم النفوس دام عليها ثلاثا قتل
ولكن شيئا يسمى السرور سمعنا به مـا فعل
ما أكبر مساحة ما كتب من أحزان: مدامع قيس ومأساة المهلهل وضياع امريء القيس وبكاء الخنساء وسيرة الحلاج ونهاية بشار بن برد وتشاؤم المعري وأبو فراس الأسير! ! !
وما أقل ما كتب عن الفرح..ألأن الكاتب شخص مولع بإظهار جراحاته وإخفاء أفراحه.. ينتصر الكاتب لأحزانه.
(استعد لنفرح) تقول بنبرة تودع الحزن، من المتشائم الذي قال في لحظة كهذه (لا تؤجل أفراحك) على غرار (لا تؤجل فرح اليوم إلى الغد) أحسبه في غاية التشاؤم لأنه لا يؤمن بأن تدخر الفرح الأبيض لليوم الأسود.
نحن لا نسرق الفرح يا حبيبتي.. فقط لأننا لا نكدس الغصص ولا نصعد إلى المكان الشاهق من تعاستنا لنرمي بأنفسنا..
تذكرين حين طأطأ (الفرح) رأسه، وشمخ (الحزن)، حين صعدنا غصص البكاء، من ذلك المكان الشاهق، الذي يقرر المنتحرون مصيرهم فيه، قررنا أن نلقي بأحزاننا، وأن نبقى، كنا نؤمن بالقول المأثور:
"إذا كانت لديك مشاكل كثيرة فأفضل طريقة للتخلص منها هي وضعها في جيبك المتقوب
"

الخميس، 13 مارس 2008

مع الدكتور علي الوردي

مع الدكتور علي الوردي

الحلقة الثانية
بين علي ومعاوية *


يعجب الدكتور علي الوردي لتورط الكثير من المفكرين والمؤرخين في المفاضلة بين علي وعمر وأبي بكر ومعاوية فجدال الجاحظ مع الاسكافي لم يخرج عن إطار من الأفضل: هل هو علي أم أبي بكر؟ وذلك جدال المغالبة من أجل المغالبة، فلو كان علي أو عمر سيرجعان لوجدنا لهؤلاء عذرا، فنحن لا ندرس التاريخ إلا لنستفيد منه مستقبلا ومن تم فلا يهمنا أبطال التاريخ إلا بقدر المبادئ التي حملوها ومبلغ تضحيتهم في سبيلها.
من هذا المنطلق ينطلق علي الوردي في المفاضلة بين علي ومعاوية على اعتبار أنهما يكونان اتجاهين فاصلين في التاريخ الإسلامي.

1-أكثرية على غير الصواب:
(إن أموال الأمة للأمة) هي حقيقة بينة ولا مجال للاجتهاد في الرأي أو الخلاف فيه، ولكن تلبس الباطل بالحق وتلبيس الحق بالباطل هو ما يجعل الإنسان حائرا مرتبكا.
يرى الوردي أن علي كان على حق والأكثرية كانت على غير صواب، وأن علي رأى مصلحة الأكثرية ولم تدرك هذه الأخيرة أنذاك مصلحتها.
هذا النقاش سيضعنا في صلب إشكالية الديمقراطية، فنحن اليوم نحسب أصوات الناخبين ونميل حيث تميل أكثريتهم. والأكثرية ليست بالضرورة على صواب. لذلك –حسب الوردي دائما- فإن ما يجعل النظام الديمقراطي ناضجا هو الشرائط التالية: (نتشار التعليم/وعي الرأي العام/ الإعلام الجاد/ الأحزاب المؤطرة..). (مهزلة العقل البشري- ص58)

2-بين الشعارات والمبادئ:
عبرة أخرى يطرحها الوردي انطلاقا من المفاضلة بين معاوية وعلي أو بين الشعار المبدأ والفعل المؤسس للتغيير. إذ يقر الوردي بوجود تناقض صارخ بين الشعارات (الحقيقة التي نؤمن بها) وبين الفعل. فقلائل هم من يتشبتون بالمبادئ التي يؤمنون بها، خاصة حين يتأزم الموقف (مهزلة العقل البشري- ص58)
يمكن أن نقول أن علي بن أبي طالب قدم درسا للأمة في هذا الصدد، فالناس على عهده أحبوا الحق بأقوالهم وكرهوه بأعمالهم (ص59) ألم يقل الفرزدق للحسين بن علي: (قلوب الناس معك وسيوفهم عليك!"؟ وذلك قول عقيل أيضا: (إن أخي خير لي في ديني ومعاوية خير لي في دنياي) (ص61).
إننا في الواقع نحب ذلك الحب الشعري ونلهج به دون أن نعرف خدوده في الحياة العملية.
حين نقارن بين معاوية وعلي في حاضرنا تجمع الأمة على فضل علي شيعة وسنة لأنهم راوا أن سياسة علي كانت أنفع لهم على المدى البعيد وسياسة معاوية كانت براقة ومغرية في الظاهر. (ص62).
فطن الناس متأخرين إلى أنهم استبدلوا عليا بنيرون الشرق الحجاج بن يوسف فندموا. وترك الناس عليا في حياته ثم تمسكوا به بعد وفاته وتلك هي المأساة الكبرى. (ص66).

· تلخيص لفصل من فصول كتاب (مهزلة العقل البشري) للدكتور علي الوردي الطبعة الثانية-1994 دار كوفان- لندن.


الحلقة الثالثة
عيب المدينة الفاضلة *
يقدم الدكتور علي الوردي حكاية طريفة تتعلق بأعرابي نظر إلى مكتبة عامرة بالكتب القديمة فقال: "إني أعرف جميع ما في هذه الكتب.كلها تقول أيها الإنسان كن خيرا " (مهزلة العقل البشري.ص73).
إنها قصة تصلح لأن تلخص لنا الفكر الطوباوي والنظريات التي تدور في فلك المدن الفاضلة والمثل العليا، ومع ذلك لا بأس أن نذكر ببعض الأمثلة كما أوردها الدكتور علي الوردي:
- الفارابي في كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يبدي حماسه لبناء مجتمع فاضل من أهم خصائصه وجود رئيس صالح هو "الملك الفيلسوف" عند أفلاطون.
- في كتاب "عقائد الشيعة" يقول المؤلف ما خلاصته أن البشر حين يتوادون ويتحدون يرتفع بينهم الظلم والعدوان ولا يستطيع الطغاة الاستبداد بهم عند ذلك.(ص70).
معظم أفكار القدماء هي من هذا النوع، فهي أفكار رائعة وجميلة، لكن فيها عيب واحد كبير هي أنها غير عملية.
ينتقد الدكتور علي الوردي هذا الفكر:
· فأولا لو أن البشر وصلوا إلى ما ينشدون لوقفت الحياة بهم ولفنيت الحضارة، إن الحياة تفاعل وتنازع وتناقض.
ويوضح الوردي مبدأ التنازع والتناقض في حياتنا السياسية المعاصرة، إذ أن الحزب المعارض ليس أشرف من الحزب الحاكم، وهو عندما يصل إلى الحكم لا يستطيع أن يخرج عن الطبيعة البشرية فيصبح مثاليا ولذا فهو يحتاج مرة أخرى إلى من يعارضه وينتقده. (ص77) ولتبيان مبلغ الهوة بين مجتمع قديم ومجتمع معاصر يسوق الوردي مثالا عن الفرق بين هارون الرشيد ووزير دولة حديثة، فهارون يشتري الجواري من مال المسلمين ولا من محاسب، أما الوزير في الدولة الحديثة فهو حين يود صرف مبلغ لزوجته يخاف من الرأي العام والمعارضة التي ستتخذها فرصة لإسقاطه من منصبه (ص80).

· ثانيا: المثل العليا لدى السلف هي طوباوية فوق السحاب، أما المثل التي يدعو إليها الثوار اليوم فهي واطئة وغير تعجيزية.
· ثالثا: الفلاسفة والمفكرون اعتقدوا بأفكارهم السامية وذموا العامة واعتبروها كالأطفال متناسين الطبيعة البشرية وأنهم بشر، وأنهم إلى تنازع منتهون.
ننتهي مرة أخرى إلى فكرة التنازع الذي ذمه السلف واعتبروا أن عالما نقيا من الشر ومدنا عاجية شيء ممكن إذا تخلينا عن التنازع وهو الشيء المستحيل، لكن التنازع والصراع أمر يقوم على السيف والعنف؟
يجيبنا الدكتور علي الوردي عن هذا السؤال معتبرا أن التنازع قديما كان يقوم على حد السيف لأن من يقول للسلطان أنك محطئ ظالم يجد السيف والنطع أمامه ويهب رجال الدين لاتهامه بالزندقة، ولذلك كان التطور الحضاري بطيئا.
أما اليوم فيكفي الحزب المعارض أن يدعو لمبادئه عن طريق الصحافة والإذاعة و.. فيرد عليه الحزب الحاكم بصحافته وإذاعته والرأي العام واقف يتفرج ولا يشارك إلا وقت الانتخابات في صناديق الاقتراع، وكفى الله المؤمنين شر القتال.(ص82) هذه التغييرات يعزوها الوردي إلى عوامل أهمها: اختراع البارود والأسلحة النارية الحديثة واختراع الطباعة. (ص82) وهي عوامل فارقة في التأسيس لمجتمعات تقدمية بدل تشكيل قصور الرمال في الفلسفات الباهتة.
وفي الختام نود أن نقول أنه كثيرا ما تثخم الكتب أذهاننا بمقولة الخير والمثل العليا دون أن تضع لبنة واحدة لتحقيق النـزر اليسير من هذه المثل. وآثار هذه الكتب لا يزال متبديا في لغة الخشب المتفشية في الخطاب العام، لذلك فما أحوجنا إلى رؤى متبصرة توازن بين ما هو مثالي وواقعي، بين الممكن واللاممكن، بين الحقيقة والسراب.

· تلخيص لفصل من فصول كتاب (مهزلة العقل البشري) للدكتور علي الوردي الطبعة الثانية-1994 دار كوفان- لندن.
(الحلقة الأولى)

بين المنطق القديم والمنطق الحديث *

يبحث الدكتور الوردي في أسس التفكير البشري، وينطلق منذ البداية من المفاضلة بين منطق حديث ومنطق قديم، ويذهب إلى حد اعتبار ما جاء به الفارابي وابن طفيل و أرسطو وأفلاطون وغيرهم لغو أطفال مقارنة مع ما توصل إليه الفكر الحديث.
1- منطق المتعصبين:
لا يرى الوردي في المنطق القديم إلا تمجيدا للعقل يصل إلى ترسيخ معتقدات بالية موروثة، وهو لا يلوم رجال الدين عند توظيف العقل، لكنه يرى أن دفاعهم عن عقائدهم يستند إلى منطق بال ويضرب لنا مثالا على تخلخل هذا المنطق وتهافته.
في مقدمة كتاب "السقيفة" لمحمد رظا المظفر يقول المقدم للكتاب: " قد قدر له أن ينتهي في بحثه إلى حيث تنتهي عقيدته المذهبية فليس ذلك إلا لأن منهجه العميق انتهى به الى هذه النهاية" يعلق الوردي على هذا التقديم بأن صاحبه يدعي الموضوعية الخالصة المجردة عن أي عاطفة، ثم يعود ليقول أن هذه الموضوعية انتهت بالمؤلف إلى عقيدته المذهبية. ما يؤكد عليه الوردي هنا هو الانطلاق من النتيجة لتبيان السبب وذلك ما يوضحه بجلاء حين يقول أن الإنسان يؤمن بعقيدته التي ورثها عن آبائه أولا ثم يبدأ بالتفكير فيها أخيرا، وتفكيره غالبا حول تأييد تلك العقيدة.
يخلص الوردي إلى حقيقة واحدة مفادها أن: " العقل البشري لم يبتكر مكيدة أبشع من مكيدة الحق والحقيقة" (مهزلة العقل البشري.ص41)
وإمعانا في التوضيح يضرب الدكتور الوردي أمثلة من التاريخ الاسلامي:
- المثال الأول هو لسلطان مؤمن بالله ذبح ذات يوم مئة ألف ممن كانوا على عقيدة غير العقيدة التي نشأ هو عليها ثم جعل من جماجم هؤلاء القتلى منارة عالية وصعد عليها مؤذن يصيح بأعلى صوته: لا إله إلا الله (أحمد أمين-ظهر الإسلام-ج4-ص131).
- المثال الثاني هو لحملة عسكرية ضد اليزيديين، ذهبت إلى القرى اليزيدية فقتلت أطفالها واستباحت نساءها وجاءت بالأحياء ليخيروا بين حد السيف وشهادة "لا إله إلا الله".
يرى الوردي أن المنطق القديم المتعصب هو المسؤول عن الحروب الدينية والسياسية لأنه منطق دوغمائي يصلح للدفاع والهجوم، ولا يصلح لاكتشاف حقائق جديدة.
في معرض تحليله لمكيدة الحق والحقيقة في التاريخ الإسلامي يقول أنه مع انتصارات الإسلام ازداد الإيمان به حتى رأينا المسلمين يضطهدون من كان يدخل فيه أول الأمر. (مهزلة العقل البشري.ص43).
ويرى أن أولئك الذين يتشدقون بحب الرسول لا يقلون عن أبي جهل وأبي سفيان مواجهة لكل جديد. وحبهم للرسول هو نتيجة بيئة تقدس النبي محمدا ترعرعوا فيها ليس إلا.



2- المنطق الحديث:

وفي المقابل فإن المنطق الحديث إن لم يكن الأجدى فهو الحتمي، وهو منطق وفكر نقدي أول ما يقوم عليه نقد الفكر القديم ووصفه بالخرافة. ومن جهة أخرى فالفكر الحديث هو فكر عقلاني يعتمد منهجا علميا دقيقا لا بد لصاحبه أن يكون مشككا حائرا قبل أن يبدأ البحث فهو لا ينطلق من مسلمات.
وفي النهاية يرى الدكتور الوردي أن الإنسان كالحصان الذي يجر العربة وقد وضع على عينيه إطارا فهو لا يرى إلا الأشياء التي تقع في مجال إطاره ولا يتفتح فكر ما إلا حين يغير الإطار (المحيط) حوله فيصطدم بمفاهيم وأفكار غير مألوفة فيتوسع إطاره.
إن مرونة هذا الإطار رهينة بانفتاح المرء أو انعزاله وتزمته، فكلما كان الإنسان أكثر انعزالا كلما كان أكثر تعصبا يقول الوردي مقدما مثالا على ذلك: "هذا أمر شاهدنا أثره بوضوح في المرأة عندما حجزناها في البيت وضيقنا عليها أفق التجوال والاختلاط صار عقلها ساذجا"(مهزلة العقل البشري.ص47).

وأخيرا فإن المنطق الحديث نسخ مبدأ (أحادية الحقيقة) فهو يرى أن الحق لا يمكن أن يحتكره فريق من الناس وحتمية العصر الجديد تفرض الاستغناء عن المنطق المحدود المنغلق. (مهزلة العقل البشري.ص50).



تلخيص لفصل من فصول كتاب (مهزلة العقل البشري) للدكتور علي الوردي الطبعة الثانية-1994داكوفان- لندن
.

السبت، 26 يناير 2008

كتب فوق رفوف الفوانيس

أحجار على رقعة الشطرنج
وليم جاي كار
تعليقات سوسو الصادمة على ابن تيمية الخوخو
http://upload.9q9q.net/file/GJE1zYPqn/----------------------------.doc.html

روايات يوسف السباعي

فى موكب الهوى
من العالم المجهول
ابو الريش وجنينة ناميش
مبكي العشاق

الاثنين، 14 يناير 2008

وضعية المرأة من خلال كتاب التخلف الإجتماعي لمصطفى حجازي


وضـعية الـمرأة
من خلال كتاب التخلف الاجتماعي لمصطفى حجازي[1]

إعداد: شكيب أريج

ركز د مصطفى حجازي من خلال كتابه "التخلف الاجتماعي" على وضعية الانسان العربي ، وهي وضعية وسمها بالقهر، وكل ما يرتبط به من خوف واستغلال واستصغار للذات واحتقار للآخر المقهور وبالمقابل التماهي مع المتسلط
ونظرا لما تكتسيه وضعية المرأة وباعتبارها تدخل في بنية التخلف فإن الكتاب قد حفل بإحالات بعدية تحيل على الفصل الأخير المعنون بـ(وضعية المرأة)
[2].ورغم أن د حجازي قد خصص فصلا كاملا يعرض فيه ملامح وضعية القهر في مختلف الطبقات الاجتماعية، وعلى الرغم من وقوفه على أوجه القهر والاستلاب وما أعدته المرأة للدفاع ضد القهر الذي تعانيه إلا أن كل ما تطرق إليه الدكتور ماهو إلا فاتحة ذات أساس علمي مثين للانفتاح على أسئلة وإشكالات ذات ارتباط وطيد بالواقع اليومي المتخلف، مما يفرض تصحيح أوضاع ومواقف بدائية هشة مرتبطة بالمرأة ما زالت تعشش في الأذهان.
يلخص مفهوم الاستلاب وضعية المرأة في الكتاب لذا سنركز على استلاب المرأة على ثلاثة أصعدة رئيسية: استلاب جنسي- استلاب اقتصادي-استلاب عقائدي.

المحور الأول- الاستلاب الجنسي:
[3]
1- تعريف الاستلاب الجنسي:
اختزال المرأة في حدود جسدها إذ يتم اعتبار المرأة مجرد جنس بتضخيم البعد الجنسي لجسد المرأة بشكل مفرط.
2- كيف ينظر المجتمع إلى جسد المرأة؟
جسد المرأة عورة يجب أن تستر وتصان وتحمى ، وهو ملكية الأسرة والمجتمع، وفي المقابل هناك تركيز مفرط على اختزال جسدها في كونه أداة متعة. وفي هذا الصدد يقول الدكتور عباس مكي: (الحركية الحرة للجسم جنسيا أساس معنى العيب، وضبطها المقنن أساس معنى الشرف)
3- كيف تنظر المرأة إلى جسدها؟
هاجس المرأة قبل الزواج يتركز حول قلقها فيما يخص غشاء البكارة ويلامته، وحول القلق حول قدرات جسدها على حيازة إعجاب الرجل.
وإذ أن المرأة تعرف أن الرجل قد يشكو من تزمتها ، ولكنه يتهرب منها ويخشاها إن هي تجرأت على التعبير عن جسدها، فهي تقع في تناقض بين تضخيم أهمية الجنس والجسد في حياتها وبخيسه.
4- ما هي العوائق التي تقيد جسد المرأة؟
- القمع الديني: وصول حد سياسة الاحتراز ومبدأ سد الذرائع في التعامل مع الجسد وخاصة جسد المرأة.
- القمع المدني: القوانين المشرعة هي مفاتيح في يد الرجل.
- القمع الاجتماعي: اعتبار المرأة ملكية للأسرة وللمجتمع لا بد من ضبطها. ( لاومن ذلك محاصرة المرأة ضمن مجال محدد، وهو غالبا البيت أو مكان لا يتواجد فيه الذكور)

5- ما هي نتائج القمع الجنسي؟
هي نتائج كارثية للمرأة والرجل معا:
- التعبير الجسدي الزائف والمصطنع: التصريح الضمني بين الرفض والقبول، الاعتراف والانكار، القرب والبعد.
- تحول المرأة في حالة القمع الجنسي إلى كائن متزمت وتحول الطاقة الجنسية إلى مسارب نزوة عدوانية (الحقد، التعصب، الغضب..)
- المرأة المقهورة جسديا تقتص دون أن تدري بتنشئة رجال فاقدين للقدرة الجنسية والقدرة على الحب والمتعة.
المحور الثاني- الاستلاب الاقتصادي:
[4]
1- ما هو الاستلاب الاقتصادي؟
تبخيس أمكانيات المرأة بحيث يسمح للرجل باستغلال مجهودها دون مقابل أحيانا أو بمقابل هزيل.
2-ما هي المكانة الاقتصادية التي تتواجد فيها المرأة؟
- تحتل مواقع إنتاجية ثانوية وتكتفي بمكانة هامشية، في حين يحتكر الرجل الأعمال الأساسية .
- إجحاف في نوع العمل ومستوى الاعداد المهني وحيف واضح على مستوى التقويم المادي لعملها: اعتبار الجهد المنزلي جهدا مجانيا- الأحور الزهيدة- ظلم على مستوى الترقية وقوانين التعويضات والاجازات.
3- ما الأسباب وراء ذلك؟
- تحاط دراسة الولد باهتمام أسري لاعتبارها الطريق إلى المستقبل في حين تعتبر دراسة البنت وسيلة تزيد من قيمتها كزوجة مقبلة ليس إلا.
- الحرمان من كل فرص الارتقاء الذهني والنفسي، وكل فرص التقدم المهني، ومن ذلك سجنها في البيت، وفرض مهمات الخادم عليها من كنس ومسح وغسل..
- تحويل المرأة من كيان إبداعي إلى كيان محنط، وتحويل اهتمامها إلى ميدان الاستهلاك والظهور كمجال وحيد لتحقيق ذاتها
- يتخذ الرجل (اهتمام المرأة بالمظاهر) حجة وسلاحا، إذ لا يمكن الاطمئنان إلى كيان ضحل الفكر، يوصف أيضا بالانفعالي، الذي لا يكترث إلا للتفاهات.
- قلق الطلاق والهجر مما يكرس حالة الرضوخ.
-
المحور الثالث- الاستلاب العقائدي:
[5]
- تعريف الاستلاب العقائدي: [6]
هو أن تقتنع المرأة بدونيتها، وتعتقد جازمة بتفوق الرجل وسيطرته عليها وتبعيتها له. هو أن توقن المرأة أنها كائن ناقص، جاهل، ثرثار، عاطفي.
- بعض الأمثلة على الاستلاب العقائدي:
- اعتقاد المرأة أن عالمها هو البيت.
- تنمية إمكاناتها كأم وخادم.
- تبني أسطورة حواء بكيدها وضعفها كمصدر للغواية والآثام والشرور.
- اقتناع المرأة أن من واجبها الطاعة لزوجها وأبيها.
- اقتناع المرأة أنها جسد يلبس وقوام يجدب ورحم ينجب ولسان يشكو ويتطلب ويكذب وأيد تطهو وتغسل وتمسح.



خلاصات عامة:

الموضوع أعلاه مثير للنقاش وهو نقاش لا شك ستتشعي أذرعه الأخطبوطية لذلك ارتأينا أن نؤطر الموضوع ما أمكن في حدود الأسئلة التالية:
- هل من حق المرأة أن تتمتع بجسدها؟
- كيف يمكن للمرأة أن تنتشل نفسها من الاستلاب الاقتصادي وتكون مؤهلة لاتحتلال مكانة اعتبارية في العملية الاقتصادية؟
- كيف تتخلص المرأة من قيود الاستلاب العقائدي لتصبح مناضلة من أجل حقوقها لا ضد حقوقها؟
لكن النقاش سيقفز على الأسئلة المؤطرة ليناوش قضايا خلافية لا ترسو على بر جواب:

المرأة والدين:
- الدين يجعل المرأة تتمتع بجسدها وفق شروط وضوابط ويعترف لها بحقها.
- من يدافع عن الموروث الثقافي يدافع عن التعدد، مسألة الإرث، القمع
- الدين منفصل عن الثقافة التي تعني التقاليد وينبغي الفصل بينهما
- المرأة ليست ناقصة عقل ودين
- مسألة الإرث مرتبطة بالتفضيل (بما قضب الله بعضهم على بعض)
- النص الديني جاء في ظرفية خاصة، ولذلك هناك فرق بين الآيات المكية التي تشكل الأصل والآيات المدنية التي تعتبر الفرع
- الاسلام لم ينصف المرأة : الإرث/القوامة/الحور العين للرجال فماذا للنساء؟
- النص الديني يؤخذ بظاهره لأغراض شخصية وسياسية..
- هناك من يتخطى النص الديني متغافلا مضمونه الصريح المتشدد، وهناك من يتصادم معه.
-
المرأة والجنس:

- الشواذ حالة مرضية والجانب الأخلاقي أساسي في التربية الجنسية.
- المثلية كانت سائدة في الثقافة العربية (الشعر مثلا) وليست نتاج من الثقافة الغربية.
- الزواج هو الوسيلة الوحيدة التي تمكن المرأة من التمتع بجسدها.
- هل عقد الزواج وحده يضمن العلاقة بين شخصين؟
- كرامة المرأة تحصر في البكارة/ البكارة لا تدل على شرف المرأة بل تشكل جزءا من الشرف.
- المثليون من حقهم العيش كما يريدون ولا بد من احترام اختياراتهم.
[1] "التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور- د مصطفى حجازي. المركز الثقافي العربي- الطبعة التاسعة 2005
[2] " التخلف الاجتماعي" الفصل التاسع: وضغية المرأة ص 199
[3] " التخلف الاجتماعي" ص214
[4] " التخلف الاجتماعي" ص211
[5] " التخلف الاجتماعي" ص217
[6] لا ينبغي الخلط بين مصطلح الاستلاب العقائدي وبين ما يمت للعقيدة الدينية بصلة.



ما الغاية من الحجاب؟
بين المفكر شهاب الدمشقي والدعاة الجدد

في فلك السؤال عن ما الغاية من الحجاب وما الحكمة من فرضه ينبش شهاب الدمشقي في بطون أمهات كتب التفسير سابرا أغوار الآية الكريمة: ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما ) (الأحزاب : 59 ) فإلى ماذا سيقودنا هذا البحث الشيق؟
أولا لا بد أن نضع إجابة الخلف الصالح في الإعتبار، فالغاية من الحجاب لدى الكثير من الدعاة الجدد هي حفظ العفاف وصون المرأة اعتبارا لمكانتها، فهي الجوهرة المكنونة داخل صدفة الحجاب، نفيسة لا تقدر بثمن، وهي الدرة المصونة. ويضيف البعض أن السفور هو استفزاز للرجل وإثارة له، وحفظا له


ذا الرجل من الوقوع في الزنى شرع الحجاب من باب سد الذرائع.
لا ننكر أن هذه الإجابات تنطوي على اجتهادات عقلانية وقدرة فذة على تحيين النصوص وعصرنتها.
السؤال الذي يطرحه شهاب الدمشقي هنا هو : الى أي حد كانت هذه الأحكام والمضامين الأخلاقية التي يحدثنا عنها اسلاميو اليوم حاضرة عند فرض الحجاب لأول مرة ؟؟

في بحثه في كتب التفسير المعتمدة يقدم لنا شهاب الدمشقي مادة دسمة ومرتبطة ارتباطا مباشرا بالسؤال المطروح: ما الغاية من فرض الحجاب؟

أولا- في تفسير القرطبي وتبيانه لسبب نزول آية الحجاب السالفة الذكر: ( لما كانت عادات العربيات التبذل ، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الاماء ، وكان ذلك داعية الى نظر الرجال اليهن وتشعب الفكرة فيهن أمر الله رسوله ان يأمرهن بارتداء الحجاب عليهن اذا اردن الخروج الى حوائجهن ، وكن يتبرزن في الصحراء قبل ان تتخذ الكنف ، فيقع الفرق بينهن وبين الأماء .... وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة فيتعرض لها بعض الفجار يظن أنها أمة ، فتصيح به فيذهب ، فشكوا ذلك الى النبي فنزلت هذه الآية )

ثانيا- في تفسير ابن كثير: ( كان فساق أهل المدينة يخرجون بالليل ........ فاذا رأوا المرأة عليها جلبابا قالوا : هذه حرة فكفوا عنها ، واذا رأوا المرأة ليس عليها جلبابا قالوا : هذه أمة !! فوثبوا عليها !!!!! ) ( ابن كثير : 3/855 )
ثالثا- في طبقات ابن سعد: ( كان نساء النبي يخرجن بالليل لحاجتهن ، وكان الناس من المنافقين يتعرضون لهن فيؤذين ، فشكوا ذلك ، فقيل ذلك للمنافقين فقالوا : انما نفعل ذلك بالاماء !!! فنزلت هذه الآية - أي آية الحجاب ) ( طبقات ابن سعد : 8/141 )
وهكذا ....... ( لما كانت الحرة تخرج فتحسب أنها أمة فتؤذى ..... أمرهن الله أن يخالفن زي الاماء ، ويدنين عليهن من جلابيبهن ) ( طبقات ابن سعد : 8/141 )
ثالثا- في تفسير البيضاوي: ( و ذلك ادنى أن يعرفن يميزن من الاماء والقينات فلا يؤذين فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن)( تفسير البيضاوي : 4/386 )
رابعا- يقول الطبري في تفسيره: ( يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول ) ( تفسير الطبري : 22/45 (

خامسا- في تفسير الصنعاني: - عن الحسن قال كن إماء بالمدينة يقال لهن كذا وكذا كن يخرجن فيتعرض لهن السفهاء فيؤذوهن فكانت المرأة الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة فيتعرضون لها ويؤذونها فأمر النبي المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن من الإماء أنهن حرائر فلا يؤذين ) ( تفسير الصنعاني : 3/123 )

هذا غيض من فيض مما أورده شهاب الدمشقي فهو لم يترك كتابا من كتب تفسير السلف للقرآن، إلا أورد إجابته المتطابقة مع ما أوردناه أعلاه، وانطلاقا من كل هذا نستخلص:
- إجماع التفاسير على أن الغاية الأساسية من الحجاب هي تمييز الأمة من الحرة.
يثير شهاب الدمشقي سؤالا جديدا لا أحسب الدعاة الجدد يكلفون أنفسهم عناء الإجابة عنه، لكن السلف الصالح من الأئمة الكبار وفقهاء المذاهب أفاضوا في الإجابة عنه. السؤال كان عن حدود حجاب الأمة؟؟
1- إجابة المذهب الحنفي: الأمة كالرجل في العورة مع ظهرها وبطنها وجنبها ، لقول عمر : الق عنك خمارك يا دفار ، اتتشبهين بالحرائر ؟؟؟ ( الدر المختار - تبيين الحقائق )
2- إجابة المذهب المالكي: عورة الامة هي السوأتان مع الاليتين ( الشرح الصغير - بداية المجتهد ).
3- إجابة المذهب الشافعي :عورة الأمة كالرجل في الاصح الحاقا لها بالرجل بجامع أن راس كل منهما ليس بعورة . (مغني المحتاج - لمهذب ).
4- إجابة المذهب الحنبلي: عورة الأمة كالرجل تماما : ما بين السرة والركبة على الراجح ، لحديث : ( اذا زوج أحدكم أمته فلا ينظر الى شئ من عورته فان ما تحت السرة الى الركبة عورة ) ( رواه البيهقي )و عورة الرجل و الأمة ما بين السرة و الركبة ( شرح العمدة :4/261 ).
إلى هنا تبدو إجابة السلف الصالح فيما بينهم منسجمة إلى حد التطابق رغم أنها أبعد ما يكون عن روح العصر وأقرب ما يكون إلى أسباب نزولها، لكنها لا تمت بصلة لتفسيرات الدعاة الجدد عن الحشمة وصيانة المرأة، وهذا يدفعنا إلى الاتفاق مع خالد منتصر حين قال أن "مسألة الحجاب لا نستطيع ان ندرسها ونحللها بعيداً عن السياق الاجتماعى الذى ظهرت فيه قديماً وحديثاً ." لكن عباءة النصوص فضفاضة وباع الدعاة الجدد طويل في التلاعب بالنصوص والسيطرة على العقول.
شكيب أريج 06/01/2008

الخميس، 20 دجنبر 2007

مجتمع العبيد في الإسلام

مجتمع العبيد في الإسلام
الإمام مالك مشرعا ومنظما لسوق العبيد في الإسلام

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الإسلام المعتدل والنزوع نحو الوسطية حتى لأن أشد المتطرفين باتوا ينعتون أنفسهم بالمعتدلين وبالفهم الواقعي للإسلام.
والحقيقة أن الأخذبالدين الإسلامي من تلابيبه وأطرافه والوقوف في وسط الطريق لن يوقف الصدام الإسلامي بالفكر الحر.
سأتطرق هنا إلى المسكوت عنه فيما أسميه – التراث الإسلامي- وهو آفة مجتمع العبيد ، وكيف تم احتضانه دينيا والتنظير له بأعلى سلطة دينية إلى أن كشف الزمان وسيرورته التقدمية عن لاعلاقته بروح الدين الإسلامي السمح.
هذا المثال/الظاهرة (مجتمع العبيد) لا أكاد أجد لها أثرا في الكتيبات الدعوية السلفية الحديثة، رغم أن أمهات وآباء الكتب قد خصصت لها قسطا وافرا – وكان في ظن السلف الصالح أن المحدثين لن يفرطوا في إرث أجدادهم – لكن الذين طلعوا علينا بالحجاب والنقاب والزواج المتعدد والمحلل لم يجرؤا أن يتقيؤا علينا ما يوجد في الأبواب المجاورة عن التنظير لسوق النخاسة وكيفية استعمال الجواري وتملك الإماء والعبيد.. ألأنهم فطنوا إلى أن المسألة تمس بإنسانية الإسلام؟ فيا ليتهم يفطنون إلى أن منع المرأة من قيادة السيارة، وسجنها في المنزل، ورضاع الكبير أمور تسيء للإسلام.هل اقتنع تابعي أتباع الأتباع أن تشريعات مجتمع العبيد ومقتضياته أمور متجاوزة ولا تصلح لكل زمان ومكان؟ وهنا يحق لنا أن نتساءل لماذا أخذ عن السلف كل ما يتعلق بأمور الدين واستثني ما ينظم مجتمع العبيد؟ ولما يصر معتدلي هذا العصر على إقحام الإمام مالك في المدونات الحديثة؟

سأقتصر هنا في نبشي للثرات الإسلامي على واحد من أهم مصادر الحديث والتشريع في الإسلام. كتاب الموطأ لمالك بن أنس الذي يتخذه الكثير من المعتدلين منبرا للتباهي ويتبع الكثير مذهبه دون معرفة ما يعج به الكتاب من فضائح إنسانية.
الحقيقة التي يغض عنها معتدلي هذا العصر الطرف وهي كون أئمة الحديث ومعاصري الرسول(ص) وتابعيهم لم يكونوا بعيدين عن ما يجري في شبه الجزيرة العربية من نخاسة وامتلاك ما ملكت الأيمان، ولم يكونوا محايدين فيما يتعلق بالجواري الحسان واعتبار التسري وزواج المتعة متنفسا حقيقيا، ولا أدل على ذلك من أن جميع أمهات الكتب قد خصصت (ما تيسر) للكلام عن مجتمع العبيد وما يصلحه وما يفسده.
وكثيرا ما يستشهد بقول عمر بن الخطاب (يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟) ولكنه تساؤل في محله لأن عمر كان يعرف أن الحاج المصري الذي أساء إليه عمرو من سادة مصر، وإلا كيف نفسر أن عمر ضرب أمة لآل أنس رآها متقنعة , وقال : اكشفي رأسك , ولا تشبهي بالحرائر . وكان معروفا عنه أنه ينهى الإماء عن التقنع . قال أبو قلابة : إن عمر بن الخطاب كان لا يدع أمة تقنع في خلافته , وقال : إنما القناع للحرائر.
هذا التمييز في حد ذاته دال على أن عمر رغم ما اتصف به من عدل وورع وزهد لم يكن يرى في حالة العبيد داخل المجتمع الإسلامي عيبا أو غضاضة، مع العلم أنه كان له هو الآخر جواري وعبيد ، ففي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وهب لابنه جارية فقال: (لا تمسها فإني قد كشفتها)
[1]
وعن يحيى عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: (من باع عبدا وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المباع)[2].
الإشكالية التي يناقشها هذا الحديث تتجاوز في رجعيتها امتلاك العبد إلى الحق في امتلاك ما يمتلكه العبد، وفي هذا الصدد يقول إمام الأئمة مالك: (الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقدا كان أودينا أو عرضا يعلم)
[3]
هل هناك أكثر رجعية من هذا؟ للأسف أجيب (نعم) وماذا يملك العبد غير ماله، نجيب له أيضا زوجة وأبناء.
جاء في (باب النهي عن أن يطأ الرجل وليدة ولها زوج) أن عبد الله بن عامر أهدى لعثمان بن عفان جارية ولها زوج ابتاعها بالبصرة، فقال عثمان: لا أقربها حتى يفارقها زوجها (وهنا مبلغ العفة) فأرضى ابن عامر زوجها ففارقها (وهذا مبلغ السفالة).. ولتتصور أنك عبد يصادر السيد كل ما تمتلكه ، ويجعل منك هدية أنت وزوجك، ويراضيك حتى تتنازل عن زوجك لولي نعمتك، فتفارق زوجتك بملء إرادتك ورضاك، فلا غاية ترجى منك إلا إرضاء سيدك؟؟
من حق أي أحد أن يستنكر نسبة هذه التشريعات إلى الإسلام، وقد يشكك الكثير في الهدف من هذه المكاشفة، لكن لا أحد يشكك في أن الإمام مالك رضي الله عنه قد يكون تاجر نخاسة ومشرعا لقوانينها بسلطة الدين.
نأتي إلى الطامة الكبرى التي يمكن أن ندرجها في باب هل تعلم وليس في (باب ما جاء في العهدة).
في عصرنا هذا ليس من الغريب أن يشتري الإنسان ثلاجة في عهدتها ثلاث سنوات أو جهاز عهدته شهور، لكن الذي لا يعلمه الكثير هو العهدة في ما يخص العبيد، فما دام يشرع الحق في بيع الإنسان وشرائه، فلا غرابة أن يختلف الناس في عهدة العبد أهي ثلاثة أيام أم سنة؟ ويرفع الاختلاف إلى مفتي النخاسة، فماذا يقول إمامنا مالك في هذه النازلة؟

قال مالك: ما أصاب العبد أو الوليدة في الأيام الثلاثة من حين يشتريان حتى تنقضي الأيام الثلاثة فهو من البائع، وإن عهدة السنة من الجنون والبرص والجذام، فإذا مضت السنة فقد بريء البائع من العهدة كلها.
[4]
هناك مثال آخر عن معاصر للرسول(ص) لا يذكر في يومنا هذا إلا مرتبطا بالزهد والورع والتقوى ولا يسعنا إلا أن نقول أنه نعم الزاهد الورع المحب لدين الله ورسوله ، ورحم الله عبد الله بن عمر حتى لا يعيش في مجتمع خلو من العبيد (بالمعنى الحقيقي للكلمة) ولنتأمل الحديث التالي:
عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر : بالغلام داء لم تسمه لي، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبد وبه داء لم يسمه، وقال عبد الله: بعته بالبراءة. فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فصح عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم
[5]
هؤلاء هم الشيوخ الذين تعود دعاة الإسلام تقديسهم والإعلاء من شأنهم، إنهم أكثر خطورة من مافيات تجار المخدرات، فذاك يبيع مخدرا وهذا يبيع إنسانا، والأنكى أنه لا يفرق بين العبد والحيوان ، سنجد ذلك جليا في قول الإمام مالك (الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن باع عبدا، أو وليدة، أو حيوانا بالبراءة..)[6] وهو قول يعضده إدراج الإمام مالك لأمور العبيد ضمن كتاب البيوع حيث يشرع لبيع وشراء العبيد والتمر والفاكهة والذهب والفضة[7].
إذا كانت التشريعات المتعلقة بالعبيد والإماء والجواري تسقط في العصور الحديثة، أليس هذا إلغاء لقاعدة أن كل النصوص الدينية صالحة لكل زمان ومكان؟ وإذا كان من اللزام تسمية العصر الإسلامي والراشدي وما بعدهما بالعصور الذهبية، فكيف نبرر تفشي التسري وامتلاك الرقاب والعبيد فيه؟ ثم أليس شيئا يندى له الجبين أن نأخذ أمور الفقه من كتب مغرقة في رجعيتها، حتى لأن الموجة السلفية المتشددة تبدوا في أشد الاعتدال مقارنة مع ما تعج به من ثراثيات؟
حادثة طريفة يذكرنا بها فقهاء الحديث للتدليل على صحة أحاديث البخاري وهي كونه يقطع المسافات الطويلة لملاقاة الرجل لإغذا شعر بأنه ليس بالرجل الثقة، استغنى عن إفاداته، ومن ذلك أنه جالس رجلا وروى عنه أحاديث وقبل أن ينصرف رأى الرجل يخادع دابته في طريقة إطعامها فكره البخاري منه ذلك السلوك ولم يعتمد رواياته، تلك لعمري هي الدقة المتوخاة فالرجل الذي عُرف عنه أنه يستعبد الناس ويحلل فروج الجواري والمحصنات أيُ دين سيشرع له غير دنياه الأثيرة.
[1] مالك بن أنس (الموطأ) دار إحياء الكتب العربية- دار الكتب العلمية-بيروت. لبنان- مراجعة وتنقيح محمد فؤاد عبد الباقي – الطبعة الأولى ص348
[2] أخرجه البخاري ومسلم. مالك بن أنس –الموطأ- ص389
[3] الموطأ (باب ما جاء في مال المملوك) ص389
[4] الموطأ (باب ما جاء في العهدة) ص390
[5] الموطأ (باب العيب في الرقيق) ص390
[6] الموطأ (باب العيب في الرقيق) ص391
[7] الموطأ (كتاب البيوع) ص388

الثلاثاء، 14 غشت 2007

إلى الذين يريدون لك أن تعيش في كفن


إشهار واحد هو الذي لا تبته قناة الناس، ذلك هو إشهار الكفن/فما بقي بعد أن قالوا: هده قناة تدخلك الى الجنة الا أن يقولوا: وهدا لباس يدخلك الجنة فالبس مند الأن كفنك قبل أن تقوم الساعة.. أو اشتر كفنك بعد أن تتصل بالارقام
. التالية
هؤلاء الدين يبيعونك رؤية ضيقة للدين رجعية أكثر من الرجعية نفسها..لا ديدن لهم إلا الحديث عن الساعة وعداب القبر..وهم يسعون الى تكريه الناس في الاسلام ، وطريقتهم ليست تيسير الدين ولكن يعتمدون مبدأ الترهيب
الله خالقنا عز وجل بدل أن نحبه ونتوق الى لقائه هو معدبنا وقضبان شواء لحومنا في الانتظار..
لما تصوير الله بهدا القدر من البشاعة والترهيب
مسألة أخرى كثيرا ما يتم عرض صور لأناس ماتوا تم التمثيل بها ليقال للأخرين أنظروا الى عداب القبر، أنظروا الى تارك الصلاة وهو نوع من التشفي لم يعرفه الانسان من قبل وهو نوع من الخبث والكدب والخرافة..
يستعمل الناس الأنترنيت والسيديات في نشر العلم ويستعملها الملهمين بالاسلام للترهيب والرعب..لهؤلاء أقول البسوا اكفانكم فأنتم ميتون وإلا كيف لكم بهدا اليقين بأن الله معدب البشر وقاس عليهم الى هدا الحد.. وكـأنكم نزعتم من قلبه الرحمة.

لا أعتقد أن فكرة تسويق كفن اسلامي في قناة الناس بالشيء المستبعد..فكل شيء يباع في قناة الناس ..ولا جناح على الدين آمنوا واستفردوا بالقلوب البيضاء إلا أن كل هده المبيعات توسم بصبغة اسلامية بل ربانية وما بقي إلا أن يقال أنها من صنع الملائكة.
لقد انتقلنا من عصر الاسلام السني والشيعي..
إلى عصر الاسلام التجاري..
وقريبا ستظهر بنوك اسلامية..
وتلفزات اسلامية
وحواسيب اسلامية
وحتى ورق الطواليت لن يسلم من هده الظاهرة التجارية
وحاشا أن تكون اسلامية

السبت، 24 فبراير 2007

نقابيات

نحو شبيبة تقدمية نقابية

ما يعرفه القطاع النقابي من تشرذم وتمزق وطغيان للانتهازية هو واقع لا يختلف عليه اثنان. لهذا فكل كلام عن نقد هذا الواقع لن يخرج عن ما هو تحصيل حاصل، فلتكن هناك وجهات نظر وإرادة حقيقية تسعى إلى التغيير واتخاذ مواقف ايجابية.
وحتى يكون مقالي هذا خطوة جريئة في هذا الاتجاه أطرح هنا مبادرة لن أتوان عن تفعيلها حتى لا يظل الجسد النقابي مشلولا وضعيفا.
فكرة بناء شبكة للشباب التقدمي النقابي أرى أنها خطوة تغييرية فاعلة لا مندوحة عنها نظرا لعدة اعتبارات:
أحد أهم عوامل تشضي الجسد النقابي واهترائه يكمن في عقلية الشيوخ من داخل الهياكل، وهي عقلية إقصائية تلعب على وتر التبجح بالتجربة وتدق مسامير الكراسي الدائمة وتمارس سياسة الخبث والمكر واللامبدئية، ثم أنها استكانت مغلوبة واستنفدت طاقتها، أفلا ترون معي أن تشبيب العمل النقابي من شأنه أن يبعث دماء جديدة قادرة على التغيير
الظرف الراهن أصبح يستدعي استبدال الأساليب العتيقة على مستوى التكوين والنضال والتواصل، ولا أرى أن جيل قدماء النقابيين يستطيع تغيير أدوات نضاله وتواصله ثم إنه لا يملك برنامجا تكوينيا واضحا، وفق هذا الاعتبار يمكن أن أقول أن الذي يستطيع خوض أشكال نضالية جريئة وجديدة مختلفة عن الأشكال المألوفة هم شريحة الشباب، يمكن أن أقول أنهم الأقدر على مواجهة بجاحة وصبيانية ولا عقلانية المسؤولين، وهم الأقدر على تخطي الخطوط الزرقاء والخضراء والحمراء التي يجبن الكبار- كبار السن- عن تخطيها لتحليهم بالرزانة والعقلانية مما لا يتناسب مع روح العصر.
المستوى التواصلي أعتقد أنه معطل في النقابات الشبيهة بدار العجزة والتي لا تزهر إلا شوكا. وأعتقد أنه û مجال التواصل- يستحضر فقط إبان حملات التعبئة وقبل عقد المؤتمرات والسبب في كل ذلك راجع إلى كون النقابي العجوز غير قادر على تفعيل قنوات التواصل û التلفاز- الأنترنيت- الصحافة- البريد الالكتروني والرسائل القصيرة- النشرات والمجلات...-.
هذه هي أهم نقطة قوة لدى الشباب وأهم نقطة ضعف لدى الشيوخ. ومن هنا انبثقت فكرة بناء شبكة شبيبية تقدمية نقابية تتواصل عبر قنوات لا يمكن أن ينخرط فيها إلا من يساير عصره من ذوي العقليات الشبابية.
لغة الخطب الخشبية والشعارات الرنانة والبيانات الاستنكارية هي لغة محنطة بليدة وسكونية مهما بدت متعالية ومستفزة ومحرضة لكون المتلقين يتثاءبون حين يتلقونها وتكون استجابتهم بطيئة وغير مجدية، فلنترك الحبل على الغارب للسان شبابي بديل عن لغة الدراويش يستطيع أن يفجر ألغام اللغة.
البرنامج التكويني الذي تصوغه النقابات لا يخرج في أفضل الأحوال عن عروض أو ندوات أو لقاءات أو زيارات وهو موسمي أو منعدم في الغالب الأعم، وهو برنامج في مضمونه في مضمونه مختزل ومبتسر تطغى عليه الارتجالية وينصاع لمقولة " ما يطلبه المشاهدون".
في تصوري الشبابي ينبغي توسيع دائرة التكوين لتشمل شريحة واسعة من الشباب، لأنه ضرب من الغباء هو استنزاف الجهد النقابي من أجل تكوين الجيل الأخير أو ما قبل الأخير المستأثر بالتسيير والتدبير إلى حد الهوس، ولعل هذا أحد الأسباب الوجيهة التي تدفع مشيخات النقابات إلى إهمال التكوين بحكم أن السواد الأعظم من هؤلاء النقابيين لا حاجة لهم بالتكوين ويعتقدون أنهم أساتذة في التأطير والتوجيه.
ليكن التكوين أيضا هو ذاك النقد الذاتي وتلك الدينامية التي تدفع إلى الأمام، وليكن مبعث تجديد وحوار خلاق لن يجد الشباب صعوبة في الانخراط فيه إذا تم تفعيل قنوات التواصل واستثمار التقنية الحديثة، - تصنيع مادة تكوينية ﴿أقراص مدمجة مثلا﴾ عقد مؤتمرات وندوات وخلق منتديات (في فضاء الأنترنيت)
من أجل شبيبة نقابية تقدمية يجب ربط صلات وطيدة بالروافد التي تستطيع تأهيل شباب واع وفاعل ومتخمس للعمل بروح نضالية مستميتة، فالقطاع التلاميذي والطلابي هو المستقبل القريب والبعيد الذي سيؤطر وسيتأطر بالعمل النقابي يوما ما.
التأسيس النظري لفكرة بناء شبكة شبيبة تقدمية نقابية هو أمر ضروري يحتاج إلى فتح حوار أفقي يدلي فيه الشباب المنضوي في الهياكل النقابي بآرائه وتصوراته بكل جرأة وشجاعة وفي نفس الوقت فتح حوار عمودي بين الشيب والشباب يستعرض البدائل الممكنة لتغيير الوضع النقابي أو يسلم بأنه لا مناص من تسليم المشعل إلى الشباب.
هذه مبادرة لا أقل ولا أكثر سيغلفها الصمت إن كانت إرادة الشباب يائسة ومستسلمة وسيكتب لها النجاخ لا محالة إذا لم يقبر الصوت الشبابي ولم ينعث بالعقوق والعصيان.


شكيب أريج
26-01-2007

الثلاثاء، 13 فبراير 2007

الأشواك

لست وحدي المغفل فهناك معتوهون كثر، وهناك فتاة واحدة تسكب الملح في الأعين وتوهمنا ببراعة أنها تقطر عسلا..هناك فتاة واحدة تقف أمام الشمس وتوهمنا أنها الشمس..
تذكــــــري
و أعلن قلبي الإضراب عن حبك
و أقفلت شباك بريدك
و رفضت كل المشاعر التي تأبى إلا أن تعارضني
ووقفت سدا أمام مشاعري
رسائلك كلها أضرمت فيها النار
كما أضرمت النار أنت في
قلت كلمتي الأخيرة
وانتهى الكلام

***
تذكري كيف كانت أحضاني بستانا
وعيناي كانت سماءك
تذكري كيف كنت فخا
وكنت أنا لعصفور
خاب ظني
واشتريت اللبن مغشوشا
كشرت عن الأنياب
وكنت أرى وجهها بشوشا
فلتعلمي صغيرتي
أني لا أدخن أعقاب السجائر
وأني لا أمارس على أبراسك الشعائر
وأن كل حذاء لا يناسبني أرمي به من الشباك
***

و أعلن قلبي الإضراب عن حبك
وخالفت شريعة الحب
عندما نزعت عن قلبي طوابع البريد
ورفضت أن أرسله إليك

***
تذكري كيف خانتك عيونك
وأنا أحضر حقائبي
واذكري كيف كنت أحترق
كلون عينيك صغيرتي
واذكري كيف كان يفضحني
منديلي المبتل
وعلى وجهي سيل شتائم
وطبعي العاصف
وقتها كان غير ملائم
خاب أملي
وخاب جمالك
وانتهى ما بيننا
قلت كلمتي
وانتهى الكلام
جيل من حطب
انتظــــار :

تخشبت قدماي
وعنكب القلق في سراديب أعماقي
ودارت ساعات أيامي
كما تدور مسبحة في يد زاهد

***

اعشوشب القلق في مقابر أقداري
وانتظرت الأسوء.
بشعة هي أحلامي
موصدة هي أقفال أمنياتي
والطريق مسدود أمامي
هواجس الانتظار كوابيس
وانتظرت الأسوء
وليس معي غير أفق مظلم
ويأس يائس
وحظ عاثر
وانتظرت الأسوء
وليس في عذاباتي
أمر من هذا الانتظار
وتصلبت شراييني
وتوقفت أمامي الأقدار
واحترق في عيوني الأمل
فهذه أمنياتي أراها تتحطم أمامي
قارورة عطر صنعتها من دموعي
1999/02/18

***

لحظة احتراق :

أما يكفي
أني مدفون تحت أنقاض مقرراتكم
وأني إنسان صنعتم أفكاره
وطبختم عقليته
أما يكفي
أني وثني يعبد أصنامكم
وأني إنسان كنتم أقداره
وشوهتم عقليته
أما يكفي
أني فأر تجارب في أعمالكم
وأني بحار سئم إبحاره
لأن المرفأ مفقود
أما يكفي
هذا الإذعان كله لمعدلاتكم
وهذا الحب كله لأهوائكم
أما يكفي
أن هذا الذي أدمن ثعلبياتكم
وأثقن ألاعيبكم
ما زال يتهجى في اعتقاداتكم
هذه قمامة أفكاركم
هذه كل الثعلبيات التي تعلمنا
هذه أسفاركم
فاحملوها فلسنا الحميرا
هذه سفاهاتكم
هذه شهادات التقدير
في سوق المزاد العلني
تحدوني رغبة في الغثيان
وتقيء كل أفكاركم
أي أمس ذبحناه هنا
وكنتم أنتم الجلاد
أي مستقبل ينتظرنا بين أحضانكم
وأنتم الموت.
1999/02/22
صمت العاصفة :

تسير جحافلنا كل صباح
في الطريق المعبد بالكبرياء والطموح
أقلامنا سيوف ورماح
صحائف الأوراق صفائح ودروع

ذبالة أعمارنا نحرقها في هذه الأوكـار
نحفظ مقرراتكم المقدسـة كالأذكار
بعقلية الطين التي لا تعرف الاستنكار
بذاكرة منخورة تعفنت بها الأفكار


في الميادين صفدوا أياديـنا
بعـفة الأقلام نقـاتل أعادينا
في زمن صار المسؤولين جلا دينا
والطبشـور صار حجر بوادينا
أجيال وراء أجيال بنفسيتي المتعبة
تصنعون منها أمثال عقليتي المكعبة
نحن قوم
قد نحرنا الذبـائح تحت أقدامكم
بل نحن كنا الذبائح في امتحاناتكم
أو هكذا يكون جزاء سنمار ؟
ماذا تجدي هتافاتنا
ماذا يجدي التلويح
معركتنا تنتهي
بألف عصفور جريح
لكنا ما زلنا نحبكم
كما أحب الله المسيح.
1999/03/18 تارودانت
عيد ميلاد قلمي
أجمل قبلة
قبلة قلمي على ورقي
وأجمل الغزل
وشوشات قلمي
في آذان ورقي
***
ماذا أهدي لقلم الحبر
في يوم ميلاده؟
ماذا أهدي لصديقي ورفيق الشعر
في أبهى أعياده
أهديه قصيدة
لكنها على لسانه ستكتب
قبل أن أزفها إليه
أهديه كأسا من الحبر
لكن مداده يكفيه
أهديه حلة جديدة
وعمامة كوفية
لكنه متشبت بالقبعة الزرقاء
والبنطلون الطويل
وأنفه يطاول عنان السماء
بجعبتي الكثير من الهدايا
وليس بجعبته غير المداد
أهديه ورقة
ينام على سطحها
ويفترش بساتينها
ويرتع في أرجائها
ويمشي على سككها قطارا
يداعبها فيملأ فراغها
يسافر في أطرافها ويجوب أقطارها
كل عام وأنا بخير يا قلمي
1999/02/23
بارقـــــة أمل
لم تكن غروبا
بل كانت بارقة أمل لا ترهب رعد السماء
لم تكن هروبا
بل كانت غيمة تزرع الشتاء
لم تكن رغبة
بل كانت طموحا ينام على الضفاف الخضراء
لم تكن شيئا
إلا أنها كانت بارقة أمل

***

طيبة القلب من كرمها
طول الصبر من شيمتها
طبيعة الفصول من ألوانها
طقس الربيع في اعتدالها

***

" يصمت الليل"
صمت الليل لا لشيء إلا لصمتها
" يسهر الليل "
أرق الليل لا لشيء إلا لحزنها
يحلق الحمام بين أفكارها
لا لشيء إلا لأنها السلام
وعليها السلام
***

فتاة لم تكن حلما
لم تكن خيالا
لم تكن وهما
بل كانت بارقة أمل

***

فتاة تبالغ في الانحناء
لكي تزرع القنبلة
ثابري على تمزيق الليل
تلمع النجمات عندما تصنعين النهار
بالأيادي الخضراء نبني المجد
لا بالدماء الحمراء
كوني كما أنت
ولا تعجلي فالنهار أنت.
رجل لا كالرجـــــال
قولي لي
كيف استطعت أن تحبي رجلا
يحب كل النساء على حد سواء
ودون استثناء
¶¶

قولي لي
كيف استطعت أن تحبي رجلا
يعشق مروة وليلى وسلمى..
وكل الأسماء
¶¶

قولي لي
كيف استطعت أن تحبي رجلا
في عينيه طوفان
وعلى صدره يعلو كبرياء
وفي يديه جراح
وفي قلبه كربلاء
كيف استطعت أن تحبي رجلا
في صدره غابة كستناء
وفوق عينيه
سحابة شتاء.
99.06.03 تارودانت
بكائية الحزن الأزرق

يا قلبي الموجوع طاوعني وانسى
بقايا خيالها وبعض من ذكراهـا
يا قلبي المفجوع وحيدا تبكـي
وبصمتي أداري نصـال هواهـا
يا قلبي المخدوع بأكذوبة الأمل
مقدورك أن تبقى طيرا في سماها
***
وأحزن وأبكي بصوت غير مسموع
وأشقى ..وأصمت وبكائي بغير دموع

مقدورك ياولدي أن تهوى المستحيل
أن تهوى امرأة حبهــــا ممنوع

وشأنك أن تبقى يتيما في الحـب
وأحزانك علقم مر بين الظلـوع

وتغرب شمسيي ويحل الإعصار البركان
وسفني ترفض مبدأ القلـــوع

مهما تنسى فالجرح موجـــود
و الأمس يعود يشقي قلبك المولــوع
***
ابك..ابكي يا قلبي المـحزون
وحيدا..بعيدا عن كل البشـر

وتلام لأنك الطيبة..لأنك الوفاء
ولأن من تحبه قلبه من حجــر

ومهماتحنو على الجرح تخفي الألم
ومهما تفرح فإن القلب قد انكسر

وأجدني في إحدى غيمـــاتي
مكفهرا..دامعــا..كوجه المطر

وأمضي إليك تعيس الخطـــى
وأدري أن في رؤيــــاك الخطر

أعشق من أجلك سيدتي حزنـي
أعشق موتي وشوقا يؤرق السهــر

ماض في هواك إلى حتفــــي
ذاك شأن كل من يهوى الــقمـر
***
من قلب متــرع بالأحـــزان
أقول: أتراه الأفق العـــــلا
وأقول..
وأقول..
وما عســاني أقول وقلبي المفجوع
تخضبت كل آماله بجرحي الدامـي

وجرحي الموجوع آلامــــا
ما زال ظلــه يمثل أمامــي

وغرامي المصروع جبـــنـا
ما زال في كوابيسي وأحلامـي

تزنيت
قراءة حزينة في الصفحة الأخيرة

كيف أرثيك يا صاحي
وأنت بين الخاطر والخاطر تحضرني
وحين أجدني أشفقت عليك بالرثاء
أشعر بالذنب وأكره نفسي.
وأرثيني وفوق عيني سحابة شتاء
أنا لا أستذرف الدمع
وأقولها صريحة..فمشاعري بيداء
وهذا عالم دميم
وملعون من أراد إليه الانتماء

***

كيف أرثيك يا صاحي
وبين الآه والآه يمتد جرحي
إن أنا تصفحت سيرتك البيضاء
فبحق السماء
قل لي من منا يستحق الرثاء
أطيفك الراحل إلى السماء
أم حطامي المتناثر على الثرى؟

***
وأسأل عنك كل الأصدقاء
فيجيبني صمت رهيب وذهول..
أنت أخي علوت إلى العلياء
ونحن اخترنا ذل البقاء
اخترنا الموت مرتين
اخترنا الاحتراق..والحزن..والبكاء

***

كيف أرثيك يا صاحي
وأنت بين الغصة والغصة تخنقني
وتملؤ الأيام الآتية شقاءً
وحين أحاول أن أرثيك
أحتقرني وتفور من عروقي الدماء
فهذه القصيدة "مشرحة "
وبين السطور أطراف منك وأشلاء
وأرثيني فأنا الوضيع المدنس بحب الحياة
وأرثي لحال الدنيا ولكل الأحياء

***

أذكر أسلوبك المتسامح
وبساطتك في كل الأشياء
أذكر طريقتك الطليقة
في التعبير عن الاستياء
أذكر البسمة الخفيفة على وجهك
وملامح الإعياء
وأذكر أنك بين الموت والإغماء
اغتالتك استشارة طبية
سأذكر جيدا أنك كنت هنا
واجفا , هامدا على السرير كالمومياء
وأذكر أيضا
أن آلاف الأبرياء
قضوا نحبهم في المستشفيات العمومية
سأضرج الورق بعواصفي الهوجاء
سأبكيك بدماء حبري
وأفضح طغمة الأوغاد اللقطاء
وأقول في كل درب أن المجرمين
هم أصحاب الوزرة البيضاء
وسأبكيك بنزيف الروح
وأسب الكلاب , الأنذال , الجبناء
سأقول في التحقيق
أن صديقي كان آخر حديثه بالإيماء
وأن آخر أنفاسه
كانت كلها كبرياء
وسأبكيك بخفق الفؤاد
وأواريك بنظراتي خلف السماء
وأعج صاخبا مغضبا
وأصرح أنهم كلهم في الجريمة شركاء
ولن أواري سوءة المتآمر الحقير
وسأبصق على الوجوه ودون استحياء
على طوال الدقون
أصحاب البدلات والليالي الحمراء

***

سأبكيك
سأبكيك رغما عني
وكلما أتى الهواء بهواء
سأذكر نفحات عطرك صاحي
وأذكر أنك كنت آخر الأنبياء
وأنك كنت تزين عصبتنا
ومجلسنا عند الساقية لدى كل مساء
1999/تارودانت
وعادت ميسون الجميلة

أقول وأقول..
كم أبكتني ميسون
بجمالها الأخاذ بالعقول
بإغرائها بسحر العيون
في يومها الثاني ولم يدركها الأفول
عادت ميسون
تحمل ربيعا أدركه الذبول
ومساءً وردياً مثقلا بالحيرة والظنون
عادت إلي ميسون
وكان اللقاء ..وكنت أحسب أنه لن يكون
كل شيء كان يهون
إلا أن أراني أنظر إلى ميسون
***
أقول وأقول
وما عساني أقول
وحين أرى ميسون
يصيبني الذهول
وأصاب بداء اسمه الجنون
وتفر من حضيرتي كل الخيول
وتمطر سمائي
وتأتي كل السيول
أحرقت قلبي يا ميسون
كما روما أحرقها "نيرون "
فهل تكفرين عن خطيئتك الأولى
وتمسحين دمعتي الأخيرة يا ميسون؟
أم يكون آخر الفصول
من قصتي المأساوية
مشهدي وأنا مقتول؟
***
أقول وأقول..
ولا أقول غير أني محزون
وأني بغداد أحرقها المغول
وأني كر بلاء تبكي الدمع الهتون
قد عادت ميسون تقرع أبواب صمتي
ومستحيل عن حبها العدول
ومستحيل إلى حبها السكون
فميسون حزن أخشى أن يطول
وميسون جرحي الدامي
وشرخ في جبيني لن يزول.
أكاديـر/1999

الـــــــــــــــــــثائر
ابتعدي عن أيامي
فأنا أخاف أن تحرقي ابتساماتي
اغربي عن وجهي
لن تسقط..لن تنحني هاماتي
انتظرت جتثي أن تجيف
لكني حييت مرات بعد مماتي
اذهبي بعيدا
فحزين أنا ومكفهرة غمامتي
مغضب..عاصف..صاخب
جبلي الكبرياء ..تلك سماتي
بالله قولي ..انطقي
أهناك من يبدي في الحب مثل كراماتي
أهناك من يبرمج أيامه على غرارك
وحدي أنا كنت أجعلك أولى اهتماماتي
****

ارحلي..اختفى
تنصلي من كل اهتماماتي
فأنا أحاكمك بجريمتي
اتركيني لحزن السماء
فقد مضى زمن الفرسان
ولست في حاجة لشهامتي
لا تطلبي مني..
أن أدون في دفترك بعض ارتساماتي
فذاكرتي سوداء
وثروتي كلها ليست سوى كلماتي
لا تنتظري يوما
أن أرفع عباءتي
عن آلاف الدولارات والدريهمات
اخرجي بصمت من حياتي
فأنا الآن في أسوء حالاتي
كصفير الوادي أرغي وأزبد
فحذاري أن تسمعي غمغماتي
كموج البحر بين مد وجزر
فإياك أن تقتربي من بحر ظلماتي
1999/11/09/أكاديـر

اهتـــــــــمام


سأهتم بك حبيبتي كثيرا
كما تهتمين بنفسك أمام المرآة
وحين تشعرين بالبرد
سأحرق كل الثلوج
تلك التي فوق سطح البيت
وتلك التي تحت قدميك
وحين تنامين..
سأمرر أصابعي فوق شعرك الوردي
وفي كل مرة تنحني الشمس لتراك
سأخفيك بين أحضاني
وحين تشعرين بالسأم
سأعد أناملك الصغيرة
وأقرأ كفك للمرة الألف
وحين أنظر إلى فنجانك
سأطالعك بسيرة فارس قادم إليك
يحمل أشعار قلبه المولوع
ومنديلا مطرزا بالدموع
وحين تسقط الأمطار
سأرتدي عاصفة البرد
وأحميك بمعطفي
وبفرح جنوني سأصيح
"يعيش الحب..
وتسقط الأمطار"
أكادير/1999

الجـــــــــــــــــــبار

تمحقين هذا الجبار بداخلي
تثيرين الزوابع في قارورة مغلقة
لو أنك قررت البقاء معي
فوق رقعة جليدية وسط المحيط
ورغم البرد
ورغم العواصف والأنواء
رغم الريح والأمطار

****
ترفعين الظلام عن وجهي الكئيب
وتمسحين الغبار عن دمعتي الحزينة
وتربتين على كتفي كالملاك البريء
لو أنك قررت التوهج
والتوحد في كياني

****
تزرعين كفي بالورود والأشواك
تصبحين أجمل من أي وقت مضى
وتجعلين لي اسما أكبر مني
لو أنك قررت البقاء معي
على أرض واحدة
وفي سماء واحدة
وفي بحر واحد.
1999/12/07
أكاديـر

أمنيــــــة


أمنيتي الجميلة
أنا خبأت عيني من أجل هذا اليوم.
أيام قليلة ..
و أرحل تاركا شوقا لا ينتهي.
ما باليد حيلة.
فأنا ماض..
وليس معي وعد كاذب بالرجوع
ذات الظفائر الطويلة..
هل تدركين مصيري إن أنا رحلت؟
باق لك..
لكن الأماني مستحيلة.


السبت، 27 يناير 2007

دكتاتورية الشيوخ

دكتاتورية الشيوخ
قِيادَةُ المرأَةِ للسَّيارة بين الواقع والأسطورة

من غرائب الدعوة السلفية ومغالاتها التي تفضح التشدد وهوس مفتيها في إصدار فتاوي التحريم فيما أصبح يعرف بظاهرة فريدة وعجيبة تستحق الدراسة والبحث، وفيما أخذ يعرف بظاهرة "فوبيا التحريم". ومن ذلك فتوى تحريم قيادة المرأة للسيارة.
هؤلاء الذين أعلنوا منذ بدايتهم تمسكهم بالكتاب والسنة نجد أنهم يصدرون عن أهواء غريبة لا تمت للدين الإسلامي بصلة تحت ذريعة الغيرة على الأخلاق وحفظ عفاف المرأة وإذا سايرناهم في هواهم ومنهجهم السلفي فلا نجد لديهم نصا واحدا من القرآن أو السنة يتبث ما زعموا. ودون أن يحصل إجماع من الأمة أو يجدوا لأنفسهم مخرجا بقياس منطقي وواضح نجدهم يتعنتون في تحريم ما أحل الله.

من خلال كتيب قيادة المرأة للسيارة بين الحق والباطل الذي كتبه ذياب بن سعد الغامدي وقام بمراجعته وتقريظه شيوخ السلفية أعرض هذه القضية ليس بهدف تبيين أن قيادة المرأة للسيارة حق وتحريم قيادتها باطل بل لأستعرض أسلوب الشيوخ الأفاضل في مناقشة قضية من صميم المجتمع والحياة الواقعية ولأعرض لتهافت آرائهم التي أقول أنها لا تمت للدين الإسلامي بصلة، فهي في حقيقتها أفكار تدعو إلى الحذر الزائد والمبالغ فيه وترى أن السلامة في بقاء الوضع على ما هو عليه وفقا لمقولة هذا ما وجدنا آباءنا عليه.

أول ما يبدأ به الكتاب هو أسلوب جميل لسماحة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين يدل على تمثله لقول الله تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن" فالشيخ الذي يرى أن بيته من زجاج وأن جلوس المرأة/العورة وبين يديها مقود إلى الرذيلة يثمن كتاب تلميذه بقوله: "وبيَّن أنَّ الدعاةَ إلى خروج المرأة، وقيادتها لهم أهداف سيئة، ومقاصد ممحوقة"
الجميل في كلام الشيخ أنه يحاسب النوايا فكل من راجع الأمر في نفسه وقلبه ليخلص إلى أن القيادة من حق المرأة فهو سيء النوايا وهو من الدعاة إلى خروج المرأة عن الشرع. ليس غريبا على مفكر بمنهج سلفي أن يعطل فكره في قضية تخص المجتمع ويقصي كل من تهجس نفسه بعكس ذلك. ويتابعه تلميذه ذياب بن سعد الغامدي قائلا:" خرج علينا بعض المثقفين : بثقافات باردة، وأراء فاسدة؛ وذلك في إثارة بعض القضايا التي كنَّا ـ جميعاً ـ في غنىً وسلامةٍ منها !! ."
في حقيقة الأمر تبقى مجادلتهم بالتي هي أحسن هذه شعارا طنانا لا يتمثله السلفي إلا في مناقشة تلميذه أو أستاذه أما "المثقفين" فهم من أهل الرأي الفاسد والثقافات الباردة، ولعل أطرف شيء هو دعوة الغامدي المستثرة إلى ترك بعض القضايا وعدم الإلحاح في طرح الأسئلة لأننا "في غنى وسلامة منها"!! .
هناك قولة تقول "العقول الكبيرة تناقش الأفكار والعقول المتوسطة تناقش الأحداث والعقول الصغيرة تناقش الأشخاص" ولأن الشيخ يعجز عن مقارعة الحجة بالحجة فإنه يسعى إلى تشويه صورة كل من سولت له نفسه الدفاع عن حق المرأة في القيادة فهو:-المدافع عن حق المرأة- مستغرب ومندهش بتكنولوجيا الغرب ومتفسخ وما إلى ذلك يقول الشيخ الدكتاتور : "إذ بنا نجد بعض أبناء جلدتنا ممن يتكلمون بألسنتنا، ويستظلون تحت رايتها في ظل هذه البلاد الإسلامية، التي هي مهبط الإيمان، وأرض التوحيد ـ نجدهم منساقين إلى هذه الظلمات دون بصيرة، كأنهم إلى نصبٍ يوفضون !، متساقطين في أحضان الغرب دون روية، لاهثين وراء كل ناعق؛ ظنَّاً منهم أن حياة الكفار هي رأس الحضارة، وعاداتهم أساس التقدم، وأفكارهم مصدر الاستنارة … !" هكذا ينسج الشيخ خيوط مؤامرة تستهدف المسلمين بأن تقوض من بنيان الإسلام وذلك بأن يكون للمرأة الحق في السياقة ! ! !. إنها لغيرة مبالغ فيها وانه لمنهج يقاضي الأشخاص لا أفكارهم وحتى إن كانت هذه الأفكار وجيهة وصائبة فهي من الهام الغرب! ! !.
ومن درر المنهج السلفي في مناقشة الآراء واستعراضها نجد عمل الشيخ الدكتاتور على تصنيف الآراء( وهو على الأقل عمل يدل على الاعتراف بوجود آراء أخرى وهو ما يشفع للشيخ في أن يكون الحوار والنقاش مستمرا)
أصحاب الرأي الأول هم الطباخون- أصحاب الرأي الثاني هم الذواقون- أصحاب الرأي الوسط وهم أهل العلم؛ مصابيح الدُّجي، وأعلام الهدى(ولا ندري كيف أقحم الشيخ الوسطية هنا)
من خلال هذا التصنيف الذي نقبل أن يكون فنيا ولا نرى أنه يخاطب الناس إلا من منطق أحادي متعصب يرى أنه لا يأتيه الحق والباطل من بين يديه بعد أن رفع بيننا وبينه القرآن على رمح عمرو بن العاص
[1] وكما يقال "النور يبصر النور والظلمة تبصر الظلمة".
فلنسمع ما جاء من تقريظ في حق الطباخين: "عصفت بهم الأهواء، وماجت بهم الشهوات،" من الأهواء أنهم لم يرو من داع للتحريم . ومن الشهوات أنهم متلهفين لرؤية المرأة تقود السيارة ! ! ! لاحظوا أننا إلى الآن لم نطالع حجة واحدة أو دليلا واحدا، لنعتبرها واحدة من غرر السلفية التي تسفه صاحب الرأي أولا وبعدها يكفي أن يقول الدكتاتور: لا لقيادة السيارة للمرأة، لنعتبر حكمه عين العقل والبرهان الدامغ.
يتحدث الكتيب عن ما وصل إليه الغرب من تقدم تكنولوجي وما وصل إليه من تفسخ في الأخلاق ويربط ذلك بقدرة قادر مع قيادة المرأة للسيارة وهو يريد أن يقول : السيارة نستثمرها في ما هو خير للأمة أما زوجاتنا فلا دخل لهن بالأمر وسياقة السيارة بالنسبة لهن خروج عن الشرع... لا يسعني هنا إلا أن استشهد بقول الشاعر لعل في ذلك سلوى لأولي الألباب حتى يتحملوا متابعة الجدال:
فمجادل وصل الجدال وقد درى أن الحقيقة فيه ليس كما زعم
ومن قال يوما أن المرأة التي تقود السيارة لا بد أن تدخن السيجارة؟؟؟ أسوة بصانعة السيارات من النساء الغربيات.. إن منهج المبالغة هو الافتراء المجحف الذي يسارع إلى تتبيث سلطة المنع.
فديتك يا أمي الحقيقة مزقي بنور الهدى والعقل ستر الغياهب
ولا تدعي الإخوان في أرضهم عدى بما زينت أهواء غاو و كاذب
إن دفاع شيوخ السلفية عن فتوى التحريم لا يستند إلى أي دليل من القرآن أو السنة أو العقل والمخرج الفضفاض للتشبث بهذه الفتوى هو الاستماتة في الدفاع عن شرف المرأة وعفتها وهو موضوع اعتقد انه بعيد عن موضوعنا الذي نتحدث فيه عن المانع من قيادة المرأة للسيارة. إن العلاقة التي يسعى الشيوخ إلى إبرازها هي أن عفة المرأة مرتبطة بكل نواحي المجتمع فهي إن تكلمت عورة إن خرجت عورة إن عملت عورة...
وان القارئ لفتاوي هؤلاء الشيوخ ليعجب حين يجد الشيخ يناقش قضية حجاب المرأة وعملها في معرض حق المرأة في السياقة! ! ! وكأنه استنفد الحجج وأسقط في يده. بل إن الإطناب في الموضوع يتجه بنا إلى تعداد أحوال المرأة في العصور الغابرة والأمم الماضية للتدليل على أن الاسلام أعطى للمرأة حقوقها يقول:" ولا أبالغ حينما أقول : لو أن أحداً أراد أن يكتب عن حقوق المرأة في الإسلام ومكانتها بين المسلمين؛ لنفدت بحور الحبر، وانثنت رؤوس الأقلام، وامتلأت صحفٌ وأوراق، وانقضت أزمانٌ وأزمان ... وهو بعدُ لم يفِ بجميع ما لها من حقوق في الإسلام ." وهو قول يناقض تنافس الشيوخ في التحريم،
ولا أرى داع لاستعراض هذا الكلام إلا كون الدكتاتور قد استكثر ما للمرأة من حقوق في الاسلام أو انه استشعر عظم تشدده وتضييقه على المرأة فأراد أن يبرر ذلك بتذكير المرأة بما لها من حقوق علها تتعظ وتتنازل عن حقها في قيادة السيارة.
فانظر إلى المقارنات كيف تحبط صاحب الحق وتردعه:
- ليس للمرأة روح( عند الرومان) / فالمرأة المسلمة : نورٌ، وحياءٌ، وأدبٌ، وعفاف، وطهرٌ، وجمالٌ ...
- المرأة في الهند تَعدُّ بعلها ممثلاً للآلهة في الأرض/المرأة في الاسلام في بيتها وعند زوجها : مخدومةٌ، مكرَّمةٌ.
- المرأة مسؤولة عن الشرور في النصرانية؛ لأنها كانت تخرج إلى المجتمعات، وتتمتع بما تشاء من اللهو، وتختلط بمن تشاء من الرجال كما تشاء
أما عن قولهم أن المرأة نورٌ، وحياءٌ، وأدبٌ، وعفاف، وطهرٌ، وجمالٌ فذلك لإشعار المرأة بقيمتها وان ما يقوم به الشيخ الدكتاتور هو الحفاظ على هذه الطهارة والعفاف ومن ماذا؟ من الخوف عليها من قيادة السيارة؟؟؟

أما حجتهم بأن المرأة في الاسلام يصونها زوجها في بيتها فهو ليس حقا بل انتهاك لحق كأن تقول للسجين ابق وراء القضبان لأني أخاف عليك من الشرور التي توجد في الخارج.وإذا تأملنا الصورة المقابلة في المجتمع الهندي القديم الذي كان يعتبر الزوج ممثلا للآلهة أمام زوجته فسنجدها مطابقة لصورة الشيخ الدكتاتور الذي يعتبر أنه الممثل الشرعي لروح الإسلام أمام الزوجة.

أما اضطهاد النصارى للمرأة حين اعتبروا أن في مخالطتها للرجال وفي خروجها للمجتمع شر فهو أمر ينطبق تماما على السلفية في عصرنا فكثيرا ما يستشهدون بالحديث التالي للدلالة على تبخيس المرأة وتهويل خطورتها: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال بعدي من النساء" وبإمكاننا هنا أن نقول أن الرجل من شأنه أن يحول المرأة إلى نعمة أو إلى نقمة وفتنة حسب تصوره للقضية، غير أنهم يرون أن خروج المرأة إلى العمل فسوق وتبرج وفي سفورها إخلال بالعفة فهل كل امرأة سافرة هي امرأة ماجنة؟؟ فلا منطق يربط بين السفور وانتشار الشرور في العالم إلا المنطق الرجعي السلفي.

إن الشيخ الدكتاتور الذي ما زال يسوي حسابات بائدة مع أعلام الفكر يحب دائما الرجوع إلى القهقرى فهو كلما واجه قضية واضحة للعيان مثل القيادة يرتد إلى محاسبة هدى شعراوي وسعد زغلول ورفاعة الطهطاوي وقاسم أمين لا لشيء إلا لأنهم فتحوا باب التحرر وعرضوا أفكارهم فلاقت قبولا واستحسانا من طرف السواد الأعظم ولا أجيبهم إلا بقول الشاعر:
إن كنت تفقه يا ذا الفقيه فلم تلحو فلاسفة دانوا بأفكار
هم يبحثون عن الباري وصنعته وأنت تبحث عن حيض وأقذار
يصل الفقيه إلى مربط الفرس حين يقول أن السبب في التحريم هو أن الدعوة إلى قيادة السيارة هي دعوة إلى كشف الوجه وتأملوا معي أسلوب المبالغة المجحفة:" فمن كشفت عن وجهها اليوم من الفتيات ستكشف غداً ـ في الأعمِّ الأغلب ـ عن رأسها، وصدرها، وساقيها" إن الدعوة إلى قيادة السيارة ليست هي الدعوة إلى التجرد من الملابس يا شيخنا...

نصل مع الشيخ إلى مربط الجمل هذه المرة حين يعلن بدون مواربة أن العفة أخذت من جميع الدول الإسلامية حين سمحت للمرأة بقيادة السيارة وأن بلاد السعودية هي بلاد العفاف. إن هذا القول الذي جاء في فتاوى شيوخ السلفية (الكبار في السن فقط) ليدل على نظرة عنصرية وإقليمية تجعل الإيمان موزعا بين المناطق بدرجات وطبعا الحظ الأوفر من الإيمان والعفة وحسن الخلق هو في البلاد التي تدين بالسلفية فكرا لا دينا فلنقرأ النص التالي حرفا حرفا لكي تعلموا أن ما قلته أعلاه لا يزيد عن ما جاء على ألسنة من سميتهم متعصبين ومتشددين:
"اليد التي تحاول أن تدفع المرأة السعودية اليوم ( لقيادة السيارة )، هي اليد نفسها التي تحاول أن تحسر الحجاب عن وجه فتياتنا... نناشدكم بالله - تعالى - ... أن تتركوا تلك البقية من نساء الأمة آمنات مطمئنات في بيوتهن... أفلا يكفي الاعتبار، والاتعاظ من جميع البلاد التي قادت فيها المرأة السيارة ؟، وأن يكون دليلاً واضحاً ـ فاضحاً ـ لكلِّ عاقلٍ ؟؛ حيث وصلت بهم الفضائح، والمساويْ مبلغاً يستحي من ذكره اللبيب !!"
وفي تحليل ذكي يبدو أن الشيخ السلفي قد توصل إلى أن المرأة الأوروبية قد خرجت للعمل بعد الحرب العالمية لأن الرجال قتلوا في المعارك( هذه المعارك التي لم يقتل فيها الأطفال والنساء؟؟؟؟) ولأن المرأة بقيت بلا معيل فتحتم عليها أن تخرج إلى سوق العمل، أيضا الرجل الغربي لم تعد له رغبة في الزواج وتأسيس بيت بل انشغل بأمور أخرى هذه مبررات خروج المرأة الغربية إلى العمل ويبدو أن الشيخ السلفي قد أجهد نفسه في إيجادها..فما هي يا ترى مبررات المرأة في الدول الإسلامية الأخرى؟
لا أستطيع الجواب عن هذا السؤال لأن السجين الذي ظل يقبع لسنوات خلف القضبان ولما رأى السجناء الآخرين يفرون فر بدوره وحاز على حريته، أنذاك يسأل في بلاهة: السجناء الآخرين فروا لحاجتهم الماسة للحرية فما سبب فرارك يا هذا؟
لنر الصنف الثاني وهم "الذواقون" وهؤلاء حسب شيوخ السلفية المنجرفين التابعين والمخدوعين وما إلى ذلك من أوصاف القصور التي تدل على رفعة سمو الشيوخ وضعة قدر المؤمنين بقضية عادلة وواضحة للعيان لا لبس فيها إلا من طرف المهووسين بالتحريم في كل آن ومكان.
والذواقون حسب الشيوخ باختصار هم من لا دراية لهم وعليهم أن يسألوا أولوا الألباب. لنر كيف تصفهم السلفية:" فهذه امرأة مطلقة تعالج القضية وكأن العصمة بيدها، وهذه طالبةٌ ساذَجةٌ تتكلَّمُ فيها بعاطفتها، وهذا طبيب يعالجها بسماعته الطبية، وهذا شاعر يصفها بشعره الخاسر، وهذا فنَّان يغازلها بطربه الفاتر، وهذا مهندس يحلِّلُها في معمله المبتكر، وهذا مُفكِّر قد فكَّرَ وقدَّر دون مُعتبر، وهذا محرِّرٌ مجهول ذهب يفسِّر كيفما يقول، وهذا بقَّال باع واشترى القضية بريال، والكلُّ لم يبرح يتكلم بالقيل والقال..الخ"
ولو جاز لنا أن نقول أن كل شخص عليه أن يلتزم بميدانه لجاز لنا أن نقول أن على المفتي الذي لا يفقه في أمور المجتمع (علم الاجتماع) أو الأمور النفسية (علم النفس) أو الأمور الاقتصادية (علم الاقتصاد) أو الأمور السياسية (علوم السياسة) أن يفتي فيها، كيف والأمر أن هناك أعلم منه في ذلك الميدان؟
إن السلفية في هذا الصدد ذهبت أبعد ما يكون حين قامت باستغباء عقول شرائح ممتازة في المجتمع من أمثال: الطلبة-الأطباء-الشعراء- الفنانون-المهندسون- المفكرون- المحررون..فلا أحد يحق له ولو مناقشة هذه القضية إلا علماء الدين فقيادة السيارات أمر ديني بحث!!
ولأن الشيوخ يؤمنون أن السواد الأعظم يعارضهم وأن كلامهم لا يقنع ولا يمنع ولأنهم يعرفون أن مسألة اللجوء إلى استفتاء للرأي أمر فيه كساد فتاويهم فهم ينددون بشيء اسمه "الديمقراطية" ولهذه عمري وهي التي لم أسمع عنها هي "دكتاتورية الشيوخ" واليكم بالحرف والاعتراف هو سيد الأدلة: " ولو أننا أردنا هذه المسألة وأمثالها " ديمقراطية " _ عياذاً بالله _ فليكن استطلاع الرأي حينئذ على كافة أهل هذه البلاد العزيزة، ولو حصل ـ جدلاً ـ لتجاوزت الأرقام الحسابات، وعلت الأصوات كل مكان؛ حتى أنك لا تجد أهل بيت مَدَرٍ، ولا حَجَرٍ إلاَّ ونادى : بمنع وحرمة (قيادة المرأة للسيارة)، في هذه البلاد، في حين تَخفث أصوات الآخرين، وتتلاشى أرقامهم بين الملايين ... فلله الأمرُ من قَبلُ، ومن بَعدُ ."
أحادي الرأي لا يؤمن إلا برأيه ويعتقد جازما أن رأيه مطابق لوحي الإسلام لذلك فلا عجب أن يحق له توجيه وجهات النظر الأخرى على اعتبار أنها ضالة ورأيه هو الذي لا يجانبه الصواب، الدائرة الضيقة التي يفتي فيها بعض العلماء وهي دائرة حدود جغرافية تسمى بلاد السعودية يصر فقهاؤها على اعتبار فتاويهم إجماع، نعم هو إجماع في حدود المملكة العربية السعودية، فلحسن الحظ ليس لدينا نسخ متعددة من ابن باز وابن العثيمين وابن الجبرين في البلاد العربية وإلا تم تحريم القيادة والشعر والرواية والتربية الموسيقية وعمل المرأة وو.. كل ما أحل الله. هذه الطائفة اللذين يسمون أنفسهم علماء وما درسوا علما سوى العلوم الفقهية، كيف يفتون في شؤون المجتمع وما تسلموا يوما شهادة من كلية العلوم والآداب الإنسانية كيف يفتون في أمور سياسية وما تسلموا يوما دبلوما من كلية العلوم السياسية، فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ وهل وصلنا إلى الحد الذي نحكم فيه أمورنا الشخصية والعاطفية والاجتماعية إلى جهلة يلقبون بعلماء الأمة وتجاوزت أصواتهم وتطبيق فتاويهم الحدود الجغرافية للمملكة العربية السعودية. يؤمنون بالديمقراطية إلى النخاع ويعتبرون الدعوة إلى التحرر تطاولا ومساسا بالعفة في شتى الأحوال والحق أن الشيخ بحًت غيرته من أجل فتيات السعودية وحدها بل من أجل محضياته وحدهن فلنقرأ هذا المقطع الذي يفضح هلع الشيخ على المقربين فالمقربين:" إنا نناشدكم بالله - تعالى - ... أن تتركوا تلك البقية من نساء الأمة آمنات مطمئنات في بيوتهن، ولا تزعجونهن بأحلامكم وآمالكم"
نصوغ أيضا هذا النداء من القلب إلى القلب : نناشدكم يا شيوخ هذه الدعوة أن تتركوا المرأة وما كفله لها الله من حقوق ولا تحرموا ما أحل الله، ولا تضيقوا على حريات الناس فالعالم قد ضاق بتضييقكم وفهمكم المغلوط للشريعة الإسلامية السمحاء.


تحت عنوان كبير طنان، تكفي قراءته عند بعض أتباع السلفية ليسلموا بحرمة القيادة، يقول العنوان: : الأدلة الشرعية، والقواعد الفقهية الدالة على حرمة قيادة المرأة للسيارة. وحين نقرأ نجد الكاتب يعد ويعد بحصول البرهان الساطع والحجة الدامغة في دوران وفوران ونحن ننتظر ما يشككنا في قضية بينة" فأقول وبالله التوفيق : إن قضية ( قيادة المرأة للسيارة ) قد قام الدليل الشرعي، والبرهان الحسي على حُرمَتِها ومنعها، لهذا سأذكر ـ إن شاء الله ـ بعض الأدلة الشرعية والحسية القاطعة بتحريم ومنع المرأة من ( قيادة السيارة )، متجنباً للإطالة" وتحت عنوان فرعي بعد فدلكة لغوية طويلة فيه مرة أحرى: الأدلة الشرعية، والقواعد الفقهية. لا يبدأ باستعراض الأدلة الشرعية كما عودنا شيوخ السلفية بل يبدأ في تفسير ووضع المنهج والخطة المخرج من ورطة اعتصار فتوى غاية في التشدد. الجملة الأولى في الفقرة الخاصة بالأدلة الشرعية هي عن المنهج يقول: "أولاً : لا شك أن الأحكام الشرعية لا تخرج في أيِّ مسألةٍ عن الأحكام الخمسة وهي : (الواجب، السنة، الحرام، المكروه، المباح )" ويختم بوضع أقفال حديدية على العقل ولا أحد يحق له أن يجادل أو يتساءل: "والجواب على هذه الأسئلة ليس حقاً مشاعاً لكلِّ من هبَّ ودبَّ !، بل هو حقٌ لمن سَلِمتْ فطرتُه، وظهرتْ غيرتُه، وبان حياؤُه،"
أما عن الأدلة الشرعية التي ما فتئ الشيوخ ينبهون إلى استنادهم عليها وقد ألمح الشيخ الغامدي إلى أن لديه منها الكثير: "أنني لو تتبعتُ أو استقصيتُ هذه الأدلة؛حصراً وكتابةً لطال بنا المقام، وهي ـ ولله الحمد ـ عندي متوفرة موجودة؛ إلاَّ أنني آثرت الاختصار طلباً للفائدة"
[2] فإنني أقول باختصار ووضوح تام أنه لا توجد أي أدلة شرعية في الكتاب تمنع قيادة السيارة وكنت أتمنى أن أجد ما يمكن أن يبني عليه المسلم من القياس الصائب على الأقل واليكم الأدلة المتوفرة والتي يسد بها هؤلاء الطريق على كل من قال بقيادة المرأة والتي بسببها قد يكفرونك ويتهمونك بالطبخ أو التذوق:
- قول الله تعالى( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للنَّاس وإثمهما أكبرُ من نفعهما ) البقرة 219
-قال الرسول ص: أنه قال : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال بعدي من النساء "
- وقال ـ أيضاً ـ صلى الله عليه وسلم : " إن الدنيا حُلوةٌ خَضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون ؟، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء "
- لهذا اشتهر عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها كانت ترى منع النساء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، من الذهاب إلى المساجد للصلاة، فيما روته عنها عمرة بنت عبد الرحمن : حيث قالت : " لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنِعهُ نساء بني إسرائيل "، قيل لعمرة أو منعن ؟ قالت : نعم " في حين أنها تعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، وهو قوله : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهنَّ خيرٌ لهنّ"
- " لا ضرر ولا ضرار " رواه ابن ماجه.
- " إن الحلال بيِّنٌ، والحرام بيِّنٌ، وبينهما أمور مشتبهات؛ لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فمن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينِه وعرضِه، ومن وَقَعَ في الشبهات وقَع في الحرام... " متفق عليه.
- " دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ "
- البرُّ حسنُ الخلق، والإثمُ : ما حاك في نفسك، وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناس " رواه مسلم.
ولأن شيوخ السلفية على علم أن هذه الأدلة لا تقنع حتى الأطفال الصغار فإنهم أطالوا في كتبهم وفي فتاويهم في استعراض المنهج الاحترازي والمشكك والملح على ضرورة المنع والتحريم.
ومنهجهم الغريب يبدأ بالعبارة التالية: " فالجواب : أن أصل مسألة ( قيادة المرأة للسيارة) الإباحة"
لكن المباح لدى السلفية هو في أضيق حدوده أمر خاضع للتبدل في كل زمان ومكان وهي عكس المقولة التي لطالما دافعت عليها السلفية في مجموع الأمور المتعلقة بالتحريم.
لنر كيف يمكن للشيخ أن يجعل المباح حراما يقول بأسلوب مبتسر: "المباح من الأحكام التي قد يتأثر، ويتكيَّف بالأحكام الأخرى ؛ خلافاً للأحكام الأربعة؛ فهي أصلية لا تتغير، ولا تتبدل بتغير الزمان أو المكان؛ بل ثابتةٌ وراسيةٌ مثل الجبال الرواسي؛ لأنها مستمدة من الوحيين – الكتاب والسنة - ."
والحق أن السلفية اعتبرت في هذا الباب أن المباح هنا هو من أجل الحرام وحسمت الأمر معتبرة أن القيادة فتنة تؤدي إلى محرمات لكنها وقعت في خطأ الاستشهاد بأدلة غير قطعية في المسألة وحين لم يسعفها القياس لأنه لم ترد أحاديث تحرم على المرأة ركوب الدواب، رغم أن الدواب ليست هي السيارة والطائرة والقاطرة، ولأن السلفية تعلم واقع الإجماع الذي لا يتجاوز فقهاء البلاط، وليس له من سلطة عملية أو تقديرية على باقي بلاد المعمور، لهذا كله نجد أن السلفية حكمت الأصل الخامس في الإسلام وهو الأصل الذي طالما استعملته السلفية كورقة فيتو. فكلنا نعرف أن الحجة اليقين هي من القرآن فإن لم نجد الحجة فإن السنة أكثر تفصيلا وهي الحجة وهناك الغالب الأعم من أهل السنة والكتاب من لا يتجاوز السنة والكتاب، لكن مع ذلك كثيرا ما نحكم الإجماع والقياس بعده وفي الأصلين الأخيرين نجد الكثير من الخلافات والشبهات وهو ما جعل مجموعة من المسائل ليست محل إجماع من طرف الأمة وفي حاجة إلى اجتهادات سديدة نعدمها في وقتنا الراهن، والكثير من القياسات لا تنطبق تماما على العصر الحالي نظرا لتباعد العصور فمثلا يصعب قياس مسألة الاستنساخ بمسألة مشابهة لها في عصر الرسول، إلى هنا نسلم مع جمهور الأمة بحقيقة الاختلافات الموجودة والأصول المتبعة، أما حين يتعلق الأمر بأصل خامس وهو باب سد الذرائع فالأمر لا يعدو عن كونه بابا للتحريم يبرر تحريم كل ما هو جديد تحت ذريعة الحرص والحذر.ورغم أن الشيخ يعظم من شأن هذا الباب ويعتبره من مقاصد الشريعة الإسلامية ولم يكن سد باب الحلال يوما من مقاصد الشريعة، لكن الشيخ يكفيه أن ابن تيمية استدل على سد الذرائع بـ(أربعة وعشرون) وجها، وكذا تلميذه ابن القيم بـ( تسعة وتسعين) دليلا. وهنا نقول أن أصول الشريعة الإسلامية ليست موضوعا للتزيد وكل يوم يطلع علينا من يضيف أصلا جديدا. المسلمون لا يخرجون عن الأصول الأربعة(القرآن-السنة-الإجماع-القياس) متى كانت الحجة سليمة وصحيحة وتابثة أما غير ذلك فموضوع مقاصد الإسلام ليس موضوعا للتزيد فالكل يعرف أن الإسلام دين يسر لا عسر، دين يشرع للتمييز بين الحلال والحرام ولم يكن الحلال لينقسم إلى حلال محرم وحلال بين إلا عند ثلة من الفقهاء المتعصبين في آخر الزمان.
وإليكم المواقف الداعية إلى التحريم والتي هي من باب ما يفترض أن يكون:
"فكم عفيفةٍ ذهب شرفها، وكم حرة خُدش حيائها؛ بسبب المواقف المحرجة التي تواجهها أثناء الحوادث المروريَّة؛ فهذا يساومها على عرضها، وذاك ينتهز ضعفها، وأخر يسترق عاطفتها"
إن وضع الاحتمالات بهذا الشكل لهو أمر يدل على وسوسة وليس على حرص، لأن هناك ألف احتمال وسيناريو غير هذا يوقعنا في حالة من الهوس والوسوسة حول مصائر علاقاتنا الاجتماعية وطباعنا النفسية.
وبعد أن يؤجج الشيخ غيرة المسلم على حريمه يسأله: "من هذا الذي لا يجدُ في نفسه غضاضةً عندما تقوم إحدى محارمه سواء كانت زوجته، أو أخته، أو ابنته؛ بقيادة السيارة ؟! . أفلا يجدُ في نفسه كراهةً حينما يشعرُ أن الناس يعلمون أن إحدى محارمه تقود السيارة؛ لا سيما وهي تجول في الطرقات، وتهبط الأسواق…؟؟"
والحقيقة أن الشيخ لم يطرح هذه الأسئلة إلا بعد أن وضع شرطا مانعا من الإجابة عنها فمن لا يشعر بالغضاضة والكراهية إزاء قيادة السيارة من طرف المرأة فهو إنسان فسدت فطرته وقل حياؤه : "والجواب على هذه الأسئلة ليس حقاً مشاعاً لكلِّ من هبَّ ودبَّ !، بل هو حقٌ لمن سَلِمتْ فطرتُه، وظهرتْ غيرتُه، وبان حياؤُه، فمن هذه حالُه فلا شك أن الغضاضةَ، والكراهيةَ يجدها ضرورةً في نفسه، والحياءَ، والخجلَ يعلوهُ طبعاً، وشرعاً"
وأية غضاضة سيجد المسلم حين يرى زوجته أو ابنته أو أخته تقود السيارة؟ وأي عار سيلحقه من ذلك إلا إذا كانت غايتها من قيادة السيارة هي معاكسة الشبان وإثارتهم وارتياد البارات والملاهي الليلية، أما إذا كانت غايتها هي الوصول إلى مكان عملها أو قضاء مصلحة من مصالحها فما العيب في ذلك؟
بعد أن أفضى الشيخ بأدلته الحاسمة والقاطعة في القضية وباختصار يحسد عليه لا بأس أن يستفيض في ما اعتبره شبهات:
- قيادة المرأة من ضروريات ومتطلبات العصر
- قانون قيادة السيارة في البلدان الإسلامية لن يكون كباقي البلدان الأخرى بل ستراعى فيه قضية السفور والاختلاط.
- إن ( قيادة المرأة للسيارة ) خير لها من الخَلوة بالسائق الأجنبي .
وهو لا يعرض هذه الآراء بحياد بل يعمل على تسفيهها ليس من باب سد الذرائع بل من باب سد العقول والختم على أقفالها. أما الشبهات الحقيقية فهي التي جاءت وابلا على لسان الشيخ حين تفتقت قريحته على مجموعة من الذرائع:
- من قادت السيارة من النساء سوف تكشف وجهها لتحذر عقبات الطرق، ومغبات الحوادث .(ولعله سبب كاف لاعتبار الحجاب اسم على مسمى يحجب عن المرأة أداء حوائجها وقضاء مصالحها)
- وسبب لكثرة خروجها من البيت، والبيت خيرٌ لها، وفتح الباب على مصراعيه لها بحيث تخرج متى شاءت، وإلى من شاءت، وحيث شاءت (يبدو جليا هنا أن منع القيادة هو بسبب رفض الشيوخ أن تخرج المرأة أصلا من البيت ويتضح سبب التحجر أيضا إذا اعتبرنا أن السيارة هي وسيلة للذهاب أينما شاءت ومتى شاءت فإذا كانت هذه هي الأسباب فالأمر في غاية الوضوح ويجب أن يتعلق الأمر بفتوى تحريم خروج المرأة من البيت والتوجه إلى أي مكان شاءت)
- تمرد المرأة على زوجها، وأهلها؛ فلأدنى سبب يثيرها في البيت تخرج منه وتذهب لسيارتها إلى حيث ترى …! (للجهل البين بأمور المجتمع يخلط الفقيه بين ما يتعلق بمسائل العصيان والعقوق ومسألة التمرد والخروج من البيت، ويختلق ذرائع واهية لمجرد أنها محتملة تصبح هاجسا ووسوسة ويربط بينها وبين منطق قيادة السيارة بشكل مجحف)
- مطالبة المرأة بصورتها في رخصة القيادة للتحقق من هويتها .(كلنا نعرف أن المرأة أيضا تفتش في الجمارك ويمكن نزع ثيابها إن اقتضى الأمر ذلك ولا يخفى على أحد أن القانون والأمن لا يتعارض مع الحياء والعفة لأنه يمكن تفتيشها من طرف امرأة من جنسها، فما أغرب هذا القانون الذي يبالغ في حشمته ووقاره إلى الدرجة التي يعتبر فيها رؤية صورة البطاقة عارا وسببا للفتنة وللغواية)
- المرأة سبب للفتنة في مواقف عديدة: في الوقوف عند إشارات الطريق . في الوقوف عند نقطة التفتيش. في الوقوف لملْأ إطار السيارة بالهواء " البنشر " . في الوقوف عند محطات البنزين . في الوقوف عند رجال المرور عند التحقيق في مخالفة أو حادث. في الوقوف عند خلل يقع بالسيارة أثناء الطريق.
(إننا أمام مجموعة من السيناريوهات التي تصلح لحلقات مسلسل تلفزيوني وقد تفنن الشيخ في إضفاء جو القلق والغيرة والخوف على فقدان الشرف، وإذا أردنا أن ننسج سلسلة أخرى من الهلاوس والتخوفات حول المرأة لعرفنا أن كل مكان تخطو إليه محفوف بقلق مرضي فحتى بيتها المصون لن يأمن من قصص مثيرة ومقلقة تقض مضجع الشيوخ الأفاضل لهذا نطمئنهم إلى أن الشارع ليس وكرا للذئاب والسفلة دائما وأن البيت ليس رمز الفضيلة دائما.)

كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن ما يسمى بالإباحية ولكن هناك تغافل وتكتم عن ما يسمى بالتحريمية التي باتت تضيق على حياتنا اليومية والشخصية تحت لواء الدين والعفة ومحاربة الإباحية، إنها كلها مبررات للتدخل بين الإنسان ونفسه في شؤونه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية مما يشكل انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان في القرن الواحد والعشرين.
تحت مظلة الدين التي يحملها شيوخ الوهابية الذين حولوا طاقات شبابية إلى متفجرات نجدهم يتسترون ويستميتون في دفاعهم ، تحت لواء الرجعية ومخاطبة الآخر على أنه ضال ومن الدواب نجدهم يسوقون دعواتهم وقد حشدوا كل الطاقات من أموال وشباب ونساء وأطفال. ما زال خطابهم وسيظل يتستر بنظرية المؤامرة التي تقول أن كل من يعمل فكره وكل من لا ينصاع لدكتاتورية الشيوخ هو مارق فاسق فاسد الدين. أقول أنها دكتاتورية مهووسة بالتحريم وقد جاءت كرد فعل على الانحلال والإباحية ليس لتحل ما أحله الله وتحرم ما حرمه بل لتحرم فقط وتعتبر كل ما هو حلال شبهات.
لقد تطرقنا إلى هذا الموضوع ليس بهدف مناقشة قضية بديهية هي سياقة المرأة ، لأننا نؤمن بأن العالم بطبيعته تقدمي وأن المرأة لا محالة سيكون من حقها قيادة السيارات والشاحنات والحافلات والطائرات والقاطرات والبارجات في كل بلاد العالم والشيخ الدكتاتوري سيعفو عنه الزمان ولن يعفو عليه التاريخ، هذه المناقشة أيضا كانت من أجل أن يعرف المثقفين والمفكرين أن تفكير الإنسان ما زال في حدوده الدنيا يقف عثرة في وجه التطور والتقدم وانشغال المفكرين والمثقفين بقضايا عالية التجريد والسمو في غفلة عن التفكير الذي يسود بين العامة من شأنه أن يؤجل التنمية والازدهار الفكري الشامل إلى أمد بعيد.

شكيب أريج
01/11/2006
[1] خدعة عمرو بن العاص التي استعملها في معركة صفين حين شعر أن جيوش معاوية منهزمة أمر بأن ترفع المصاحف على الرماح وقال بيننا وبينكم كتاب الله وهو حق اريد به باطل كما قال الامام علي
[2] الغريب أن أكثر من 90 في المائة من الكتاب لم يتطرق إلى الأدلة فهو يتحدث عن دعاة القيادة ومؤامراتهم ويصف الأخرين بالقصور دون أن ينتبه لحظة واحدة الى الاختصار والافادة